1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

الفقر في مصر ـ المساعدات النقدية بدلاً عن الغذائية المدعومة؟

٨ يوليو ٢٠٢٦

الفقراء في مصر لطالما كانوا يحصلون حتى الآن في أحيان كثيرة على مواد غذائية مدعومة من الدولة. لكن الدولة تخطط لاستبدال هذا النظام تدريجيّاً بمساعدات نقدية لـ "تحسين توجيه الدعم". فهل سينجح النموذج الجديد المقرر تطبيقه؟

https://p.dw.com/p/5Gf7E
شاب على دراجة هوائية يحمل على رأسه سحارتي خبر (9/5/2022)
هل تقديم مساعدات نقدية بدلا عن المواد الغذائية المدعومة هو الأسلوب الناجع لمواجهة الفقر في مصرصورة من: Roger Anis/Getty Images

الفقر هو من أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية في مصر، حيث يعتمد الملايين على نظام الدعم الحكومي لتوفير احتياجاتهم الأساسية من المواد الغذائية والخبز. من مظاهر الفقر في القاهرة، مثلاً، يرى المرء في كثير من الأحيان وفي معظم أحياء المدينة نساءً يقفن أمام متاجر أو مطاعم أو عند التقاطعات يحملن عبوات أو صناديق صغيرة من المناديل الورقية في أيديهن. إنهن لا يطلبن المال، بل يعرضن بضائعهن، على أمل أن يشتريها أحد. حتى هذا الدخل الضئيل يُعدّ بالنسبة للعديد من العائلات، ضرورياً للبقاء على قيد الحياة. النساء اللواتي يبعن المناديل أصبحن ومنذ زمن طويل جزءاً لا يتجزأ من مشهد المدينة، وذلك في بلد يدفع فيه التضخم المزيد من الناس إلى حافة الفقر.

مصر، الجيزة 2026 | حصاد البطاطا في محافظة الجيزة
الدولة المصرية تنوي استبدال الدعم العيني بالنقديصورة من: Doaa Adel/NurPhoto/picture alliance

لذلك، أصبحت قضية دعم ذوي الدخل المحدود في مصر واحدة من أهم القضايا الاجتماعية والسياسية في البلاد. في هذا الصدد، تعتمد الحكومة بشكل متزايد على ما يُعرف بـ "المساعدات النقدية"، وهي مدفوعات أو مبالغ نقدية مباشرة للأسر المحتاجة. وبدلاً من اللجوء إلى تخفيض أسعار المواد الغذائية الأساسية، مثل السكر أو الزيت النباتي، تُخطط الدولة مستقبلاً إلى تزويد عدد متزايد من الناس بالنقود ليقوموا بأنفسهم بشراء احتياجاتهم بالأسعار السائدة في السوق.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي كان قد أعلن في يونيو أن الحكومة تعتزم البدء في هذا التحول في السنة المالية (2026 / 2027). في البداية، سيتم استبدال الإعانات المخصصة للسكر وزيت الطهي بتحويلات نقدية. أما الخبز، فسيظل في الوقت الحالي جزءاً من نظام الدعم الحالي.

نقود بدلاً من إعانات

وفقاً لتقرير نشره موقع "مادا مصر" الإعلامي المستقل، فإن هناك مناقشات أيضاً بشأن إدراج ذلك لاحقًا. بدورها، تؤكد الحكومة أن الأمر لا يتعلق بخفض الإعانات الاجتماعية، وأن الهدف النظام الجديد هو توجيه الدعم بشكل أكثر دقة إلى من هم في حاجة فعلية إليه.

في الوقت الحالي، يستفيد أكثر من 65 مليون شخص من نظام الدعم الحكومي للمواد الغذائية، والذي يشمل الخبز والمواد الغذائية والطاقة. بدلاً من ذلك، من المقرر أن تتلقى الأسر المحتاجة والمستحقة في المستقبل إعانات نقدية مباشرة عبر نظامي "تكافل" و"كرامة".

برنامجا "تكافل" و "كرامة"، أُطلقا في عام 2015، وهما اليوم أداة مهمة تستخدمها الحكومة المصرية لتقديم مساعدات نقدية. العائلات والأسر التي تعيش تحت خط الفقر، وكبار السن والأيتام والأشخاص ذوي الإعاقة، يحصلون على مدفوعات نقدية منتظمة من خلال هذين البرنامجين. إذ بلغت هذه المدفوعات مؤخراً 900 جنيه مصري، أي حوالي 16 يورو، شهرياً لكل فرد. بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاقهما، وصف البنك الدولي برنامجي "تكافل" و "كرامة" بأنهما نموذج لبرامج الحماية الاجتماعية الوطنية يمكن تطبيقه في بلدان أخرى أيضاً.

 

تأييد أوروبي ودولي لفكرة الدعم

اختيار مصر لنهج المساعدات النقدية لم يكن من قبيل الصدفة. فالبنك الدولي دعم إنشاء هذا البرنامج وتمويله. كما يتبنى صندوق النقد الدولي هذا النهج أيضاً. فمنذ برنامج الإصلاح الذي أُطلق عام 2016، كان الصندوق يدفع باتجاه الاستبدال التدريجي لأنظمة الإعانات المكلفة بمزايا وإعانات اجتماعية موجهة للفئات المستحقة، لكنه كان يصر في الوقت نفسه على الإبقاء على إعانات المواد الغذائية.

سيدتان تحملات على رؤوسهن صناديق لبيع فواكه (القاهرة 25/1/2023)
تواصل مصر جهودها لمواجهة التضخم المتصاعد في ظل الانخفاض الحاد في قيمة عملتها، بينما يعاني العديد من المصريين من ارتفاع الأسعار، وذلك وفقاً لما ذكره جهاز الإحصاء في البلاد.صورة من: Amr Nabil/AP Photo/picture alliance

بعد مرور عشر سنوات، تغيرت الأولويات. ففي أحدث الاتفاقيات مع مصر، وكذلك في السنوات التي سبقتها، لم يعد صندوق النقد الدولي يشير صراحةً إلى دعم المواد الغذائية. وبدلاً من ذلك، بات يدعو إلى توسيع نطاق ما يُعرف بـ "الدعم الحكومي الموجه للأسر الأكثر احتياجاً". والمقصود في ذلك هنا هي الإعانات النقدية المباشرة، أو ما يُعرف بـ "المساعدات النقدية".

الاتحاد الأوروبي كذلك يربط مساعداته المالية الكلية لمصر، والتي تبلغ قيمتها مليارات اليوروهات، بتوسيع "برامج تحويل الأموال النقدية والقروض الصغيرة"، وذلك وفقًا لما ورد في تحليل مُعمّق صادر عن الاتحاد الأوروبي بشأن المساعدة المالية الكلية لعام 2025 لمصر.

للوهلة الأولى، تبدو الفكرة الكامنة وراء برنامج "المساعدة النقدية" مقنعة بالنسبة للكثيرين. فبدلاً من دعم أسعار المواد الغذائية للجميع، بمن فيهم أؤلئك الذين لا يعتمدون عليها فعلياً بشكل كبير، ينبغي أن يتم توجيه المساعدات الحكومية تحديداً إلى الأسر الأكثر فقراً.

تحسين كفاءة توجيه الدعم وتقليل الهدر

"منذ إطلاق برنامجي ”تكافل" و”كرامة"، كانت الفكرة تتمثل في استبدال نظام الإعانات العامة على المدى الطويل بآلية التحويلات النقدية المباشرة". هذا ما يقوله تيموثي كالداس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. هذا التوجه يستند إلى افتراض مفاده بأن الموارد الحكومية ستُستخدم بكفاءة أكبر، وأنه سيتم توجيه أموال أقل إلى الأشخاص الذين لا يعتمدون فعلياً على إعانات الدولة.

لكن مسألة نجاح هذا النموذج فعلياً في مصر، لا تزال موضع خلاف عند الخبراء. إذ في الغالب، لا تنصب الانتقادات على فكرة المساعدات النقدية بحد ذاتها، بل على مدى قدرة النظام الحالي على الوصول إلى الأشخاص الذين يحتاجون فعلياً إلى هذه المساعدات.

"التحدي الأكبر لا يكمن في فكرة التحويلات النقدية، بل في تنفيذها". هذا ما تقوله إسراء أحمد، الخبيرة الاقتصادية من منصة الاستثمار "ثندر" التابعة لمنصة "إنتربرايز إيه إم"، وهي وسيلة إعلام اقتصادية مصرية. وتشير الخبيرة الاقتصادية إلى أن العامل الحاسم هو السرعة التي ستقوم بها الحكومة بمواءمة أسعار المواد الغذائية التي كانت مدعومة حتى الآن مع أسعار السوق. ففي حال تم اتخاذ هذه الخطوة بسرعة كبيرة، فقد لا تتمكن العديد من الأسر من تحمل التكاليف المرتفعة، حسب الخبيرة الاقتصادية.

ملايين المصريين يعتمدون على الإعانات الحكومية المصرية
مصر - طنطا 2025 | حصاد البطاطا في حقل في الغربيةصورة من: Khaled Elfiqi/Matrix Images/picture alliance

يضاف إلى ذلك التضخم الهائل الذي أدى إلى إضعاف القوة الشرائية للعديد من المصريين بشكل كبير خلال السنوات الماضية. وغالباً ما تكون وطأته أشد على أسعار المواد الغذائية مقارنةً بالسلع الأخرى. تيموثي كالداس كذلك يقول إنه إذا لم يتم تعديل التحويلات المالية بانتظام لمواكبة التضخم، فإنها تفقد قيمتها باستمرار، مما يقلل من قدرة الناس على شراء المواد الغذائية.

قلة المال - قلة الطعام - سوء التغذية

لذلك، يرى كالداس أن أهمية الإعانات في مصر غالباً ما يُستهان بها، لا سيما أن الأمر لا يتعلق بالعدالة الاجتماعية فحسب. ويُضيف نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أنه فإذا لم يكن بوسع الناس تحمل تكاليف غذاء كافٍ أو متوازن، فسيكون لذلك عواقب وخيمة على الاقتصاد الوطني برمته وعلى البلد بأكمله. فسوء التغذية يزيد من معدل الإصابة بالأمراض ويقلل من الإنتاجية، ويزيد من تكاليف الرعاية الصحية على المدى الطويل، كما يقول نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط. كما تكون الآثار أكثر خطورة بشكل خاص على الأطفال.

لهذا السبب بالذات، يجب أن تُعوض المساعدات النقدية فقدان القوة الشرائية الناجم عن التضخم، بشكل موثوق. وإلا فإن الناس سيحصلون على المال، لكنهم مع مرور الوقت لن يتمكنوا من شراء سوى كميات أقل فأقل من المواد الغذائية. لكن كالداس يرى كذلك أن هناك خطراً آخر للإصلاح، وهو أنه لا يمكن للمساعدات النقدية أن تنجح إلا إذا كان لدى الدولة معرفة موثوقة بمن يحتاج إلى الدعم.

 

أكثر من خمسة ملايين أسرة تتلقى إعانات

وفقاً لبيانات وزارة الشؤون الاجتماعية، تتلقى حالياً أكثر من خمسة ملايين أسرة إعانات في إطار برنامجي "تكافل" و"كرامة". وتُحتسب هذه المساعدات بحد أقصى لأربعة أفراد لكل أسرة، مما يعني أن البرنامج يشمل حالياً حوالي 20 مليون شخص.

في المقابل، هناك أرقام فقر أعلى من ذلك بكثير. فوفقاً لبيانات البنك الدولي، كان نحو 33 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر الوطني في عام 2021. والحكومة لم تعُد تنشر بيانات رسمية حديثة عن الفقر. لكن في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة، يرى العديد من المراقبين أن عدد الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات اليوم أكبر بكثير.

يقول كالداس إن هناك اليوم الكثير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة، لكن البرنامج لا يشملهم على الإطلاق، حسب تعبيره. كما أن البيانات المحدودة وغير المكتملة والمسوحات غير الشاملة في مصر تزيد من تعقيد عملية اختيار المستفيدين المستحقين

وهذا بالذات هو ما يميز برنامج المساعدة النقدية عن إعانات الغذاء التي كانت مطبقة حتى الآن. فنظام الإعانات يصل بشكل أساسي إلى جميع الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على بطاقة التموين. أما برنامج تحويل الأموال الموجه، فيتعين في المقام الأول تحديد من يستوفي شروط الاستحقاق ومن لا يستوفيها.

كالداس يرى أنه من الطبيعي أن تنطوي الإعانات الشاملة على خطر استفادة أشخاص لا يحتاجون إلى الدعم في الأصل. لكنه يعتبر أن هذه المشكلة أقل خطورة بكثير من الحالة المعاكسة، أي أن يُستبعد الفقراء من نظام الدعم ولا يحصلوا على أي مساعدة على الإطلاق.

هذا الخطر قد يزداد مع الإصلاح المخطط له. ويقول كالداس إن هذا يُظهر أيضًا أن الحكومة تحاول أن توفر للناس الحد الأدنى من الإغاثة الذي يضمن استقرار الوضع السياسي، مع إنفاق أقل قدر ممكن من المال، في الوقت ذاته.

أعده للعربية: علاء موسى (ع.ج.م)