ركود الاقتصاد الألماني يفرض إجراءات صارمة بخصوص المرض
٤ يوليو ٢٠٢٦
يمر الاقتصاد الألماني ، الأقوى أوروبيا، بفترة صعبة منذ جائحة كورونا واندلاع الحرب في أوكرانيا. وتزداد الخشية من تعرضه لركود طويل الأمد على ضوء تراجع الاستثمارات وتقليص الدعم الحكومي وارتفاع أسعار الطاقة. كما أن هناك توقعات بنمو ضعيف يتراوح بين 0.5 في المائة و0.9 في المائة فقط لعام 2026. في حين استقر معدل البطالة عند حوالي 6.4 في المائة ، وازدادت الضغوط على سوق العمل واشتدت التحديات الهيكلية بما ذلك ارتفاع تكاليف البيروقراطية، وأسعار الطاقة ونقص الاستثمار، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على البلاد.
ولهذا تهدف الحكومة الاتحادية الألمانية إلى تعزيز الاقتصاد من خلال حزمة إصلاحات. وقد أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن أمله في أن يستعيد الاقتصاد زخمه بفضل الإصلاحات التي اتفقت عليها حكومته الائتلافية، وأن يتجاوز معدل النمو الاقتصادي 1 في المائة خلال العام المقبل. وفي برنامج بالقناة الأولى بالتلفزيون الألماني "ايه آر دي"، قال رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي:" أريد أن نخرج من حالة الضعف التي يعاني منها اقتصادنا. علينا أن نرفع معدل النمو المحتمل. وأود أن نرى الرقم 1 مرة أخرى أمام الفاصلة العشرية في معدل النمو في العام المقبل".
ومن الإصلاحات المتوقعة تقديم إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات لأصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، إلى جانب زيادة الضرائب على الأثرياء، ولكن مع فرض قواعد أكثر صرامة فيما يتعلق بالإجازات المرضية.
لماذا الإجازات المرضية؟
تُكبِّد حالات الغياب المتكرر للموظفين بسبب المرض مليارات اليوروهات. وتشير دراسة أجرتها رابطة شركات الأدوية (vfa) إلى أن "معدل الغياب المرضي ظل أعلى بكثير من المتوسط على مدى أربع سنوات، مما ترتبت عليه عواقب اقتصادية كبيرة". وتفيد التقارير بأن معدلات الغياب المرضي بين الموظفين في ألمانيا تفوق نظيراتها في الدول الأخرى.
في السنوات الأخيرة، كانت نسبة الموظفين الحاصلين على إجازات مرضية أعلى بنحو 50 في المائة مقارنة بالسنوات التي سبقت عام 2022. ويعني ذلك أن الموظفين والعاملين قضوا -في كل سنة من السنوات الأربع الماضية- ما يقرب من 2.5 في المائة إضافية من وقت عملهم في إجازات مرضية. وكان الارتفاع الحاد الملحوظ بين عامي 2021 و2022 مدفوعاً في المقام الأول بأمراض الجهاز التنفسي، مثل الإنفلونزا والفيروس المخلوي التنفسي وحالات الإصابة بكوفيد-19.
تكاليف بالمليارات
في شهر أغسطس/ آب الماضي وحده، قدّر معهد الاقتصاد الألماني (IW)، المقرب من اتحادات أرباب العمل، أنه تمّ انفاق نحو 82 مليار يورو على العاملين المرضى خلال عام 2024؛ وارتفعت تكاليف استمرار دفع الأجور أثناء فترة المرض بمقدار عشرة مليارات يورو في غضون ثلاث سنوات. وتكشف بيانات المكتب الفيدرالي للإحصاء عن زيادة ملحوظة قدرها 3.6 أيام عمل مقارنة بعام 2021. ووفقاً للمكتب، يُعزى هذا الارتفاع - من بين عوامل أخرى - على الأرجح إلى اعتماد الشهادة الإلكترونية لإثبات العجز عن العمل في مطلع عام 2022؛ إذ أصبحت جميع إجازات الموظفين المرضية تُسجَّل منذ ذلك الحين بشكل شامل، وهو أمر لم يكن متاحاً في السابق.
وبالتالي تخطط الحكومة الألمانية لفرض قواعد أكثر صرامة بشأن الإبلاغ عن المرض؛ إذ سيُشترط مستقبلاً تقديم شهادة طبية بدءاً من اليوم الأول للمرض عوض اليوم الثالث. بالإضافة إلى ذلك، سيتم إلغاء خيار الحصول على شهادة مرضية عبر الهاتف؛ وهو إجراء كان قد طُبِّق في عام 2023 بهدف تخفيف العبء عن العيادات الطبية إبان جائحة كورونا. وكانت شروط الخدمة تقتضي أن يكون المريض مسجلاً لدى العيادة وألا تظهر عليه أعراض حادة.
وتنظر غرف الصناعة والتجارة في ولاية بافاريا بإيجابية إلى قرارات الائتلاف الحاكم هذه. وبحسب مانفريد غوسل، الرئيس التنفيذي للغرفة، فإن إلغاء خيار الحصول على شهادة مرضية عبر الهاتف قد يؤدي إلى خفض عدد أيام الإجازات المرضية "لأنه يجعل احتمالية إساءة استخدام هذه الإجازات أمراً أكثر صعوبة".
هل هذا هو الحل؟
غير أن تحليلاً أُجري بالتعاون بين المعهد المركزي للرعاية الطبية (Zi) وشركة "بارمر" للتأمين الصحي العمومي، خلص إلى أنه من غير المرجح أن تكون آلية الحصول على شهادة الإجازة المرضية عبر الهاتف هي السبب الوحيد وراء ارتفاع معدلات الغياب. بل كانت جائحة كورونا هي المسؤولة عن هذه الأرقام المرتفعة. بالإضافة إلى زيادة معدلات تسجيل الحالات عقب اعتماد نظام الإجازة المرضية الإلكترونية، وهو ما تفاقم بسبب موجات العدوى خلال السنوات الأخيرة. كما أن نسبة الإجازات المرضيةالصادرة عن الاستشارات الهاتفية منخفضة للغاية؛ فبحسب شركة التأمين الصحي "بارمر"، تتراوح هذه النسبة بين 0.8 و1.2 في المائة، وكذلك نسبة الشهادات الصادرة عن الاستشارات عبر خاصية الفيديو تراوحت ما بين 0.1 إلى 0.4 في المائة.
وفي ظل هذه المعطيات لا يمكن تقييم الأثر الإجمالي بشكل كامل للخطط المعتمدة؛ إذ يقابل الفائدة المحتملة المتمثلة في الحد من إساءة الاستخدام عبءٌ إداري متزايد، يطال الشركات أيضاً.
تحرير: وفاق بنكيران