1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW
نزاعاتإيران

إيران: حَجْب السلطات لشبكة الإنترنت يكلف خسائر لا يمكن حجبها

٢٣ أبريل ٢٠٢٦

ترى الحكومة الإيرانية في قطع الإنترنت وسيلة لإحكام السيطرة. أما بالنسبة لملايين الإيرانيين العاديين فيتحول هذا القطع لتذكير يومي بأن نافذتهم على العالم، وقدرتهم على إدارة أعمالهم، بيد الدولة ويمكن إغلاقها بقرار رسمي.

https://p.dw.com/p/5CdGT
Iran Teheran 2026 | Anhaltende Internetbeschränkungen nach Protesten in Iran
لم يتمكن معظم الإيرانيين من الاتصال بالإنترنت منذ احتجاجات يناير 2026صورة من: Fatemeh Bahrami/Anadolu Agency/IMAGO

في اليوم الثالث من الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في يناير/ كانون الثاني، فرضت إيران في البداية حظراً شبه كامل على الاتصالات، لكن تم تشديد القيود بشكل أكبر بعد بدء الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل نهاية فبراير/ شباط.

ويُعد هذا الإجراء أداةً مألوفة يعتمدها النظام الإيراني في مواجهة الاضطرابات الداخلية، إذ سبق أن لجأ إلى قطع الإنترنت مرارًا لقمع الاحتجاجات  والحد من انتشار المعارضة. ففي عام 2019، فُرضت قيود مماثلة خلال مظاهرات اندلعت احتجاجًا على رفع أسعار الوقود، كما تكرر ذلك في عام 2022 أثناء  موجة  الاحتجاجات لحركة "المرأة، الحياة، الحرية"، التي أعقبت وفاة جينا مهسا أميني خلال احتجازها.

ومع اتساع نطاق الاحتجاجات المناهضة للحكومة في طهران، عاد السيناريو نفسه في يناير/كانون الثاني هذا العام إلى عدد متزايد من المدن والبلدات في أنحاء البلاد.

وفي السياق ذاته، قطعت إيران الاتصالات خلال حرب الأيام الاثني عشر  مع إسرائيل في صيف عام 2025، مبررة هذه الخطوة باعتبارات تتعلق بالأمن القومي، في إطار يربط بين السيطرة على الفضاء الرقمي وإدارة الأزمات السياسية والأمنية.

ومع اندلاع الحرب الحالية في 28 فبراير/شباط، أعاد النظام تطبيق الأسلوب ذاته، إذ استمرت القيود المفروضة على الإنترنت لأكثر من ستة أسابيع، لتسجل أطول فترة انقطاع تشهدها إيران حتى الآن.

وقد أسفر ذلك عن عزل معظم الإيرانيين عن الإنترنت العالمي، واقتصار وصولهم على شبكات محلية تديرها الدولة، إلى جانب فرض الاعتماد على وسائل الإعلام الحكومية.

وفي هذا السياق، أظهرت بيانات شركة كلاود فلير أن حركة الإنترنت انخفضت إلى مستوى يقارب الصفر خلال فترة الإغلاق في يناير /كانون الثاني، في حين أفادت منظمة نت بلوكس وجهات رقابية أخرى بأن الانقطاع المفروض منذ بدء الهجمات الأمريكية–الإسرائيلية أبقى الاتصال بالإنترنت عند مستويات منخفضة جدًا مقارنة بالمعدلات الطبيعية.

ومن جانب الحكومة، فإن المبررات معروفة ومعلنة، إذ يقول مؤيدو النظام إن عملاء أجانب، وجواسيس مرتبطين بالموساد الإسرائيلي، إضافة إلى معارضين للحكومة، يستغلون الإنترنت  لإرسال مقاطع فيديو وصور لمواقع عسكرية وحكومية حساسة إلى خارج البلاد.

لكن تم تجاوز هذه التبريرات، إذ لم تقتصر آثار القيود على ما تعتبره الحكومة حمايةً للأمن القومي أو محاولةً لإسكات المعارضة، بل خلّفت نتائج أوسع بكثير، شملت تعطيل أعمال الشركات، وقطع التواصل بين أفراد العائلات، وحصر مساحات واسعة من البلاد داخل منظومة معلومات خاضعة للرقابة، يفتقر معظم الإيرانيين إلى الثقة بها.

الفضاء الرقمي تحت السيطرة

رغم القيود الصارمة المفروضة، تمكّن بعض الإيرانيين من الوصول إلى الإنترنت عبر حلول بديلة، غير أن هذه الوسائل باتت محفوفة بالمخاطر، كما أن كلفتها آخذة في الارتفاع المستمر.

وفي ذروة الاحتجاجات التي شهدها شهر يناير، أفادت تقارير بأن خدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك تحولت إلى وسيلة مهمة لعدد محدود من المستخدمين، حتى مع تكثيف السلطات الإيرانية عمليات التشويش ومحاولات تعطيل الخدمة.

ومع تشديد الحملة الأمنية، أصبح الحصول على أجهزة "ستارلينك " عبر السوق السوداء أكثر صعوبة وأكثر كلفة. وفي هذا السياق، يقول سكان داخل إيران إن تكلفة الوصول إلى هذه الخدمة ارتفعت بشكل كبير خلال الفترة الماضية.

ووفقًا لعدد من الأشخاص الذين تحدثوا إلى قناة دويتشه فيله (DW) كانت أجهزة ستارلينك تُباع سابقًا في السوق السوداء مقابل نحو ألف دولار (حوالي 844 يورو)، بينما تجاوزت أسعارها اليوم خمسة آلاف دولار.

ولا تزال الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) متاحة داخل إيران ولكن غالبًا بأسعار لا يستطيع معظم الإيرانيين تحملها. وقال أحد المصادر إنه دفع ما يصل إلى مليون تومان (أي ما يعادل 12.60 دولارًا أو 10.68 يورو إلى 16.00 دولارًا أو 13.57 يورو)، لكل غيغابايت مقابل اتصال غير مستقر وخاضع للرقابة.

وفي بلد يبلغ فيه الحد الأدنى للأجر الشهري حوالي 16 مليون تومان، أصبح الوصول إلى الإنترنت ترفاً لا يتوفر للغالبية العظمى من الإيرانيين.

وقال أحد المقيمين داخل إيران لـ DW إن البلاد دخلت "عصر الفصل العنصري الرقمي". وأضاف أن الدولة حولت فعلياً الاتصال بالعالم الخارجي إلى امتياز يُوزَّع حسب الطبقة الاجتماعية والولاء.

وأضاف: "إذا كنتَ عضو هيئة تدريس جامعية، أو صحفيًا مواليًا للحكومة، أو جزءًا من مشروع دعائي على الإنترنت، فستحصل على خدمة الإنترنت. وإذا كنتَ ثريًا، يمكنك شراء خدمة VPN باهظة الثمن. أما إذا كنت شخصًا عاديًا، فلن يتوفر لك سوى الإنترنت الحكومي وجدران الرقابة المرتفعة".

توقف العمل عبر الإنترنت بشكل شبه كامل

قال أحد سكان طهران، كان يدير متجرًا إلكترونيًا عبر منصة إنستغرام ، لقناة دويتشه فيله (DW) إن "انقطاع الإنترنت قضى فعليًا على مصدر رزقه". وأضاف موضحًا: "مع انقطاع الاتصال، لم أعد قادرًا على العمل. نفدت مدخراتي، كما تأثرت حياتي مع زوجتي أيضًا، لأنها كانت تعتمد على إنستغرام للترويج لعملها".

وأشار المصدر من جهة أخرى إلى أن شراء خدمة VPN لم يعد مجديًا، إذ إن العملاء أنفسهم غالبًا ما يواجهون صعوبات في الاتصال بالإنترنت. وقال: "لا فائدة من ذلك. حتى لو تمكنتُ من الاتصال، فإن عملائي لا يستطيعون".

ويُظهر هذا المثال أن قطع الإنترنت لا يؤدي فقط إلى تعطيل عمل فرد واحد، بل يعطل منظومة العمل عبر الإنترنت بالكامل.

وفي السياق نفسه، أكد  الخبير الاقتصادي حسن منصور لدويتشه فيله (DW) أن "حجم الضرر الاقتصادي الناجم عن انقطاع الإنترنت كبير بالفعل، موضحًا أن البيانات الرسمية في إيران تشير إلى خسائر يومية تصل إلى نحو 37.7 مليون دولار".

وأضاف أن شهر يناير / كانون الثاني وحده شهد خسائر تُقدَّر بنحو 185 مليون دولار في إيرادات منصات إنستغرام وتلغرام وواتساب . لافتًا إلى أن نحو 70% من الشركات في البلاد تتأثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، من جراء هذه الانقطاعات.

وأوضح منصور أن إيرادات الشركات التي تعتمد على العمل عبر الإنترنت تراجعت بنسب تتراوح بين 50 و90%، مشيرًا إلى أن بعض هذه الشركات اختفى تمامًا من السوق.

Iran Teheran 2026 | Internetabschaltung nach Protesten verursacht hohe wirtschaftliche Schäden
تسبب انقطاع الاتصالات في خسائر اقتصادية فادحةصورة من: Fatemeh Bahrami/Anadolu Agency/IMAGO


النموذج الصيني من دون تقنياته الأساسية


تؤكد الحكومة الإيرانية أن الشبكة الداخلية المحلية كافية لضمان استمرار التواصل عبر المنصات المحلية، إلا أن هذا التأكيد لا يحظى بثقة شريحة واسعة من الإيرانيين.
فالعديد منهم يقولون إنهم لا يثقون بتطبيقات المراسلة المدعومة من الحكومة، خوفًا من أن تكون خاضعة للمراقبة أو في متناول الأجهزة الأمنية. ويزداد هذا الشعور مع تكرار الحديث عن حالات اعتقال جرى ربطها بالمراقبة الرقمية.
وفي هذا السياق، كتب سعيد سوزانغار، وهو ناشط في مجال الحقوق الرقمية ومدرّب لأمن الشبكات، على منصة"إكس"، أن عناصر من الاستخبارات تمكنوا من الوصول إلى محادثاته على "واتساب" أثناء اعتقاله. وقال: "بينما كانوا يضربونني، قالوا لي: ماذا كنت تريد أن تقول؟ هلا انتقلنا من هنا إلى تطبيق تلغرام ؟ هل كنت تعتقد أن المكان آمنٌ هناك؟".

وقال منصور لدويتشه فيله (DW) إن "إيران تحاول تقليد نموذج الإنترنت المغلق في الصين، لكنها تفعل ذلك من دون امتلاك البنية التكنولوجية التي تسمح بالاستغناء عن الإنترنت المفتوح".
وأشارمنصور أنه  على عكس الصين ، لا تمتلك إيران محركات بحث محلية قوية، ولا أنظمة حوسبة سحابية متطورة، ولا منصات تواصل اجتماعي وطنية فعّالة".

وهذا يعني أن الدولة تحاول دفع الناس إلى استخدام شبكة داخلية أضعف، وأقل موثوقية، وأقل قدرة على تلبية احتياجاتهم، مقارنة بالإنترنت العالمي الذي يُفترض أن تحل محله. والنتيجة، في نهاية المطاف، ليست سيادة رقمية على الطريقة الصينية، بل حرمانًا رقميًا.


العزلة الرقمية وتصاعد الغضب ومساحة عامة تتقلص


أدّى انقطاع البث إلى إعادة تشكيل المشهد الإعلامي داخل إيران، وغيّر بشكل ملحوظ الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات.
ومع انقطاع الوصول إلى الإنترنت العالمي ، تحوّل التلفزيون الفضائي إلى أحد المنافذ القليلة المتبقية أمام كثير من الأسر لمتابعة الأخبار القادمة من الخارج. غير أن التشويش المستمر على إشارات الأقمار الصناعية جعل هذا الخيار بدوره هشًّا وأقل موثوقية.
وفي محاولة لسد هذا الفراغ، عمدت بعض وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية في الخارج إلى استئناف البث عبر الموجات القصيرة، في تذكير بأن التكنولوجيا، في لحظات الرقابة المشددة، قد تتراجع إلى أدوات أقدم بدل أن تتجه إلى مزيد من التطور.
ويحمل هذا التضييق في الوصول إلى المعلومات انعكاسات سياسية مباشرة، إذ يصعّب على الإيرانيين التحقق من صحة الروايات المتداولة، ويحدّ من قدرة وسائل الإعلام الخارجية على التواصل المباشر مع الناس داخل البلاد، ما يسهّل على الدولة إحكام سيطرتها .
وفي حين تصرّ  الحكومة على أن انقطاع البث إجراء ضروري لحماية الأمن القومي، يرى كثير من الإيرانيين فيه مؤشرًا إضافيًا على استعداد النظام لاتخاذ أي إجراء لحماية نفسه، حتى لو كان ذلك على حساب المجتمع.

نقله إلى العربية: ندى فاروق/ مراجعة: ص.ش

تخطي إلى الجزء التالي اكتشاف المزيد

اكتشاف المزيد

المزيد من الموضوعات