مأزق ماكرون- بين فكي كماشة اليمين واليسار المتطرفَين | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 22.06.2022
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

مأزق ماكرون- بين فكي كماشة اليمين واليسار المتطرفَين

اختار الفرنسيون معاقبة إيمانويل ماكرون بحرمانه من الغالبية البرلمانية، في مشهد سياسي يَبتر سلطة الرئيس بشكل غير مسبوق، ما سيجبره على تقديم تنازلات مريرة للمعارضة ولربما الدخول في دوامة من عدم الاستقرار السياسي.

منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية والمشهد السياسي الفرنسي يعرف غليانا غير مسبوق، فقد سارع التكتل الذي يقوده الرئيس إيمانويل ماكرون (يمين وسط) للبحث عن سبل التعاون مع معارضيه السياسيين في محاولة بالغة التعقيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من برنامجه السياسي، الذي انتخب على أساسه لولاية ثانية. وتشكل خسارة الرئيس لأغلبيته البرلمانية انتكاسة قاسية تعكس انقساما عميقا بين الناخبين الفرنسيين. ويذكر أن الرؤساء الفرنسيين اعتادوا أن يمنحهم الناخبون أغلبية برلمانية تتماهى مع خطهم السياسي وهذا ما لم يحدث هذه المرة. وجاء تحالف "معا" لماكرون في المقدمة (245 نائبا من أصل 577) أي دون أغلبية مطلقة، متبوعا بتحالف اليسار بقيادة جان لوك ميلونشون ثم حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف الذي حقق اختراقا انتخابيا غير مسبوق.

وعمليا سيُترجم فقدان ماكرون للأغلبية البرلمانية باستحالة مواصلة الأسلوب الذي مارس به السلطة في ولايته الأولى، حيث كان يميل لاتخاذ قرارات فردية يصفها منتقدوه بـ"الفوقية" وأحيانا بـ"المتغطرسة". وبهذا الشأن كتبت صحيفة "أوغسبورغر ألغماينه" الألمانية (20 يونيو/ حزيران 2022) معتبرة أن ماكرون بات "رئيس دولة بهامش مناورة محدود للغاية، ومن الآن فصاعدًا لن يتمكن من ممارسة السلطة إلا بأغلبية نسبية. وفي الوقت نفسه، فقد زادت وبشكل غير مسبوق قوة الأجنحة المتطرفة بنمو اليسار الراديكالي واليمين المتطرف".

 

اليمن المتطرف يخترق بقوة قلعة البرلمان

في انجاز تاريخي غير مسبوق، تمكن الحزب اليميني المتطرف (التجمع الوطني) بزعامة مارين لوبن من أن يصبح القوة المعارضة الأولى في الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) ما سيكسبه شرعية طالما سعى إليها طوال العقود الماضية. وحصل الحزب على 89 مقعدا، مكذبا كل استطلاعات الرأي التي كانت تمنحه في أعلى تقدير بين 20 و50 مقعدا. ويذكر أن عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب في آخر استحقاق تشريعي لم تتجاوز ثمانية مقاعد. وفاجأت هذه النتيجة معظم المراقبين بمن فيهم رئيسة الحزب التي قالت: "لقد فوجئنا بشكل إيجابي بالتعبئة التي أبداها مواطنونا كي لا تختفي من الجمعية الوطنية مواضيع مثل الهجرة وانعدام الأمن ومكافحة التطرف الإسلامي".

عينٌ على أوروبا - رغم فوز ماكرون لماذا زادت أصوات يمين فرنسا المتطرف؟

القفزة الانتخابية الصاروخية التي حققتها مارين لوبن جاءت بعد مسار طويل بدأته بالابتعاد عن التصريحات النارية المعادية للسامية لوالدها جان ماري مؤسس الحزب، كما عملت على محاربة ما تسميه بـ"شيطنة" حزبها، رافضة توصيفه بالتطرف. وحاولت لوبن أيضا التركيز على مشاكل الفرنسيين الاقتصادية والاجتماعية، غير أنها حافظت على خطاب شديد معادي للهجرة وللإسلام. وقادت لوبن حملة انتخابية هادئة ركزت فيها على القدرة الشرائية للفرنسيين. وبهذا الصدد كتبت صحيفة "زودويتشه تسايتونغ" (19 يونيو/ حزيران 2022): "لقد اتسع مد التطرف في فرنسا خلال العقدين الماضيين. ويناهض المتطرفون اليمينيون واليساريون على حد سواء أوروبا والشراكة مع ألمانيا وحلف الناتو. لقد صوت الفرنسيون ضد الأحزاب العتيدة، التي لم تعد لديها أية فكرة حول ما تريد الدفاع عنه حقًا. والآن يتعين على المعسكر التقليدي المحافظ أن يضاعف جهوده لدرء التطرف في البرلمان"، تعلق الصحيفة. 

 

الرئيس ماكرون أمام خيارات أحلاها مر

يواجه الرئيس ماكرون حالة استثنائية حرمته من استكمال فرحته بالفوز بولاية رئاسية ثانية، ما يعني أنه سيواجه تحديات في صنع القرار السياسي، لم يعشها في الولاية الأولى. وسيتعين عليه نظريا إما تشكيل تحالف مع حزب الجمهوريين (61 مقعدا، يمين وسط)، وهذا يؤهله لتجاوز عتبة 289 مقعدا التي تضمن غالبية من الأصوات. أو البحث عن تفاهمات مؤلمة مع اليمين المتطرف (89 مقعدا) أو اليسار المتشدد (131 مقعدا) أو التفاوض على كل مشروع قانون على حدة. ويذكر أنه جرى التقليد حتى الآن على عدم تشكيل أي تحالف مع اليمين المتطرف على المستوى الوطني. كما أنه عكس ألمانيا، ليست هناك تقاليد تقوم على تحالفات كبرى بين اليمين واليسار.

ويتوقع بعض المعلقين الفرنسيين أن يختار ماكرون ممارسة الحكم دون غالبية برلمانية، ثم البحث عن تحالفات ظرفية بشأن ملفات بذاتها كإصلاح نظام التقاعد على سبيل المثال لا الحصر. وهناك مادة في الدستور تسمح بتمرير نصوص قانونية في حالات محددة دون المرور عبر التصويت في البرلمان، إلا أن استعمالها محصور في النصوص المتعلقة بالميزانية والأمن الاجتماعي. غير أن استعمال هذه المادة محفوف بالمخاطر إذا بالغ الرئيس في توظيفها، ما قد يدفع المعارضة إلى التقدم بمذكرة لحجب الثقة عن الحكومة. صحيفة "الغارديان" البريطانية كتبت معلقة عن مأزق ماكرون وكتبت (21 يونيو/ حزيران): "على الرئيس إيمانويل ماكرون البحث عن حلفاء جدد وتقديم تنازلات. ومن المرجح أن يعتمد مصير مقترحاته لرفع سن التقاعد وإدخال إصلاحات اجتماعية على فوزه على نواب من حزب يمين الوسط (الجمهوريين). لقد تحولت الجمعية الوطنية بين عشية وضحاها من مجرد محطة ثانوية توافق على قرارات الإليزيه إلى مؤسسة مهمة. هذا في حد ذاته، وإلى حد كبير، شيء جيد للديمقراطية الفرنسية. لكن خطر الشلل الناجم عن الخلافات حقيقي".

 

أسئلة بعلامات استفهام كثيرة؟

يبقى المشهد السياسي الفرنسي مفتوحا على جميع الاحتمالات، خصوصا وأنه ليس من الواضح بعد كيف ستتصرف القوى السياسية المعارضة للرئيس ماكرون. فهل سيظل التحالف اليساري بقيادة ميلونشون موحدا، وكيف سيتقمص اليمين المتطرف دور المعارضة؟ أولى الإشارات جاءت من الجمهوريين الذين عبروا عن رفضهم الدخول في تحالف مع ماكرون، غير أن هذا الموقف يمكن أن يتطور خلال الأيام المقبلة، خصوصا وأنهم يتوافقون مع معسكر الرئيس بشأن عدد من الإصلاحات منها رفع سن التقاعد والتحول في مجال الطاقة على سبيل المثال لا الحصر. وأمام غياب ثقافة سياسية تعتمد التوافقات بين الأحزاب الكبرى، يمكن تصور سيناريو يقوم على التأزيم، بشكل يعرقل عمل المؤسسات، ما سيدخل فرنسا في وضعية صعبة في ظرف دولي دقيق للغاية.

ردود فعل الشارع الألماني على فوز إيمانويل ماكرون

موقع "تسايت أونلاين" الألماني (19 يونيو/ حزيران) كتب متسائلا "لماذا يعاقب الفرنسيون الرئيس (ماكرون) الذي أعادوا انتخابه للتو؟ ألا يعتبر ذلك مفارقة؟ إن الأمر يبدو كذلك ولكن للوهلة الأولى فقط. في الواقع، لم يحصل ماكرون إلا على 28 بالمائة فقط من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في أوائل أبريل/ نيسان، وهو ما يمثل أقل من ثلث الأصوات. أما حقيقة فوزه في الجولة الثانية فتعود لخصمه: فلا تزال غالبية من الفرنسيين غير قادرة على تخيل مارين لوبن كرئيسة للبلاد. لذلك انتخبوا ماكرون دون أن يدعموه حقًا. والأسوأ من ذلك، صوّت الكثيرون، ومعظمهم من الناخبين اليساريين، لصالح ماكرون معلنين على الفور بعدها أنهم سيحاربونه".

 

احتمال الدخول في دوامة من عدم الاستقرار السياسي

قد تتحول فرنسا إلى بلد يصعب حكمه بجعل الرئيس خاضعا للابتزاز السياسي. جان فرانسوا كوبي، أحد وجوه المحافظين، ذهب إلى حد مقارنة الوضع الحالي بجمهورية فايمار الألمانية: "كان هناك يمين متطرف ويسار متطرف في ألمانيا، معسكران واجها بعضهما البعض بعنف شديد لمدة عشر سنوات انتهت بوصول الديكتاتورية للحكم. يمكن أن يحدث هذا بالتأكيد في فرنسا اليوم. علينا أن نضع ذلك في الحسبان عندما نتخذ قرارات بعيدة المدى في الأيام القليلة المقبلة".

صحيفة "يولاندس بوستن" الدنماركية (21 يونيو/ حزيران) ذهبت في نفس الاتجاه وكتبت "ستكون الخمس سنوات المقبلة طويلة على إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. إنه لأمر سيء بما فيه الكفاية أن يتم انتخابه لولاية ثانية قبل أن يبدأ الناخبون في التخلص من أسس سلطته. تثير هذه الانتخابات البرلمانية أسئلة حول كيف وإلى أي مدى يمكن أن تُحكم فرنسا في المستقبل القريب تزامنا مع الحروب والأزمات المرتسمة في الأفق".

أما المعارضة الفرنسية فتستعد لـ"الانتقام" من الرئيس ماكرون الذي لطالما وصفته بـ"المتغطرس"، نسبة إلى طريقته في الحكم. وأعطتها نتائج الانتخابات الأخيرة فرصة للضغط عليه بالعمل على جعله يدفع الثمن من أجل الحصول على أي دعم منها. كريستيان جاكوب، رئيس حزب الجمهوريين، قال حرفياً: "إنه كان متغطرسا والآن يطلب المساعدة (..) قمنا بحملتنا في المعارضة... وسنظل في المعارضة". وأضاف أنه أبلغ الرئيس ماكرون بأن إبرام أي اتفاق لتشكيل ائتلاف سيعتبره الناخبون المؤيدون للحزب "خيانة". ولربما فضلت المعارضة عدم الدخول مع الرئيس في أي تحالف، ما سيفتح الباب للمزايدات بمناسبة تقديم كل مشروع قانون على حدة.

تأثير الوضع الفرنسي الجديد على ألمانيا والغرب

من شبه المؤكد أن تكون للمشهد السياسي الجديد في فرنسا عواقب على الشركاء الأوروبيين كألمانيا بالتحديد والتي تعتبر الشريك الأول لبرلين في التكتل القاري. والكل يعلم أهمية ما يسمى بالقاطرة الأوروبية القائمة على التعاون بين باريس وبرلين. فأي عطل يطال هذه القاطرة الحيوية ستكون له تداعيات وخيمة على أوروبا بأكملها، ما سيسعد بلا شك موسكو وبكين في هذا الظرف الدولي الدقيق في ظل العدوان الروسي على أوكرانيا. وبهذا الصدد كتب موقع "فوكوس أونلاين" الألماني (20 يونيو/ حزيران) "يكون أداء الاتحاد الأوروبي جيدًا دائمًا عندما تكون ألمانيا وفرنسا متوافقتين. ومن الواضح أن ماكرون انتهج مسار تعزيز أوروبا. في العامين الماضيين، منذ انسحاب المستشارة أنغيلا ميركل، كان لماكرون دور الصدارة بين رؤساء الدول والحكومات الأوروبية، وهو ما كانت ميركل تضطلع به فيما قبل".

ويواجه ماكرون اليوم معارضة قوية على يمينه ويساره لها قاسم مشترك وهو رفضها لأوروبا قوية، ولكن أيضا وفي بعض الأحيان نوعا من العداء لألمانيا باعتبارها القوة الاقتصادية المهيمنة على التكتل القاري. موقع "waz.de"  الألماني (20 يونيو/ حزيران) كتب محذرا من أنه "بعد ولايته الأولى، تضرر النجم الشاب السابق (ماكرون) بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. على عكس عام 2017، لم يعد لدى رئيس الدولة الفرنسية رؤية لأوروبا تقدمها (..) إن إشارات الإنذار القادمة من فرنسا تشكل خطورة على ألمانيا وأوروبا والغرب ككل على المدى المتوسط. ونسبة المشاركة التي لم تتجاوز 46 في المائة فقط هي دليل على تآكل عملية صنع القرار الديمقراطي. وأغلب الناس لم يعودوا يشعرون بأنهم ممثلون من قبل المؤسسات".

حسن زنيند

مختارات