هل يضحي التونسيون بجزء من حريتهم لأجل الأمن؟ | سياسة واقتصاد | DW | 10.12.2015
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

هل يضحي التونسيون بجزء من حريتهم لأجل الأمن؟

تتسلم تونس هذه الأيام جائزة نوبل للسلام، لكن وخلف الصورة المضيئة يعيش البلد على وقع ضربات إرهابية موجعة تهز الرأي العام وتربك الساسة وسط دعوات بإعادة ماكينة الأمن القديمة.

شوارع العاصمة مكتظة بالناس ومقاهيها ومطاعمها ومتاجرها لا تكاد تفرغ، الكل في نشاط تحت أعين رجال الأمن، الذين أصبح حضورهم أكثر وضوحا للعيان بعد حادثة الاعتداء على حافلة الأمن الرئاسي، بل ويقومون بتفتيش المارة الذين يحملون حقائب في أغلب الأحيان، ورغم حالة الطوارئ المعلنة وحظر التجول الساري بعد منتصف الليل، تواصل العاصمة حياتها وكأن شيئا لم يحدث، فطعم الحرية الذي خبره التونسيون يغري بتحدي الإرهاب والخوف.

ويعتبر المناصرون للثورة التونسية الانتقال الديمقراطي الذي يشهده البلد أنموذجا متميزا في المنطقة العربية الغارقة في وحل الصراعات الدموية السياسية والطائفية. ورغم العثرات تمكنت تونس من اعتماد دستور توافقي عصري وإجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية وتكوين حكومة ائتلافية. واحتفاء بهذا المثال في الانتقال الديمقراطي تم منح رعاة الحوار الوطني من المنظمات الوطنية جائزة نوبل للسلام. وفي الوقت الذي تحتفل فيه تونس بتسلم جائزتها تحاول حركات التطرف والإرهاب النيل من هذه التجربة الديمقراطية وتضع التونسيون أمام خيار جديد. فهل يختارون الأمن مقابل الحرية أم يتمسكون بتحقيق كليهما؟

الأمن والحرية

بعد أن فرضت الحكومة حالة الطوارئ ووضعت عشرات المشبوهين تحت الإقامة الجبرية وأجرت مئات المداهمات للمنازل وبدأت بمتابعة الصفحات المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي، يتساءل الكثيرون هل تعتبر إجراءات الحكومة تضييقا على الحريات أم تصديا للإرهاب أم بحثا عن الأمن والسلم الاجتماعي؟

تختلف الرؤى والتقييمات حول علاقة الحرية بالأمن، فقد أكد حسن الزرقوني مدير مؤسسة سيغما كونساي لسبر الآراء "أن سبر الآراء الأخير إثر عملية قتل الراعي، قد أظهر أن 78 بالمائة من التونسيين مستعدون اليوم للتخلي عن بعض من الحريات مقابل الأمن". وقد قوبلت هذه النتيجة المؤسسته ببعض السخط من قبل الحقوقيين ومناصري الحرية حول طريقة طرح الموضوع وتوقيت إنجاز سبر الآراء، إلا أن النتيجة تظهر ترابط الأمن بمسألة الحرية ومقاومة الإرهاب واستعداد فئات كثيرة للتخلي عن جزء من حرياتهم مقابل أمنهم.

صفحات التواصل الاجتماعي تعج بالمواقف بين مناصر للحكومة وإجراءاتها الجديدة لحفظ الأمن ومقاومة الإرهاب ومتمسكٍ بالحقوق الأساسية من "حرية وأمن" حد الدعوة إلى كسر حظر التجول بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان وإطلاق صفحة لذلك على مواقع التواصل الاجتماعي "لكسر حظر التجول بالاعتماد على الفصل 21 و 49 من الدستور،" كما كتب أصحاب المبادرة.

وترى فئات كثيرة من الشباب التونسي أن البحث عن الأمن لا يلغي الحرية بل يدعمها. ويعتبر حسان عزوز الذي تحدث لـ DW عربية في أحد مقاهي العاصمة "أن من واجب الدولة توفير الأمن لمواطنيها مع ضرورة مراعاة حرياتهم الفردية". ويضيف "لا إفراط ولا تفريط في مسألة الحرية والأمن". ويوافقه أصدقاؤه على أن "الحرية مسؤولية الدولة الضامنة لها بحكم الدستور الجديد". ولا يمانع حسان أن تتولى الدولة "الحد من بعض الحريات الفردية أو الجماعية لتوفير الأمن ومقاومة الإرهاب".

ويعتبر عدد من الباحثين أن ربط الحرية بالأمن مغالطة للرأي العام، لارتباط تحقيق الأولى بالثانية، إذ لا تعارض بينهما. ويقول الباحث في علم الاجتماع والإعلامي منذر بالضيافي في حديث لـ DWعربية إن الضربات الإرهابية في تونس "فرضت استعادة خطاب استردادي كان سائدا خلال فترة حكم نظام بن علي، الذي قامت عليه الثورة والذي يتمثل في أولوية الأمن على الحرية بما يعني في الواقع قبول البعض بمقايضة الحرية باسم استعادة الأمن. وهنا نشير إلى أن فترة ما قبل الثورة كان فيها شعار الاستقرار مجرد وهم، لأنها شهدت أيضا حصول عمليات إرهابية على غرار معبد جربة اليهودي سنة 2001 وأحداث سليمان سنة 2008 التي عجزت الدولة عن القضاء عليها طيلة أسبوع من المواجهات، إضافة الى أحداث أخرى متفرقة في جبال القصرين وقفصة وفي الصحراء على الحدود مع ليبيا".

غياب البديل الفكري

ويعتبر كثيرون أن المنوال التونسي في الانتقال الديمقراطي يعبّر عن بنية المجتمع وروحه الجماعية التي تتقبل الآخر المختلف وتتعايش معه، ويرون أن بروز ظاهرة الإرهاب في البلد مرده غياب البديل الفكري بعد الثورة نتيجة سياسة تجفيف المنابع التي انتهجها الرئيس السابق بن علي. وقد وجد عدد من الشباب البديل الروحي والعاطفي في التيارات المتشددة، التي سمحت لها الترويكا الحاكمة في المرحلة الأولى للانتقال الديمقراطي بالتغلغل في مفاصل المجتمع. ولم تشكل تيارات الإسلام السياسي أو التيارات اليسارية التي تنشط في الساحة ملجأ للشباب أو تنجح في أن تقدم لهم بديلا يعتمد المواطنة هوية للمجتمع بدل هوية الدين أو العرق أو الإيدولوجيا.

وأمام غياب البدائل الفكرية، يرى كثيرون في تونس أنه لا يمكن اعتبار الحل الأمني السبيل الأمثل لمواجهة الإرهاب والتشدد الفكري، بل قد يزيد الوضع تأزما ويساهم في خلق قطيعة بين فئات من الشعب والدولة بكل ما تمثله من قيم مدنية. ويدعو منذر بالضيافي إلى الاستفادة من أخطاء الماضي القريب ويقول "إن رفع شعار الاستقرار في عهد الرئيس بن علي قد حول تونس إلى بلد هيمن فيه البوليس على مناحي الحياة وعطل الحراك الاجتماعي والسياسي ما جعل من مطلب التغيير يحدث في شكل عنيف وعبر ثورة شعبية استهدفت في المقام الأول الاحتجاج على السياسة الأمنية وعلى هيمنة الأمن والداخلية على الفضاء السياسي والاجتماعي. وكانت مظاهرة 14 جانفي 2011 أمام الداخلية وهي رسالة واضحة على أن الأمن يمكن أن يكون مصدر للاحتجاج وهذا ما يجب أن يدركه كلمن يدعو إلى استعادة الأمن مقابل التضحية بالحريات.

.

مختارات