1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

"الاكتئاب المبتسم"... هدوء زائف يُخفي جبالا من المعاناة!

٦ يونيو ٢٠٢٦

يرى البعض أن المصاب بالاكتئاب عاجز عن القيام بأي مهمة، لكن الواقع مختلف. فهناك من يواصل العمل والإنتاج رغم اكتئابه. الاعتقاد بأن الأمر بسيط لمجرد أنهم يبدون بخير هو خطأ قد تكون عواقبه خطيرة.

https://p.dw.com/p/5EfFa
صورة رمزية | امرأة تتحدث بالهاتف أثناء القيادة
الاكتئاب المقنع.. المريض يبدو ناجحا ومنتجا في مظهره الخارجي، لكنه داخليا يعاني من شعور بالفراغ والإرهاق وفقدان الأمل.صورة من: Ghislain & Marie David de Lossy/Cultura/picture alliance

يتناول هذا المقال موضوعات مثل الاكتئاب والانتحار. وقد يكون المحتوى مثيرا للقلق أو صعبا من الناحية العاطفية.

 

إنه صباح الأحد. في وقت ما بين الخامسة والسادسة أستيقظ فجأة من نومي. على الفور تتدافع في ذهني آلاف الأمور التي يجب إنجازها. ولهذا أقفز من السرير. هكذا هو الحال منذ سنوات. أعتني بالغسيل والكلب ووجبة الإفطار. أمارس الرياضة وأفكر في الأسبوع القادم وفي مدى إرهاقه. أنا متعبة. في الواقع، دائما.

بعد ذلك بوقت قصير أخبرني ابني أنه فقد بطاقته المصرفية. أمر بسيط. في الواقع. لكن شيئا ما ينقلب بداخلي. لا أستطيع التوقف عن البكاء وأقول لزوجي أنني سئمت هذه الحياة. "هل يمكنك الاعتناء بطفلي إذا لم أعد موجودة؟" سبب تافه. وهذا بالضبط ما يخيفني.

لكن الأفكار الانتحارية لا تقلقني، بل على العكس. إنها تجلب لي الهدوء. إنها الحل واستراتيجية الخروج من هذه الحياة التي لا متعة فيها والتي أصبحت تبدو صعبة وفارغة ومرهقة.

الاكتئاب دون تثبيط الدافع

قبل عامين تم تشخيص إصابتي بالاكتئاب.  أذهب إلى  جلسات العلاج مرة واحدة في الأسبوع. لفترة طويلة كنت أعتقد أن هذا يكفي. ففي النهاية كنت أستطيع دائما الذهاب إلى العمل والاعتناء بأسرتي وشؤون المنزل والحفاظ على علاقاتي الاجتماعية.

الآن أنا في عيادة نهارية ومحاطة بأشخاص يمثل لهم تفريغ غسالة الأطباق مجهودا هائلا. الذين لا يستطيعون مغادرة السرير في بعض الأيام. بالنسبة للكثيرين لم يعد العمل أو الرياضة أمرا يمكن التفكير فيه منذ فترة طويلة.

مشكلتي هي العكس: كلما ساءت حالتي، كلما تحركت بسرعة أكبر واندفعت في روتين الحياة اليومية. سمعت في مكان ما مصطلح  "الاكتئاب عالي الأداء". هنا لا يوجد ما يُعرف بـ"تثبيط الدافع" الذي غالبا ما يصاحب الاكتئاب. يبدو المصابون به قادرين على الأداء ومنتجين. يصف هذا المصطلح كيف أشعر بالحياة: ككابوس مصمم على الكفاءة.

لماذا "الاكتئاب عالي الأداء" ليس تشخيصا رسميا؟

لا يرد هذا المصطلح في التصنيف الدولي للأمراض.  لذا فإنه لا يمثل تشخيصا رسميا من شأن الأطباء النفسيين أو علماء النفس إصداره.

أولريش هيغرل هو طبيب نفسي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة المساعدة الألمانية  لمرضى الاكتئاب والوقاية من الانتحار. الاكتئاب هو الاكتئاب كما يقول. " لا أؤمن بمصطلح  الاكتئاب عالي الأداء فهو مصطلح عصري مثل تلك المصطلحات التي تظهر من حين لآخر".

ويفسر استمرار الناس في أداء مهامهم لفترة طويلة رغم  الاكتئاب: "غالبا ما يكون الأشخاص المصابون بالاكتئاب حتى في حالة صحتهم من النوع الذي يهتم بالآخرين ويبذلون جهدهم ويتحملون المسؤولية بشكل كبير ولا يريدون أن يخيبوا ظن أحد ولذلك غالبا ما يواصلون الأداء حتى آخر قوتهم".

يقول هيغرل إنهم ينهارون في السرير في المنزل في حالة من الإرهاق التام. وعندها تنتهي الإنتاجية. "الشعور بالإرهاق والتوتر الداخلي المستمر والشعور بالذنب واضطرابات الشهية واضطرابات النوم والميل إلى التفكير المفرط، جميع  علامات الاكتئاب النموذجية نجدها لدى الأشخاص الذين يعانون من "الاكتئاب عالي الأداء" كما هو الحال مع جميع الآخرين"، يقول الطبيب النفسي.

كما أن دانيال هويس، أخصائي الطب النفسي والعلاج النفسي ورئيس قسم الطب النفسي العام في مستشفى LVR في بون لا يستخدم هذا المصطلح في ممارسته العملية. ففي المستشفى يتم التصنيف حسب درجات الخطورة: خفيفة، متوسطة أو شديدة.

يقول هويس: "لا نجد في التصنيف الدولي للأمراض ما يُسمى بالاكتئاب عالي الأداء. لكن هذا لا يعني أنه غير موجود". من المحتمل أنه لا يرى في عمله اليومي في المستشفى أشخاصا يستوفون معايير تشخيص الاكتئاب، لكنهم مع ذلك قادرون على إدارة حياتهم. فالمستشفى يستقبل في الغالب أشخاصا لم يعودوا قادرين على تلبية متطلبات الحياة اليومية وانهاروا.

الاكتئاب يختبئ وراء الأداء والنجاح

هنا تكمن المشكلة بالضبط: "أكبر سوء فهم هو أن معاناة الشخص غالبا ما يتم التقليل من شأنها لمجرد أنه يبدو ناجحا أو منتجا من الخارج"، تقول أدريان ماكولارز. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس في روجرز بيهافيورال هيلث وهي شبكة عيادات لعلاج الأمراض النفسية في تامبا بفلوريدا.

وترى أن مصطلح "الاكتئاب عالي الأداء" يمكن أن يساعد في إبراز هذه الحالة التي غالبا ما يتم تجاهلها. حتى من قبل المصابين أنفسهم. يعتقد الكثيرون: طالما أنني ما زلت قادرا على النهوض والوفاء بواجباتي، فلا يمكن أن يكون الأمر بهذه السوء. لكن هذا أمر خطير. الاكتئاب هو السبب الأكثر شيوعا للانتحار في ألماني.

كما تعارض أدريان ماكولارز الافتراض القائل بأن  الاكتئاب عالي الأداء هو تلقائيا شكل أخف من المرض. "يصبح بعض الأشخاص مدفوعين أو مفرطين في الإنتاجية عندما يعانون من أعراض الاكتئاب كطريقة للتعامل مع هذه الأعراض".

عندما يصبح الأداء استراتيجية للتعامل مع المرض

هكذا عشت الأمر أنا أيضا. كنت أفكر: إذا أنجزت كل شيء بسرعة فستصبح قائمة المهام أقصر وسيقل شعوري بالإرهاق. إذا بقيت في حركة فلن يغلبني التعب إلا في المساء عندما أتمكن من الذهاب للنوم. إذا أنجزت ما يكفي يمكنني كبح الشعور بالذنب المزعج الذي أشعر به دائما تجاه عائلتي وزملائي وأصدقائي.

يقول دانيال فاغنر إن هذا الأداء والإنجاز اللذين يحظيان بتقدير كبير في المجتمع قد يشكلان نوعا من الإلهاء. وهو معالج نفسي يمتلك عيادة خاصة به في كولونيا.

تأثير السكون على نفسيتنا

وإذا كان الألم الشديد الناجم عن الاكتئاب يختبئ وراء الإنجازات الكبيرة والنجاحات، فغالبا ما يكون ذلك بسبب الحاجة إلى تجنب الصمت والهدوء "اللذين يكشفان عن حالة يصعب تحملها"، كما يقول فاغنر.

اليقظة الذهنية في حالات الاكتئاب

لذلك فإن العلاج مع هؤلاء الأشخاص يهدف إلى "الوصول إلى الإحساس وإتاحة الوصول إلى المشاعر والسماح بالتجديد"، كما يقول فاغنر. تمارين اليقظة الذهنية مفيدة تماما لهذا الغرض ويطلق المعالج النفسي على ذلك اسم "الاسترخاء المنظم".

ويمكن أن تكون هذه تمارين التنفس أو التأملات الموجهة التي لا تهدف إلى تغيير أي شيء، بل فقط إلى التواجد والمراقبة. يقول فاغنر إنه يدمج مراحل التجديد هذه بشكل منظم في الروتين اليومي لمرضاه.

اتبع الأخصائيون النفسيون في العيادة نهجا مشابها. حصلت على جدول أسبوعي كان من المفترض أن أستخدمه لتنظيم يومي. العمل والأعمال المنزلية والرياضة والأشياء التي أستمتع بها وتفيدني.  بالنسبة لي لا يزال هذا البند الأخير يمثل المشكلة الأكبروالنقطة الأكثر إيلاما.

في الهدوء تزداد ضوضاء في رأسي وتصبح المشاعر أكثر إزعاجا. أرغب في الهرب مرة أخرى. التهرب من المسؤولية والتعامل مع نفسي. وهذا يعني: الوقوف والتحمل وعدم فعل أي شيء.

أعده للعربية: م.أ.م

مراجعة: طارق أنكاي

Julia Vergin
يوليا فرجين رئيسة فريق في القسم العلمي بمؤسسة DW، وهي تهتم على وجه الخصوص بعلم النفس والصحة.