كيف ينظر اللبنانيون إلى الاتفاق الإطاري مع إسرائيل؟
٣ يوليو ٢٠٢٦
نزح أكثر من مليون شخص من جنوب لبنان جراء التصعيد بين إسرائيل وميليشيا حزب الله الشيعي المدعوم من إيران. واحتلت إسرائيل جزءًا كبيرًا من جنوب البلاد وجعلت منها منطقة أمنية تحت مبرر حماية سكان شمال إسرائيل من هجمات حزب الله.
ويعتبر حزب الله أقوى قوة عسكرية في لبنان، وحتى أنَّه أقوى من الجيش النظامي. وهو مصنَّف كليًا أو جزئيًا في عدة دول غربية ودول أخرى كمنظمة إرهابية. وحاليًا هو الطرف اللبناني الوحيد الذي يخوض مواجهات عسكرية ضد إسرائيل.
بدأ التصعيد الأخير في بداية آذار/مارس الماضي بعد إطلاق حزب الله رشقات صواريخ على إسرائيل، وقال إنَّ هذا رده على اغتيال إسرائيل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ومنذ ذلك الحين قُتل في لبنان - بحسب مصادر لبنانية - أكثر من 4 آلاف شخص وأصيب أكثر من 12 ألف شخص آخر. وبحسب التقديرات الحالية فقد قُتل على الجانب الإسرائيلي ما لا يقل عن 34 جنديًا إسرائيليًا.
ومن أجل إنهاء القتال عُقدت بوساطة أمريكية خمس جولات من المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان دون مشاركة حزب الله. والجمعة الماضي، توصل البلدان برعاية الولايات المتحدة إلى اتفاق إطاري ثلاثي، يمهد الطريق لحلٍّ سياسي تحت إشراف الولايات المتحدة.
وأشاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بالخطوة وصف الاتفاق بأنَّه "بداية البداية" على طريق طويل نحو السلام بين البلدين. لكن الكثير من اللبنانيين يشككون في قدرة هذا الاتفاق الإطاري على إنهاء القتال لكونه لم يشمل حزب الله كطرف. ويُعتبر الحزب قوة سياسية وعسكرية رئيسية في لبنان منذ عدة عقود، ويحظى بدعم واسع خاصة بين السكان الشيعة. وغالبًا ما يتم وصفه من قبل منتقديه بأنَّه "دولة داخل الدولة" بسبب قوته العسكرية وشبكته السياسية والاجتماعية الواسعة.
تشكيك من قبل منتقدي حزب الله
في خطوة كانت متوقعة، رفض الحزب الاتفاق، الذي ينص في بنوده على نزع الدولة اللبنانية لسلاح الحزب قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان.
وبعد ساعات قليلة من إعلان الاتفاق، خرج أنصار حزب الله إلى الشوارع في بيروت، وأشعلوا الإطارات واشتبكوا مع قوات الأمن قرب مبانٍ حكومية. وفي نهاية الأسبوع، اعتبر نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، الاتفاق بأنَّه "مذل ومخزٍ" و"تخلٍ عن سيادة لبنان"، محذرا من أنه "يمنح" إسرائيل إمكانية ضمّ أراضٍ لبنانية بشكل دائم. ويسيطر الجيش الإسرائيلي حاليًا على نحو 600 كيلومتر مربع من جنوب لبنان.
غير أنَّ مؤيدي حزب الله لا يرفضون وحدهم الإتفاق، بل هناك كثير من اللبنانيين المنتقدين له ينظرون بريبة إلى إمكانية تحقيق مخرجات الاتفاق. وضمن هذا السياق قال مثلًا ريمون خوري، وهو شاب من بيروت عمره 39 عامًا، لـDW: "بشكل عام كنت ضد الحرب والطريقة التي بدأت بها". مشيرًا إلى هجمات حزب الله الصاروخية على إسرائيل في بداية آذار/مارس. ومع ذلك أضاف خوري أنَّ الاتفاق برأيه "ليس في مصلحة" لبنان، وذكر أنَّه أيَّد إجراء محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في بداية العام. ولكن المادة 13 من الاتفاق تثير قلقله بشكل خاص. ويقول: "في هذه الحرب قُتل أشخاص كثيرون وهذه المادة قد تعني عدم محاسبة الجناة".
المادة 13
تنص المادة 13 على "وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، وهذا يعني عدم مقاضاة أي طرف من الطرفين للطرف الآخر في المحاكم الدولية. وعلى ضوءها قد لا يسمح للبنانيين، الذين دمرّت منازلهم أو فقدوا أقاربهم، بالمطالبة بتعويضات في المحاكم الدولية.
وفي حدث مع DW انتقد الاتفاق أيضًا شاب من بيروت ذكر لنا اسمه الأول "ستيف" باللغة الإنكليزية لأسباب أمنية، وقال إنَّ "الاتفاق في النهاية يضع لبنان في موقف ضعيف جدًا". وأضاف أنَّه كان أيضا من المؤيدين للمحادثات المباشرة، بيد أن تصريحات السياسيين في الحكومة الإسرائيلية بيّنت له أنَّ تل أبيب "لا تنوي التصرف بحسن نية على الإطلاق".
مدخل إلى صدّ النفوذ الإيراني؟
رغم التوصل إلى الاتفاق الإطاري، تقع باستمرار هجمات متبادلة واشتباكات عسكرية بين مقاتلي حزب الله والجنود الإسرائيليين. كما صرّح سياسون إسرائيليون بارزون، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بأنَّ إسرائيل لن تسحب قواتها من جنوب لبنان إلا بعد تحقيق شروطها.
ومع ذلك ينظر بعض المراقبين - خاصة في إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج - بنظرة إيجابية إلى الاتفاق الإطاري، باعتباره "سوف يساعد لبنان على التحرر من التبعية الإيرانية" مستقبلا.
وقبل الاتفاق اشترطت طهران في حزيران/يونيو الماضي انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان للمضي في مباحثات التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة. وقد فسَّر الكثيرون ذلك على أنَّه دليل إضافي على تأثير إيران على السيادة اللبنانية.
وحول ذلك، علّقت الباحثة في معهد واشنطن حنين غدار في حوار مع DW بالقول: "الاتفاق تاريخي لأنَّه أول اتفاق مُوقَّع بين لبنان وإسرائيل منذ عام 1983". وأضافت أنَّ نزع سلاح حزب الله "عملية صعبة ومعقدة"، ولكنها في النهاية "الفرصة الوحيدة والأخيرة للبنان"، وعدا ذلك ستواصل إيران تأثيرها على القرار اللبناني.
في ذات السياق، كتبت المعلقة السياسية السورية علياء منصور في مجلة المجلة بأنّ "هذا الاتفاق لا يرقى إلى معادة سلام. ولكنه خطوة باتجاه إنهاء حالة الحرب المستمرة بين البلدين. ليبدأ مسار تفاوضي وصولًا إلى اتفاق أمني جديد".
إسرائيل مكان إيران؟
في المقابل يرى النقاد أنَّ الاتفاق يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل نفوذًا كبيرًا على السيادة اللبنانية وسوف يعوضان بذلك حزب الله، ويعللون طرحهم هذا اعتمادا على أنّ الاتفاق الإطاري يمنح إسرائيل "حق تقييم" ما إذا كانت إجراءات الدولة اللبنانية كافية ضد حزب الله أم لا.
وانتقد الاتفاق أيضًا الأستاذ ينس هانسن، مدير المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت. وقال لـDW: "الاتفاق على أية حال ينص على إعلان إسرائيل أنَّها لا تضمر أي أطماع أو مطالبات إقليمية في لبنان. ومن الجيد معرفة ذلك. ولكن يبدو أنَّ هذا هو الشيء الوحيد الذي تقدّمه إسرائيل في المقابل".
آليات التنفيذ
كتب خلدون الشريف، المستشار السياسي في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر، بأنه "لا يمكن إنكار الفرص التي يتيحها هذا الاتفاق للبنان. ولكن ترجمة هذه الفرص على أرض واقع يعتمد على كيفية تنفيذه".
وأضاف أنَّ أهم ثلاثة أطراف، والتي هي الحكومة اللبنانية وإسرائيل وحزب الله، تفهم الاتفاق بشكل مختلف. "لذلك فإنَّ السؤال الأهم ليس إن كان الاتفاق جيدًا أم سيئًا، بل إن كان من الممكن تنفيذه أصلًا طالما لم تتفق الأطراف المعنية على تفسيره".
ويشكك ينس هانسن أيضًا في إمكانية تحقيق الهدف عبر مسار نزع سلاح حزب الله، قائلا: "هل هذا حقًا هو المسار الأفضل والأكثر عملية؟".
ويشارك الخبير في شؤون الشرق الأوسط انطباع كثير من اللبنانيين بأنَّ الدولة اللبنانية قدمت تنازلات "أكثر مما هو ضروري" في المفاوضات، باعتبار أنَّ الاتفاق لا يحدد أية معايير ومواعيد واضحة، حسب قوله، كما أنه لا يتحدث بشكل صريح حول "انسحاب" إسرائيلي، بل استخدم النص مصطلح "نقل" القوات الإسرائيلية.
ويقول ينس هانسن: "أنا في الواقع شخص متفائل. ولكنني حاليًا قلق جدًا بشأن الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه لبنان بعد عشر سنين".
أعده للعربية: رائد الباش