فلورنتينو بيريز وريال مدريد.. بداية العدّ التنازلي؟
٢٢ مايو ٢٠٢٦
على مدى أكثر من عقدين، لم يكن فلورنتينو بيريز مجرد رئيس لنادي ريال مدريد ، بل تحوّل إلى أحد أكثر رموز النفوذ حضورًا في إسبانيا. تحت قيادته، انتقل النادي الملكي من مجرد مؤسسة رياضية إلى علامة عالمية ذات قوة اقتصادية وتأثير إعلامي وربما حضور سياسي غير مباشر في بعض الأحيان.
وسع رجل الأعمال الإسباني الملقب بـ "الشامخ" في الآن ذاته إمبراطورية الأعمال المرتبطة به عبر مجموعة "إي سي إس غروب" (ACS Group). وأصبح اسم بيريز في اسبانيا لا يحضر فقط في صفحات الرياضة أو الاقتصاد، بل بات يظهر أحيانًا في النقاشات السياسية والإعلامية التي تتجاوز حدود كرة القدم.
أزمات رياضية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر
داخل المستطيل الأخضر، واصل فلورنتينو بيريز بناء مشروعه الخاص بريال مدريد، القائم على الجمع بين النجوم العالميين والبنية التحتية الضخمة والهيمنة التسويقية.
من "مشروع الغلاكتيكوس" المبني على جلب نجوم فوق العادة إلى إعادة تطوير ملعب سانتياغو برنابيو، شكّل بيريز نموذجًا لنادٍ لا يكتفي بالمنافسة الرياضية، بل يسعى إلى قيادة كرة القدم اقتصاديًا. لكن هذا النموذج نفسه أصبح محل جدل متزايد.
الضربة الأولى لبيريز ربما كانت مشروع دوري السوبر الأوروبي الذي قاده فلورنتينو، والذي تم إجهاضه قبل أن يرى النور، حيث مثل نقطة تحوّل في علاقته مع المنظومة الكروية الأوروبية. ففي حين قدّمه مؤيدوه باعتباره محاولة لإنقاذ كرة القدم الكبرى من أزماتها المالية المتفاقمة، اعتبره معارضوه مشروعًا لإعادة هندسة ميزان القوة داخل اللعبة بما يخدم نخبة محدودة من الأندية الكبرى.
ورغم تراجع المشروع مؤقتًا، إلا أن تداعياته لم تختفِ. فقد بقي ريال مدريد في حالة شد وجذب مستمر مع المؤسسات الكروية، بينما استمر اسم بيريز في الظهور كأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارة للانقسام في كرة القدم الحديثة.
وعلى المستوى الرياضي عاش ريال مدريد في الفترة الأخيرة حالة من الاضطراب الداخلي انعكست على نتائجه وأجوائه العامة، أدت إلى غياب الألقاب الكبرى، بالتزامن مع تغييرات متكررة في الجهاز الفني وعدم استقرار على مستوى التشكيلة. كما أُثيرت انتقادات من جماهير النادي بشأن أداء بعض اللاعبين وسلوكياتهم اعتُبرت غير منضبطة داخل وخارج الملعب، ما خلق أجواءً مشحونة زادت من حدة الضغط الإعلامي والجماهيري على الفريق وإدارته.
بين الحكومة الإسبانية وبيريز: "خلاف غير معلن"؟
ينظر إلى فلورنتينو بيريز بوصفه شخصية رياضية بارزة، لكنه في العمق رجل أعمال إسباني نافذ يمتد تأثيره إلى مجال الاقتصاد والإعلام ومجالات أخرى، ما جعله حاضرًا بشكل غير مباشر في تقاطعات السياسة والاقتصاد داخل إسبانيا.
وفي هذا السياق، يخيل لبعض المراقبين أن قرب بيريز التقليدي من دوائر "اليمين الاقتصادي" قد خلق انطباعًا بوجود قدر من التباين غير المعلن مع بعض توجهات الحكومة الحالية على غرار مراجعة أو إعادة تقييم بعض العقود مع شركات أجنبية، دون أن يتحول ذلك إلى صدام مباشر أو معلن، بل يظهر في شكل تباينات في القراءة والمواقف أكثر من كونه خلافًا صريحًا.
في المقابل، نفت شركة "إي سي إس" (ACS Group)، التي يترأس بيريز مجلس إدارتها، أي ارتباط مباشر بالمضامين المثارة، مؤكدة أن بعض قرارات حكومة سانشيز في هذا الاتجاه تعود إلى شركات فرعية سابقة لم تعد ضمن هيكلها الحالي، وبالتالي لا تعكس وضعها القانوني الراهن.
ويؤكد ذلك بعض الصحفيين الإسبان، ومن بينهم خوان كاسترو من صحيفة ماركا الذي قال لـ DW عربية: "لا يوجد تصادم أيديولوجي مباشر بين بيريز وسانشيز، بل علاقة ضمن الإطار المؤسسي الطبيعي". كما يشير إلى أن تصنيف بيريز سياسيًا يبقى معقدًا، إذ يُنظر إليه أحيانًا كقريب من "اليمين الاقتصادي" في حين أن أسلوبه الإداري والتواصلي لا يعكس انخراطًا سياسيًا مباشرًا، بل إدارة توازن بين مختلف الاتجاهات دون تبنّي صدامات معلنة.
هل يقترب فلورنتينو بيريز من لحظة الرحيل؟
وبينما يستمر الجدل حول المرحلة الرياضية الحالية داخل ريال مدريد، بدأت بعض الأوساط الإعلامية تطرح أسماء محتملة قد تظهر مستقبلًا ضمن دائرة المرشحين لرئاسة النادي، في حال دخل ريال مدريد مرحلة إعادة تشكيل إداري في السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثرحساسية حول مستقبل فلورنتينو بيريز نفسه، هل يواصل الرجل الذي أعاد صياغة هوية النادي لعقود دوره في المرحلة المقبلة، أم أن الحديث عن "ما بعد بيريز" بدأ يفرض نفسه بهدوء في الخلفية، دون أن يتحول بعد إلى واقع ملموس أو قرار نهائي؟
ويأتي ذلك في ظل تصريحات سابقة لبيريز خلال سياق حديثه عن الانتخابات الداخلية للنادي، حيث دعا بشكل عام كل من يرغب في الترشح إلى التقدم بشكل رسمي، مؤكدًا انفتاحه على أي منافسة ديمقراطية داخل ريال مدريد، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسبانية.