نزار السامرائي:واشنطن – طهران ... ضغط أم احتواء | خاص: العراق اليوم | DW | 02.09.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

نزار السامرائي:واشنطن – طهران ... ضغط أم احتواء

دون مقدمات ألقى إياد علاوي حجرا كبيرة في بركة السباحة الأمريكية الإيرانية ، حينما أكد وعلى نحو لا يقبل التأويل ، أن واشنطن لا تقبل بحكومة عراقية لا تحظى بموافقة إيران ، جاء هذا التصريح متزامنا مع إعلان الحكومة الأمريكية بأن تدشين محطة بوشهر النووية الإيرانية لا يشكل تهديدا ، وكانت بمثابة رسالة مصالحة من واشنطن لطهران التي أخفقت بالتقاطها كما يجب ، ولكنها لم تفقد الفرصة تماما بعد ، ففي رد على تصريحات علاوي قال المتحدث باسم السفارة الأمريكية في بغداد ، إن بلاده تريد حكومة عراقية تحتفظ بعلاقات طبيعية مع جميع دول الجوار بما في ذلك إيران ، كانت هذه الرسالة الثانية التي جاءت لتنفي ما قاله علاوي ولكنها من الناحية العملية أكدت كل ما قاله رئيس القائمة العراقية الغاضب من رسل الديمقراطية الأمريكية ألا يقفوا مع الحق الدستوري لقائمته في تكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة وساعدوا بقوة على استمرار دعم المماطلة من قبل المالكي ، تحت لافتة لا تقنع أكثر الناس سذاجة ، من أن الولايات المتحدة لا تتدخل في شأن تشكيل الحكومة الجديدة ، ذلك أن الولايات المتحدة تتدخل بقوة سياسية تكافئ قوة عدوانها العسكري على العراق ، ليس من أجل تشكيل حكومة عراقية قوية جديدة وإنما لإبقاء العراق في حالة انعدام وزن وضياع البوصلة الوطنية ، وبروز ولاءات جديدة تم تكريسها في دستور عام 2005 ومن أجل أن يبقى العراق نهبا للصوص الدوليين والمحليين حتى يتم إفراغه من كل ثروته المادية ، وفتح المجال للمليشيات الطائفية لتمارس القتل على الهوية ودون هوية حتى تفرغ العراق من ثروته البشرية ليتواصل مسلسل القتل الأعمى ويقترب البلد من حافة الحرب الأهلية ويشعر أعداؤه بحالة استرخاء لخروجه من معادلة الصراع العربي الصهيوني ، ومن منظومة الأمن القومي العربي .

فهل يستقيم الموقف الأمريكي الضاغط لرد الروح إلى المالكي الذي تقطعت أنفاسه من فرط ما جرى هنا وهناك لاهثا مستجديا الصفح من حلفاء الأمس خصوم اليوم مع الموقف الأمريكي المعلن والذي يوشك أن يفجر قنابل إعلامية كبرى وإذا به تحت الطاولة بسرب الكثير من مياه الحب الأعمى لإيران التي ينظر إليها صانعو القرار الإستراتيجي الأمريكي على أنها ثور هائج كسر طوق الحظيرة ، فلا بد من عودته إليه أو استعادته مهما بلغ حجم التنازلات والإغراءات التي يجب أن تقدم له كصفقة شاملة تضم كل الملفات الساخنة والقابلة للتسخين ، فتم قبول دولة الولي الفقيه في عضوية النادي النووي تحت لافتة الأغراض السلمية ، اعتقادا أن الاعتراف لها بهذه المكانة يمكن أن يدفعها إلى تقديم تنازلات على محاور الصراع الإقليمية الأخرى ، على حين أننا وبحكم خبرتنا في الطبيعة الإيرانية نقطع أن تقديم أي تنازل لها ومهما كان تافها فإنه سيفتح شهية لا حد لها من طرف زعامة تتصرف تصرف العصابات وتطالب بحقوق الدول ، لا أحد على الإطلاق يمتلك خبرة في إيران كما يمتلكها العراقيون بمن فيهم عملاؤها أنفسهم ، ولكن الولايات المتحدة التي تباهي العالم أنها تمتلك أدق مسالك صنع القرار بعد إخضاعه إلى عمليات مراجعة دقيقة في أعقد الكومبيوترات ، لا يمكن أن تقنع أحدا بأن قرارها كان يمتلك الحد الأدنى من الصواب ، فقد أخفق الأمريكيون في اكتشاف حقيقة ردود فعل العراقيين في مواجهة الغزو ، وارتكب اليانكي آلاف الأخطاء كما اعترفت بذلك كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الراحلة سياسيا ، وبالتالي فقد لا يحق للكثيرين من هواة السياسة ، الحديث عن أخطاء وقع بها هذا النظام أو ذاك وهذا الزعيم أو ذاك ، طالما أن أمريكا مالكة أكبر المرشحات البشرية والالكترونية ، ظلت ترتكب الحماقات الواحدة بعد الأخرى وبفواصل زمنية متقاربة .

إيران على وفق هذا التوصيف حققت قفزتين سياسيتين في وقت واحد ، بموافقة أمريكية مباشرة ، الأولى على صعيد الطاقة الذرية ببدء ضخ الوقود النووي إلى قلب المفاعل في محطة بوشهر ، والثانية بإقامة مهرجان أمريكي بتسليمها الملف السياسي العراقي ، على حين اعتقد البعض أن قفزة بوشهر ستفرض تراجعا إيرانيا في ساحة أخرى ، إما في أفغانستان أو العراق ، ولكن الانتظار سيطول قبل أن تكتشف واشنطن أن سياسية الاحتواء خطأ إستراتيجي يضاف إلى أخطاء الإدارات الأمريكية التي تسلمها أنفار من الساسة الهواة أو السذج من عديمي الخبرة ، بعد أن ظلت الزعامات في الولايات المتحدة على عهد روزفلت وآيزنهاور مثلا يحاول الكثير من زعماء العالم اقتفاء خطواتها .

يمكن أن يثار سؤال ، لماذا هذا التحسس من إيران ؟

ولماذا لا ينظر بنفس الدرجة من الحساسية تجاه الدول العربية ؟

هناك نوعان من التدخل في الشأن العراقي من قبل دول الجوار ، تدخل إيجابي مطلوب عراقيا لأنه يسعى لتحقيق جملة من الثوابت في المقدمة منها وحدة العراق أرضا وشعبا والحفاظ على هويته العربية وتلتقي عند هذا الدور جميع الدول العربية إلا إذا نظرنا وعلى كراهة إلى مشيخة الكويت على أنها دولة فإنها ستشذ عن هذا الموقف لأنها بذلت وما تزال ما بوسعها من أجل إضعاف العراق وتفتيته ، وهناك تدخل تدميري مرفوض عراقيا إلا من قبل المرتبطين به ، ويمكن أن يفرض على سطح المسرح العراقي ، مشروع إيراني بالدرجة الأولى يسعى لقضم العراق تدريجيا أوالتهامه لقمة واحدة أو على دفعات ، والمشروع يختلف عن الدور قطعا كما هو مفهوم حتى من المصطلح ، فالدور يعطي النصيحة والمشورة ويحترم خصوصية البلد ولا يفرض شيئا عليه ، أما المشروع فله أهدافه السرية التي تختفي وراء لافتات كاذبة تم اختبار حقيقتها على الأرض فلم تترك خيارا لأحد إلا أن يتصدى لها بما يمتلك من إمكانية لأنها تريد بالشحن الطائفي مصادرة بلد من التاريخ والجغرافية وضمه إلى تاريخ آخر وجغرافية طارئة وملفقة .

المشروع الإيراني يعتمد مبدأ التدرج في التعامل مع اللقمة العراقية لأن إيران توصلت إلى قناعات بأن ما تطرحه من برامج فتنة طائفية ، اصطدم بوعي عراقي مخبوء وراء شخصية عراقية تعتز بكرامتها الوطنية وانتمائها العربي الأصيل وأن وصلات الشحن الطائفي الموسمي لم تتمكن من إطفاء جذوة التمييز بين حضارتين وثقافتين غير مقدر لهما أن تلتقيا إلى يوم القيامة حتى تحت سماء الشعارات الإسلامية الإيرانية المصنوعة لغرض التصدير للخارج كما يصدر السجاد العجمي ويبقى يحتفظ باسمه مهما استوطن في بلاد الغربة ، أو لزرع البلبلة والشك في جوهر الإسلام إذا ما نظر إليه كما هو سائد في إيران الولي الفقيه .

بعد هذا كله من حقنا أن نسأل ، هل أن الولايات المتحدة تمتلك خبرة حقيقية في إدارة ملف الأزمة مع إيران ؟ أم أن خبرتها لا تزيد عن خبرتها الساذجة والمجربة في الساحة العراقية ؟ وهل تعتقد إدارة البيت الأبيض أن قضايا الدول تحل بنفس الطريقة التي تنتج فيها هوليوود أفلام التجسس والجريمة ؟

لقد أطلق إياد علاوي النار على السياسة الأمريكية والتي اتهمها بأنها ملتوية ومنحازة ضد قائمته لمجرد نزوة ساذجة تهدف إلى إرضاء طهران ، كان متوقعا أن يصمت علاوي وينتظر المراقبون أكثر من ربع قرن حتى يتم الكشف عن وثائق السياسة الخارجية الأمريكية ، ولكنه اختصر الوقت ووفر علينا محنة الانتظار الطويل لمن سيبقى حيا حتى تتاح له فرصة معرفة خبايا الغباء الأمريكي عن قرب .

ربما كنا عندما كنا صغارا ، مأخوذين بالكتلة الهائلة من خبرة الولايات المتحدة والنموذج الأمريكي المتفوق في التعاطي مع الأزمات الدولية ، وربما كان للسينما الأمريكية تأثيرها في إشاعة وهم أن الأمريكي يعرف كل شيء ويمتلك الحلول الناجحة لكل ما يعترض طريقه من مشكلات ، حتى جاء غزو العراق واحتلاله ، فقد عرى هذا الاحتلال حقيقة أمريكا وتركها عرضة لسخرية من كان أقصى حلم له أن يحظى بزيارة للعالم الجديد عسى أن يسقط بصره على تمثال الحرية ، ولكن تمثال الحرية سقط مع أول قذيفة أمريكية سقطت على بلد دافع عن حقه في حرية يريد تصميمها على مقاساته الخاصة .