حصار هرمز.. صراع نفوذ بين واشنطن وبكين يتجاوز إيران!
١٨ أبريل ٢٠٢٦
في تراجع عن قرار أعلنته إيران الجمعة (17 إبريل/نيسان 2026) بفتح مضيق هرمز، عادت طهران في اليوم التالي وفرضت سيطرتها على المضيق، ردا على حصار موانئها، فيما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران من "ابتزاز" الولايات المتحدة مهددا باتخاذ "موقف صارم". وكان ترامب قد قال أمس إنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانئ الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
ودخل الحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز، الذي أعلنه الرئيس ترامب بعد انهيار المحادثات مع إيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد نهاية الأسبوع، قد دخل حيز التنفيذ يوم الاثنين ( 13 أبريل/نيسان 2026). وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستمنع السفن من دخول أو مغادرة الموانئ الإيرانية.
وتأتي هذه الخطوة بعدما أغلقت إيران فعليا الممر البحري الضيق (هرمز) ردا على الضربات الجوية الأمريكية-الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير الماضي، مما وضع وقف إطلاق النار الهش الذي استمر أسبوعين في خطر، وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط التي كانت بالفعل في مستويات مرتفعة.
فضلا عن ذلك، سيؤثر حصار السفن والنفط الإيراني بشكل كبير على الصين، التي تُعد أكبر مشتر للنفط الإيراني.
ما موقف الصين؟
في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء (14 أبريل/ نيسان 2026) وصف مُتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية الحصار البحري الأمريكي بأنه خطوة "خطيرة وغير مسؤولة". مُحذرا من أن الحصار "لن يؤدي إلا إلى تفاقم المواجهة وتصعيد التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش".
أما وزير الخارجية الصيني وانغ يي ، فقد قال خلال اجتماع مع مسؤولين من دولة الإمارات العربية المتحدة إن إغلاق مضيق هرمز "لا يخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي".
ويُعدّ هذا الممر المائي الاستراتيجي شريانا حيويا لصادرات الطاقة من منطقة الشرق الأوسط، إذ يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.
وفي منشور له على منصة "تروث سوشيال"، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه "ستشارك دول أخرى في الحصار"، دون أن يُحدد الدول التي كان يقصدها.
بيد أن وسائل إعلام رسمية صينية، رفضت هذا الإدعاء. واعتبرت أن واشنطن "شوّهت منطق القضية عبر جرّ المزيد من الدول إلى الصراع، إذ إن السبب الجذريلحصار مضيق هرمز يكمن في العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران".
ويتماشى هذا الطرح مع تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، قوه جياكون، الذي قال في مؤتمر صحفي بداية هذا الأسبوع إن اضطرابات الملاحة في المضيق ناتجة عن الصراع مع إيران، وأن الحل يكمن في وقف فوري لإطلاق النار.
زيادة على ذلك، وصفت وسائل إعلام رسمية صينية خطوة واشنطن بأنها "حصار ردا على حصار". كما شبهتها بـ"الفشل في سرقة دراجة ثم إضافة قفل آخر لها". فكيف إذن تُفسر الصين الحصار الأمريكي؟ ومن تحاول واشنطن الضغط عليه حقا؟
ضغط على الصين للتحرك!
وفي مقابلة خص بها "دويتشه فيله" (DW) وصف تشانغ لون الأستاذ في جامعة سي واي سرجي-باريس الحصار الأمريكي بأنه "رد بالمثل". مضيفا أن خطوة واشنطن هدفها أيضا "دفع الصين إلى الواجهة".
وأوضح تشانغ أن البيت الأبيض قد يتمكن من إيجاد مخرج من الصراع -مع حفظ ماء الوجه- إذا نجحت واشنطن في دفع بكين على ممارسة ضغط على طهران، من أجل الموافقة على قبول الشروط الأمريكية.
وبالاعتماد على أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القائم على عقد صفقات، رجح المتحدث ذاته أنه في حال منح الصين هذا "الانتصار" لترامب، فقد تحصل بكين في المقابل على نفوذ أكبر في مفاوضات مستقبلية بشأن قضايا مثل تايوان.
ومع ذلك، لا يعتقد الأستاذ الجامعي تشانغ لون أن الصين ستتدخل بشكل مباشر في الشرق الأوسط. ورغم أن حصار مضيق هرمز سيؤثر على المصالح الصينية، فإن الأولوية الاستراتيجية لبكين تظل الحفاظ على توازن دقيق من خلال الإبقاء على علاقات مستقرة مع جميع الأطراف المعنية.
السردية الصينية
من جهة أخرى، صوّرت وسائل إعلام رسمية صينية الحصار الأمريكي على أنه جزء من "منطق الهيمنة" القائم على اللجوء إلى القوة عند فشل المفاوضات.
ووفقا لهذه السردية، حشدت واشنطن قواتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط كجزء من استعداداتها لتصعيد الحرب، سواء خلال فترة المفاوضات قبل اندلاع الصراع أو خلال الجولة الأخيرة من المحادثات الأخيرة في باكستان.
زيادة على ذلك، تُظهر وسائل إعلام صينية الولايات المتحدة على أنها تسعى إلى "انسحاب سلس" بل وحتى تحاول "تجميل النصر" عبر الإدعاء بأنها حققت أهدافها في إيران. وبما يشمل ذلك، تغيير النظام وتنفيذ ضربات ناجحة على أهداف محددة.
وفي الوقت نفسه، تصف وسائل إعلام رسمية مضيق هرمز بأنه "نقطة ضعف قاتلة" بالنسبة للولايات المتحدة لا يُمكن تجاهلها، حيث إن الفشل في إيران وفقدان السيطرة على مضيق وارتفاع أسعار النفط والتضخم-كلها عوامل- قد يكون لها تأثير مباشر على إدارة دونالد ترامب في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المُقررة في شهر نوفمبر القادم.
مقامرة محفوفة بالمخاطر
ويُفسر الخطاب الرسمي الصيني حصار إيران لمضيق كدليل على أن طهران تفوقت على الولايات المتحدة وإسرائيل في المناورة. أما من وجهة نظر إيران، فإن انتقال واشنطن من إصدار الإنذارات إلى العودة إلى طاولة المفاوضات يعكس صمودها ورفضها الخضوع للضغوط العسكرية الأمريكية.
في الوقت نفسه، يُنظر إلى قرار الولايات المتحدة بحصار الموانئ الإيرانية في الصين على أنه محاولة لتعويض ضعف موقفها التفاوضي بعد العمليات العسكرية السابقة التي فشلت في إجبار النظام على التغيير، وهو أحد الأهداف الرئيسية لترامب في بداية الحرب.
ومع ذلك، تُصور وسائل إعلام صينية رسمية الحصار الأمريكي بأنه "مُقامرة"، مُشيرة إلى أنه بينما تأمل واشنطن كسر الجمود عبر ممارسة أقصى درجات الضغط، فإن قدرات إيران الصاروخية قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد. وبما أن كلا الطرفين في حال تأهب عسكري، فإن انهيار المحادثات سيزيد بشكل كبير من خطر اندلاع صراع واسع النطاق.
ضغط على أمن الطاقة الصيني
ويرى تشانغ لون أن الدوافع الأمريكية لا تقتصر فقط على الاستجابة لإسرائيل أو التوترات المزمنة مع إيران أو المخاوف من برنامجها النووي، بل تشمل أيضا هدفا أوسع يتمثل في التحكم في موارد الطاقة العالمية، وهو ما أكد عليه مرارا وتكرارا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي هذا الصدد، لفت المتحدث ذاته إلى وجود بُعد من "الضغط الاستراتيجي الأوسع" على الصين. فقد شددت الولايات المتحدة بالفعل نفوذها على فنزويلا، وفي حال خضعت إيران أيضا للنفوذ الأمريكي بل وربما التقارب مع روسيا عبر تسويات مرتبطة بأوكرانيا، فإن ذلك قد يُقيد بشكل كبير وصول الصين إلى مصادر النفط.
وتُعد الصين أكبر مشتر للنفط الإيراني وشريكا رئيسيا لها. ولفت تقارير أن الصين تواصلت مع مسؤولين إيرانيين خلال محادثات وقف إطلاق النار، وحثت طهران على قبول الشروط التي توسطت فيها باكستان.
ومع ذلك، لا يزال مع غير الواضح ما إذا كانت الصين ستتولى علنا دور الضامن لأي اتفاق مستقبلي.
دعم عسكري أم "أدوات" بديلة؟
و زعمت مصادر استخباراتية أمريكية أن الصين قدّمت أو تستعد لتقديم أسلحة لإيران، وذلك وفقا لتقرير حديث نشرته شبكة "سي إن إن".
وحذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن بكين قد تواجه رسوما جمركية جديدة قد تصل إلى 50 بالمئة في حال قدمت دعما عسكريا لطهران. في المقابل، رفضت وزارة الخارجية الصينية هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها "افتراءات لا أساس لها".
وفي تعليق له على موقع "فونيكس"، قال هو شيجين، وهو شخصية إعلامية صينية بارزة، إن هذه المزاعم تهدف إلى توجيه "اتهامات استباقية" لردع الصين. وأضاف أن بكين "لا تزال تمتلك العديد من الأوراق التي يمكنها لعبها".
كما أشار تشانغ إلى أن لدى الصين أدوات إضافية، من بينها صادرات المعادن النادرة. وقال في هذا الصدد:"إذا قامت الولايات المتحدة بتسليح المضيق، فبإمكان الصين أيضا تسليح العناصر الأرضية النادرة"، على حد قوله.
الكاتب: جينهان لي
أعده للعربية: ر.م