هاتف الجنابي: من مطبخ السياسة العراقية 2 | خاص: العراق اليوم | DW | 02.09.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

هاتف الجنابي: من مطبخ السياسة العراقية 2

لابد من السؤال

كلّ حدث حينما ينفجر يأخذ أبعادا قد لا تكون في الحسبان، لكنه سيعود إلى حجمه الطبيعي تدريجيا، و"غزو العراق" ليس استثناء، بالرغم من كونه معقدا ودمويا للغاية.

على ضوء ما جرى في العراق منذ 2003 حتى اليوم، ثمة أسئلة تحتاج إلى أجوبة عملية تدور في خلد الكثيرين نلخصها كالآتي: هل تمكنت الولايات الأميركية المتحدة، على الأقل، وفقا لأجندتها المعلنة، بعد سبع سنوات على دخولها العراق، من إقناع نفسها والعراقيين بتحقيق نجاحات ومكاسب محققة؟ ثم لماذا ارتكبت كل هذه الأخطاء الفادحة؟ وما هو الدور/الأدوار الحقيقية التي تلعبها وتمثلها في الواقع العملي، وهل سينحسر دورها/أدوارها في العراق بعد سحب قواتها المقاتلة منه؟ وهل استفاد أو يستفيد العراقيون من وجود أكبر دولة حديثة في العالم على أراضيهم؟

مصداقية على المحك

منذ أن أعلن الرئيس السابق جورج بوش الابن نهاية العمليات الحربية الفعلية في مطلع أيار/مايو 2003 أصبح العراق مقسما إلى أربع مناطق: اثنتان شماليتان وثالثة وسطى ورابعة جنوبية. وكان هذا التقسيم "العسكري" في ظاهره نذير شؤم بالنسبة لغالبية العراقيين لأنه أوحى لهم باحتمال تجزئة بلادهم. لم تتجزأ البلاد لحد الآن، غير أن تشظيا قد أصاب المجتمع العراقي فكشف عن شروخ في داخله.

كان (بول بريمر) خليفة (جاي غارنر- أحد أصدقاء رامسفيلد وله علاقة بقطاع الأسلحة - الجنرال المتقاعد المكلف بترؤس الإدارة المدنية في العراق لفترة وجيزة)، يعتقد أن قيادات المعارضة السابقة في المنفى لا تمثل "روح وتعقيد المجتمع العراقي" بكامله، وعليه فلابد من توسيع مجلس الحكم ليشمل مختلف أطياف المجتمع العراقي، لكي يصار إلى التعجيل في استقرار البلاد وإعادة اعمارها. لقد فشل (غارنر) في أداء مهمته التي فاقت في صعوبتها قدراته وصلاحياته. حتى أن باحثا أميركيا مرموقا كالدكتور ديفيد كيرب- الأستاذ في جامعة بيركلي- قد نعته بأنه " مثال ممتاز على استهتارنا بالشعب العراقي". هذا التوصيف الأخلاقي قبل كل شيء وسواه، يعني أن الإدارة الأميركية السابقة لم تعرْ مرحلة ما بعد التاسع من نيسان 2003 ما تستحقه من أهمية تتناسب وحجمها الخطير ولم تتخذ الإجراءات الكفيلة بإيقاف الفوضى المتفاقمة. والدليل على ذلك، ما جرى(على مرأى ومسمع قوات الاحتلال) من تدمير وحرق ونهب وسلب للمتحف الوطني والمؤسسات الفنية وبعض الآثار ونهب المخطوطات النفيسة وسواها من معالم العراق الحضارية والعلمية والثقافية، ناهيكم عن ممارسات جنود الاحتلال السيئة الصيت بالإضافة إلى تصرفات الحمايات الأجنبية المتغطرسة.

لقد سُحِبَ الجنرال (غارنر) من العراق بسرعة، ليتمّ تعيين (بول بريمر – الدبلوماسي والموظف في شعبة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية ورئيس سابق لشركة استشارية خاصة بالأزمات- كان يشرف عليها هنري كيسنجر) خلفا له فأصبح الحاكم المدني الفعلي للعراق. كانتْ شخصية بريمر أكثر حضورا وحيوية من سابقه. كان كثيرَ الظهور في وسائل الإعلام المحلية ومقبولا من قبل المشاهدين، ربما لوسامته! كان يتحكم بمصير الأموال الهائلة المخصصة لإدارة شئون العراق وإعادة اعماره التي لم تتم حتى اليوم. لقد اقترن اسم (بول بريمر) بفكرة "اجتثاث البعث" واعتباره حزبا قمعيا ومسئولا عما حلّ بالعراق طيلة الخمس والثلاثين سنة المنصرمة. لكن بريمر كان أيضا مسئولا عن تشغيل عديد من الانتهازيين والنصابين ممنْ لا علاقة لهم في العمق بالواقع الجديد فأغدق عليهم أموالا عراقية طائلة استطاعوا من ترحيلها تباعا خارج العراق! أضِفْ إلى ذلك، أنّ الجانب الأميركي لم يسحب السلاح من الشارع، رغم "مطالبة بعض أصدقائهم من العراقيين المعارضين للنظام السابق" مرارا وتكرارا بذلك.

تسريح الدولة العراقية

ينبغي أن نتذكر، أنه بعد سقوط النظام الديكتاتوري في التاسع من نيسان 2003 لم يعد للجيش العراقي والشرطة وقوى الأمن، والمخابرات، و"فدائيي صدام" و"الجيش الشعبي"، و"جيش القدس" حضور يُذكر في الشارع العراقي، لأن من بقي من تلك القوات، داخل العراق ولم يغادره، قد توارى عن الأنظار وأخذ بحذر وخوف يراقب من بعيد مسيرة الأحداث المتلاحقة. على أن الضربة القاضية التي سددتها الإدارة المدنية المذكورة في العراق في تلك الفترة العصيبة، قد تمثلت دون شك، باتخاذ قرارات مرتجلة وسيئة للغاية في عواقبها، من قبيل: حلّ الجيش العراقي والشرطة وتبذير الأموال العراقية بدون رقيب أو مسائلة تذكر. بعبارة موجزة، كان (بول بريمر) مسئولا عن تسريح الدولة العراقية السابقة من الخدمة، وتبذير أموالها، وسنّ دستور جديد للبلاد على عجل فيه مثالب ومفخخات نعاني منها حتى اللحظة. ظل العراق لأكثر من سنة غلافا لا غير لمحتوى كتاب مفقود، دولة بلا دولة!

كل ذلك ترك تداعيات خطيرة. لم يكنْ قرار حلّ "مجلس الحكم" من قبل الحاكم المدني في العراق، في الأول من تموز/يوليو 2004 ، وتشكيل حكومة برئاسة إياد علاوي سوى خطوة أولية على طريق ملأ الفراغ على صعيد السلطة التنفيذية والتكفير عن بعض الذنوب. لقد أدى حل الدولة ومؤسساتها إلى خلق الفوضى وزرع عدم الثقة بين شرائح من المجتمع العراقي و"قوات التحالف" من جهة، وساهم إلى حد كبير بالتحاق أعداد غير قليلة من المُسَرّحين من مؤسسات الدولة المنحلة(العاطلين عن العمل) بالقوى المناهضة للاحتلال من جهة ثانية، وجعل الحدود مشرعة بلا رقيب لمن هبّ ودب فدخلت قوى الإرهاب كالقاعدة ومخابرات دول الجوار بأعداد غفيرة،. فقامت بزعزعة الأمن وأخذت بالتعاون مع الحاضنة العراقية بشن حرب استنزاف، راح ضحيتها أعداد غفيرة من العراقيين والأميركيين(ذكرت صحيفة "غازيتا فيبورتشا" البولندية - ذات المصادر الموثوقة - الواسعة الانتشار، في آب 2010 بأن ستة آلاف جندي أميركي قد قتل في العراق لحد الآن)!!

صراع الإرادات وولادة الميليشيات المسلحة

في ظل تغييب الدور الفعلي للدولة ومؤسساتها، لم تبق سوى إرادة الشعب العراقي في الساحة. لقد التقت وتصارعت ثلاث أجندات رئيسية متناقضة تماما في طبيعتها وأهدافها، على أرض العراق، في نقطة قادت إلى تأجيج الصراعات الاجتماعية والطائفية والعرقية وهذا الأجندات هي: أولا - أجندة الاحتلال القائمة، في شطرٍ منها، على محاربة وكبح الإرهاب، وإبعاد دول الجوار قدر المستطاع عن التأثير في الشأن العراقي الداخلي، مقترنة بممارسات كثيرة خاطئة وغير مفهومة أحيانا.

ثانيا- أجندة الإرهاب القروسطية، الطائفية النزعة والتوجه، البربرية في أساليبها، لأنها لا تتورع من استخدام أبشع الجرائم لزعزعة الأمن وتدمير ركائز الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، بحجة فارغة هي محاربة الاحتلال و"العملاء".

ثالثا- أجندة(ات) دول الجوار التي تريد أن تُفشل التجربة العراقية الجديدة لكي لا تنتقل عدواها إليها من جهة، ولتصفية حساباتها مع الطرف الأميركي من ناحية أخرى، ولكي يكون لها الدور المؤثر في لعبتها الإقليمية والدولية وكسب الوقت بغرض إدارة صراعاتها ومشاريعها الداخلية من جهة ثالثة. وكانت مدعومة من قبل قوى داخلية عراقية من هذا الطرف أو ذلك.

كل ما سقناه مجتمعا قد أطال في عمر عدم الاستقرار في البلاد وأضعف مصداقية كل من الجانب الأميركي والنظام الديمقراطي الوليد. على أنني أرى أن السماح لولادة وتنامي الميليشيات المسلحة على مرأى ومسمع قوات الاحتلال لهو من بين أكثر الأخطاء والأخطار فداحة وتأخيرا للعملية السياسية في العراق. لقد رفعت الميليشيات شعارات دينية وطائفية، ديماغوجية، متخلفة وفارغة في معظمها، ومن بينها شعار" مقاومة الاحتلال" و"طرده" و"مقاومة المد الصفوي في العراق"، وما شابه ذلك. هذه الشعارات ألحقت أضرارا بليغة بالمجتمع وبالعملية السياسية في البلاد، وأخرت التحولات الجارية فيه وساهمت في تخلف قطاعات واسعة من المجتمع العراقي بتجهيله وإشاعة الشعارات الطائفية والقومجية المقيتة في صفوفه، وراحت تنسق تكتيكاتها ومشاريعها بالتنسيق مع منظمات وقوى إقليمية ذات طبيعة مشابهة. إنها لا تقل خطورة عما حدث، بل أرى الاحتلال زائلا وهي باقية تعيث فسادا وتخلفا في المجتمع. لا تستطيع الميليشيات ولا قوى الإرهاب أن تقدم أي بديل متحضر سوى الدمار والتخلف وسلب الحريات الشخصية والعامة.

انقسام العراقيين في فترة عصيبة

كانت السنوات 2003 و2004 و2005 من أكثر السنوات خطورة على مستقبل التحولات في العراق الجديد. في كانون الثاني 2005 جرت أول انتخابات برلمانية في العراق بعد سقوط النظام السابق، ومن بين حسناتها أنها كانت ديمقراطية وفي أجواء يسودها التفاؤل، ومن بين نواقصها هي مقاطعة المكون "السني" لها، وولادة حكومة تستند على المحاصصة والطائفية والتوافق، ما نزال نعيش تداعياتها الخطيرة على الساحتين السياسية والاجتماعية.

في تلك الفترة بالذات انقسم العراقيون علنا في أسلوب تعاملهم مع بعضهم البعض ومع الآخر، بين مؤيدين للوجود الأميركي ومعارضين له. اعتقد المؤيدون: أن القوات الأميركية قد حررتهم من سلطة طاغية، غاشمة، متخلفة ودموية. وهذا صحيح إلى أبعد الحدود، وبالتالي فالعراقيون مدينون بالعرفان والشكر لهذا الدور. كما واعتقدوا أيضا أن بإمكان العراق أن يسير على خطى اليابان أو ألمانيا أو كوريا الجنوبية التي سبقت العراق في ما يشبه تجربته الحالية، وهذا أمر مشكوك فيه نظرا لانغلاق العقلية العراقية وميلها للبقاء في حدود الدين والعشيرة والتقاليد.

أما المعارضون، فتعللوا بشعارات السيادة ومقاومة المحتل وأنه لا خير من ورائه يرتجى لأن المحتل جاء لأغراض أخرى تتناقض ومصلحة الشعب العراقي، وبالتالي فالقوات الأميركية هي قوات احتلال، وهذا صحيح كذلك لأن الجانب الأميركي ذاته وصف وجوده بالاحتلال. لكن الأمر الخطير الذي اتبعه هؤلاء"المعارضون" للاحتلال هو أنهم قد سلكوا طريق التحريض والعنف والإرهاب والتعاون مع القاعدة وبعض القوى الخارجية، في التعبير عن رفضهم لواقع الحال، ولم يفرقوا بين قوات "الاحتلال" وبين القوات الحكومية ومؤسساتها، والناس الأبرياء، واعتبروا من يفكر خلافا لهم خائنا للشعب وللوطن. لا أحد يحترم القانون يرغب بوجود الميليشيات والخارجين على القانون، ولا أحد في العالم يرغب في أن يعيش في ظل الاحتلال، حتى المحتل نفسه قرّر الرحيل فقد ملّ من دوره!

أوجه من الحضور الأميركي

لقد بقيت آثار السنوات الثلاث الأولى ماثلة للعيان في الخطاب السياسي المحلي، وكذا في أسلوب حكم البلاد. لم يتخلص العراقيون من الولاء للطائفة، والقومية، والدين والعشيرة. أصبح من الصعب على العراقيين ترتيب أوراقهم وقيادة أنفسهم بأنفسهم لدى الضرورة، ومن السهل على الآخرين التدخل في تقرير مصيرهم. من جانب آخر، لقد تلكأ فتأخر الجانب الأميركي في عملية بناء القوات المسلحة العراقية الجديدة وكذلك جهاز الشرطة. لكنهم، سعوا أولا إلى تشكيل أجهزة المخابرات والأمن بالاعتماد على عناصر وقوى عراقية غير معادية لهم. عمليا، لا يمكن لهذه الأجهزة أن تفعل شيئا معاديا للسياسة الأميركية في العراق. من الجانب الآخر، تمكن الجانب الأميركي أن يؤثر إلى أبعد الحدود في سير تشكيل القوات المسلحة العراقية والشرطة بحيث أصبح الحديث عن ضعف الدور الأميركي واضمحلال تأثيره في العراق بعد الانسحاب أمرا مضحكا ونوعا من التضليل والكسب السياسي الرخيص. لقد رتّبَ الجانب الأميركي أوراق اعتماد العراق لديه، على مختلف الأصعدة، بطريقة لا يمكنها أن تقود إلى أن يصبح العراق بلدا معاديا لأميركا أو أن يبتعد عن تأثيرها عليه.

قال (آدم سميث)عضو مجلس الشيوخ الأميركي/ وعضو لجنة الدفاع في الكونغرس ما يلي: "سيبقى العراق لفترة، غير مستقر مائة بالمائة، لكن جنودنا لن يساعدوه في تحقيق هذا الاستقرار". يعني، آن الأوان للعراقيين لكي يتحملوا مسئولية هذا الأمر، غير أن تصريحات السياسيين شيء والعسكريين شيء آخر، خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان ما صرح به قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال اوديرنو من "أن الجيش الأميركي يمكنه أن يعود إلى العراق إذا ما طلبت حكومته ذلك، وأنهم لدى الضرورة القصوى سيقومون بالعمليات العسكرية" وهذا التصريح وما شابهه ليس بريئا أو خاليا من الدلالة.

الانسحاب الأميركي

قال هنري كيسنجر في نوفمبر عام 2006: "لم يعدْ النصر في العراق ممكنا وفق شروط إدارة بوش... كما أن الانسحاب السريع من العراق ستكون له عواقب كارثية". وجاء تصريح بريمر متناغما مع أستاذه حينما قال: "إن هزيمتنا في العراق ستكون ذات آثار وخيمة على مصالح أميركا في المنطقة". لم يتمّ الانسحاب بسرعة، لكنه أصبح قرارا لا مفر منه، سينسحبون من العراق وسيبقون في الجارة الكويت وسيتركون ما يقرب من الخمسين ألف عنصر بين عسكري وخبير... وسبعة آلاف شخص من شركات الحماية للمهام الخاصة.

لم تنهزم أميركا في العراق، لكنها لم تحقق النجاح المطلوب. لقد تركت إرثا ثقيلا وكالحا مقرونا ببصيص أمل في مستقبل أفضل.

وعليه، ستنسحب القوات المسلحة الأميركية من العراق، وفقا للاتفاقية الأمنية المبرمة بين الطرفين: العراقي والأميركي، لكن كلا منهما سيكون بحاجة للآخر، خصوصا الجانب العراقي الذي سيبقى بحاجة إلى من يقف معه لدى الخطر، وبحاجة ماسة إلى أحدث أنواع الأسلحة والخطط والبرامج والانجازات التكنولوجية والعلمية لإعادة بناء ذاته ومؤسساته الهرمة المهدمة.

استحقاقات والتزامات أخلاقية على الجانب الأميركي

صحيح أن العراق قد تأثر جراء الاحتلال كثيرا، لكنه لا توجد جهة في العالم تشعر بتأنيب الضمير إزاء العراق ويمكنها أن تساعده مثل الولايات الأميركية المتحدة.

وإذا أردنا توخي الصراحة والابتعاد عن المزايدات والشعارات الطنانة نقول: إنه ليس من مصلحة العراق أن يكون خصما لأية دولة في العالم، خصوصا الولايات المتحدة الأميركية. إنني أعتقد جازما بأن مسئولية ما جرى ويجري في العراق يتحملها العراقيون قبل سواهم، لأسباب كثيرة، منها ظاهرة استفحال الممارسات الطائفية والقومجية وبروز الصراعات والخصومات السياسية البائسة على السلطة، ثانيا، أنه لولا وجود حاضنات للإرهاب والميليشيات في البيئة العراقية لما استفحلت ظاهرة الإرهاب وطال عمرها إلى اليوم، ثالثا، إن الذين يتبجحون بمقاومة "الاحتلال" – من ذوي الأجندات الخفية- يسعون بشتى السبل، لبقائه لأطول فترة ممكنة وهؤلاء هم "الذئاب" التي نهشت لحم العراق والعراقيين، لكن الأجنبي لن يبقى. سترحل الولايات الأميركية المتحدة عسكريا لكنها ستبقى حاضرة، لوجستيا واقتصاديا وعلميا وثقافيا وحتى عسكريا في أشكال أقلّ إثارة. كما هو الحال في كوريا الجنوبية وألمانيا واليابان مثلا. وهذا يعني أنها لن تترك العراق لقمة سائغة لدول الجوار أو سواها، وهذا ما ينبغي على الساسة العراقيين فهمه وأخذه بالحسبان. فهل تركت أميركا اليابان أو ألمانيا أو كوريا الجنوبية مثلا؟ الجواب: كلا. وهل تمتْ نهضة هذه الدول بمعزل عن الحداثة الأميركية؟ كلا. وهل استطاعت أميركا أن تتدخل في الصغيرة والكبيرة في شئون تلك البلدان؟ كلا. أميركا لم يعدْ بإمكانها فرض إرادتها على الشعب العراقي وقواه السياسية كما كان في السنوات الخمس الأولى، أو في زمن النظام السابق، لأن العراق لا يقاد اليوم من قبل ديكتاتور ولا حزب واحد، وبالتالي في خضم تلاطم الرؤى والمبارزات السياسية حول السلطة وحرية الرأي أصبح من الصعب ضبط إيقاع العراق والعراقيين بجرة قلم وهذا لعمري من بين أحد أهم ما كسبه الشعب العراقي بعد 2003.

رابعا، وهذا أمر بالغ الأهمية والخطورة على مستقبل تقدم العراق. بعد أن ركز العراقيون على إنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة، هل استفاد العراقيون كما ينبغي من الأميركيين؟

نقول: كلا. ثم هل وضع السياسيون العراقيون وفي مقدمتهم الحكومة العراقية خطة للاستفادة القصوى من الجانب الأميركي؟

أعتقد جازما، أن العراقيين لم يقوموا بما يلزم لتوظيف العلاقة بين الطرفين للقيام بنهضة تحديثية في البلاد. من هنا ينبغي أن تقوم الحكومة العراقية الحالية أو المقبلة بواجبها في تفعيل البنود العلمية والتكنولوجية والثقافية والاقتصادية التي تتضمنها الاتفاقية بين البلدين. وأرى أن من حق العراقيين الأخلاقي أن يطالبوا باستمرار الجانب الأميركي بتطبيق بنود هذه الاتفاقية في هذا المجال ومساعدتهم في عملية اعمار البلاد.

مواضيع ذات صلة