تحليل: ما سر التفوق الألماني في مواجهة أزمة كورونا؟ | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 27.09.2020
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

تحليل: ما سر التفوق الألماني في مواجهة أزمة كورونا؟

تعكس مؤشرات الاقتصاد الألماني التي تدل على تراجع أقل من المتوقع، نجاح ألمانيا أكثر من دول كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا في مواجهة تبعات جائحة كورونا، ما السر في هذا النجاح وما الدور الذي لعبته حكومة المستشارة ميركل في ذلك؟

صناعة السيارات الألمانية تشكل إحدى قاطرات الاقتتصاد الألماني

المستشارة ميركل في معرض السيارات 2019 بمدينة فرانكفورت وتبدو في الصورة أحدى أحدث نماذج مرسيدس

 في غمرة ازدياد المخاوف من قيود وإغلاقات جديدة بسبب ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا مؤخرا، تأتي معطيات ومؤشرات متفائلة عن الاقتصاد الألماني. في هذا السياق جاء في آخر تقارير "ايفو" الرائد للبحوث الاقتصادية التي يتخذ من مدينة ميونيخ مقرا له أن انكماش هذا الاقتصاد خلال السنة الجارية 2020 سيبقى في حدود تزيد قليلا على 5 بالمائة بدلا من توقعات سابقة تحدثت عن تراجع بنحو 7 بالمائة. وكشف مؤشر المعهد لمناخ الأعمال عن تزايد ثقة الشركات الصناعية الألمانية بالتعافي من صدمة كورونا بشكل أسرع من المتوقع.

خصائص فريدة للاقتصاد الألماني

مقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى وفي مقدمتها إسبانيا وإيطاليا وفرنسا تمكن الاقتصاد الألماني حتى الآن من مواجهة تبعات جائحة كورونا بشكل أفضل. ففي هذه الدول ما تزال التوقعات بحدوث انكماش اقتصادي يتراوح بين 10 إلى 14 بالمائة قائمة. أما في ألمانيا التي شهدت خلال الأزمة المالية العالمية انكماشا بنحو 6 بالمائة، فإن تبعات جائحة كورونا على معدلات النمو الاقتصادي تبدو أقل سوءا في المجمل. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا تمكنت ألمانيا من مواجهة تبعات الجائحة بشكل أفضل من جيرانها وغالبية دول العالم؟

تكمن أحد أسرار قوة الاقتصاد الألماني في تنوعه وتخصصه بشكل فريد من نوعه على مستوى العالم. فإلى جانب القطاعات التقليدية الزراعية والحرفية التي حافظ عليها رغم النهضة الصناعية، يضم هذا الاقتصاد قطاعات تنتج أحدث التقنيات العالمية في قطاعات السيارات والطب والاتصالات والطاقة والطائرات والفضاء ومجالات أخرى رائدة.

ومما يعنيه هذا التنوع عدم ارتهانه على قطاع لوحده كما هو عليه الحال في اقتصاديات دول أخرى تعتمد على السياحة مثل إسبانيا أو على الخدمات المالية كما هو عليه الحال في بريطانيا. ومن شأن تنوع الاقتصاد الألماني أن يضمن له حصانة فريدة في وجه الأزمات والأوبئة، لاسيما وأن نسبة اكتفائه الذاتي من السلع الأساسية تقترب من نحو 70 بالمائة.

التوجه إلى التصنيع لا يتعارض مع دعم القطاعات التقليدية كالزراعة

حتى في بلد صناعي مثل ألمانيا ما تزال الزراعة قطاعا حيويا تتم المحافظة عليه ودعمه من الحكومة بمختلف السبل

توقيت مناسب لألمانيا أكثر من جيرانها

وإضافة إلى التنوع الذي تعززه سوق واسعة قوامها أكثر من 80 مليون مستهلك، فإن توقيت الجائحة جاء في وقت تمتعت فيه الموازنة الألمانية بالتوازن على مدى سنوات في وقت ما تزال فيه موازنات إيطاليا وإسبانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى تعاني العجز المتزايد منذ الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي اندلعت عام 2008.

كما حققت ألمانيا بفضل الازدهار الاقتصادي التي شهدته خلال السنوات العشر الأخيرة وفرة مالية ضريبية ساعدت حكومة المستشارة ميركل على تشكيل احتياطات كبيرة وتخصيص حزمة مالية ضخمة بقيمة 130 مليار يورو لتعويض العاملين والشركات قسما هاما من خسائرها ومنع إفلاسها. كما تم تخصيص جزء هام من الحزمة  للحد من الركود من خلال ضخ استثمارات كبيرة في قطاعات استراتيجية كالمعلوماتية والطاقات المتجددة.

مشاهدة الفيديو 03:27

نحن بحاجة إلى خبراء رقميين!

أهمية العدالة وسرعة الاستجابة

غير أن التنوع ووفرة الموارد غير كاف لضمان حصانة منيعة أمام الأزمات. فالأمر يتعلق أولا وآخرا بمدى سرعة السلطات المحلية والحكومة في اتخاذ الاجراءات المناسبة وتوزيع الموارد بشكل يقوم على العدالة الاجتماعية.

في ألمانيا عادة ما يسير إنجاز الكثير من الأعمال والمشاريع ببطء  يفاجئ الكثيرين. غير أن تعامل الحكومة الألمانية مع جائحة كورونا حصل بسرعة استثنائية غير معهودة فور انتشارها أواسط مارس/ آذار الماضي. وشمل هذا التعامل منذ الأيام الأولى بالإضافة إلى تخصيص حزمة مالية ضخمة، إصدار قوانين ووضع آليات تقديم الدعم المالي للمعنيين بسرعة فائقة وأداء متميز رغم تعقيدات البيروقراطية الألمانية التي يُضرب بها المثل.

وفي هذا الإطار تتم مراعاة تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل جيد في توزيع الدعم بين الفئات المتضررة رغم نفوذ لوبيات وشركات كبيرة تحاول إعاقة مثل هذا التوزيع. وقد وصف فريدريش هايمان خبير "مركز الأبحاث الأوروبية" في مدينة مانهايم الألمانية سرعة الإدارات الألمانية في الاستجابة لدعم العاملين المتضررين من الجائحة وتوفير دعم السيولة المالية للمؤسسات والشركات بأنه "مدهش حقا".

مشاهدة الفيديو 01:54

شركة دايملر الألمانية تكشف عن أول شاحنة صديقة للبيئة

أي دور لتبادل الثقة بين الشعب والحكومة؟

هذا الأداء المتميز قابله المواطن والمقيم والمهاجر بثقة أقوى في الإدارات الرسمية وعلى رأسها حكومة المستشارة ميركل التي شكلت مع وزرائها أكثر من خلية أزمة لمواجهة تبعات الجائحة. وقد أدت زيادة الثقة هذه إلى مزيد من الالتزام بقواعد الانضباط الصحي والتباعد الاجتماعي والتقييدات الأخرى التي حددتها الحكومة في مختلف القطاعات الاقتصادية والحياة العامة، ولا يغير من واقع تفهم معظم الناس لوجهة نظر الحكومة وتقيدهم باجراءاتها خروج الآلاف في مظاهرات واحتجاجات على أكثر من إجراء قامت به على صعيد تقييد الحريات العامة.

ومن التبعات الإيجابية لقوة الانضباط المذكور استمرار عمل المؤسسات والشركات والإدارات بشكل كلي أو جزئي وبقاء حجم الإصابات وتكاليفها أقل بكثير مما هو عليه الحال في الدول الأخرى.

ابراهيم محمد: تبادل الثقة بين الناس والحكومة من أساس نجاج الاقتصاد في مواجهة الأزمات

ابراهيم محمد: خصائص فريدة للاقتصاد الألماني في التنوع والتخصص

العالم العربي والتجربة الألمانية

ولكن ماذا عن تجارب العالم العربي في مواجهة الجائحة مقارنة مع ألمانيا؟ هناك دول عربية عديدة كمصر والعراق والأردن والمغرب ولبنان اتخذت قرارات وإجراءات تهدف إلى كبحها. غير أن القرارت في عالمنا العربي لا تطبق إلا بشكل جزئي بسبب ضعف احترام الناس لها وتجاوزها حتى من قبل السلطات المسؤولة عنها لأسباب أبرزها الفساد والمحسوبيات وغياب دولة القانون.

ويشير إلى ضعف التطبيق فيما يتعلق بقوانين كورونا شكاوى متكررة من لامبالاة الناس إزاء قواعد الانضباط الصحي في الدول المذكورة ودول أخرى. ولم تنفع نداءات السلطات كثيرا في دفع الناس إلى مزيد من الالتزام بشكل ملموس لأسباب من أبرزها ضعف الثقة أو غيابها في النخبة الحاكمة وإجراءاتها. وهنا يطرح السؤال التالي نفسه، ما الفائدة من إصدار أفضل القوانين إذا كانت لا تطبق؟

تظهر التجربة الألمانية في مواجهة تبعات كورونا أن تطبيق القوانين المتعلقة بمواجهة الأوبئة والأزمات لا يرتبط بتوفر الموارد المالية وحسب، بل أيضا بتبادل الثقة بين المواطن وحكومته. ومن الطبيعي أن ثقة كهذه لاتحصل إلا إذا تم توزيع الموارد بشفافية وبشكل يضمن عدالة اجتماعية توفر للناس حياة كريمة رغم اختلاف مستوى الدخول بين الفئات الاجتماعية. مثل هذه الحياة تضمنها الدولة الألمانية لمواطنيها في ظل سيادة القانون على الجميع بغض النظر عن عمله ومنصبه.

ابراهيم محمد

مشاهدة الفيديو 01:38

ألمانيا تأمل بانتعاش اقتصادي سريع