فظائع أوشفيتز وتعامل الفن مع الذاكرة الجماعية للألمان | سياسة واقتصاد | DW | 27.01.2015
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

فظائع أوشفيتز وتعامل الفن مع الذاكرة الجماعية للألمان

في ألمانيا لا يمكن حاليا نسيان ما علق في الذهن بشأن معسكر الاعتقال النازي "أوشفيتز". لقد استغرق الوقت طويلا إلى أن وصلت صور فظائع أوشفيتز إلى ذاكرة الألمان. ويرجع الفضل في ذلك بشكل خاص إلى شخصيات أدبية وفنية.

أحيانا تكفي كلمة واحدة للتعبير عن كل ما يراد قوله. وكلمة "أوشفيتز" تدل على المحرقة النازية بالكامل، وعلى ستة ملايين يهودي قتلوا، وعلى ملايين آخرين من الناس أزهقت أرواحهم بوحشية على أيدي النازيين في الفترة بين 1933 و1945. ويمكن القول أيضا إن صورة واحدة يمكنها أن تستحضر هول أحداث الماضي. مثلا بوابة معسكر الإبادة "أوشفيتز- بيركيناو"، وأمامها قضبان السكك الحديدية، والبقية تعرضها الذاكرة الجماعية: القطارات، عربات الماشية المعبأة بالبشر عن آخرها، ثم أطفال، ونساء، وشباب، وعجائز وصلوا إلى هناك بعد رحلة استغرقت أياما وأحيانا أسابيع بدون أكل أو شرب، ورغم ذلك مازال في أعينهم بصيص أمل. عدد قليل جدا منهم كانوا يعلمون أن الموت هو ما ينتظرهم في أوشفيتز. كان الموت يحصدهم مباشرة بين القضبان. وتكفي صورة جوزيف مِنْغلِي، طبيب معسكر الاعتقال، للإستمرار في عرض ذاكرة الأحداث المؤلمة. استير بيارانو إحدى الناجيات من أوشفيتز تتذكر: "قابلنا الدكتور مِنْغلِي وكان يحرك يده ويشير بإبهامه إما إلى اليسار أو إلى اليمين. فإذا أشار إلى اليسار فمعنى ذلك أن لهذا الشخص مهلة (قبل الموت)، أما إذا أشار إلى اليمين فمعناها أنك ستذهب إلى (غرفة الموت) بالغاز."

Papst Franziskus trifft Auschwitz Überlebende 7. Januar 2015

البابا فرانسيس التقى استير بيارانو الناجية من المحرقة يوم 7/1/2015

تم قتل أكثر من مليون شخص في أوشفيتز - معظمهم من اليهود، الذين أرسلوا بعد وصولهم مباشرة إلى غرف الغاز. وقتل أيضا مواطنون بولنديون وغجر، رجال ونساء وأطفال من جميع أنحاء أوروبا.

أوشفيتز حقيقية ورمز لكل جرائم النازيين

لم يكن أوشفيتز هو مكان القتل الوحيد. فقد كانت هناك "معسكرات إبادة" أخرى في مايدانيك، وتريبلينكا، وبلزيك وسوبيبور، وتم فيها قتل الناس بما يشبه ما يحدث في مذبحة للحيوانات. تم قتل الناس في جميع معسكرات الاعتقال بشكل ممنهج، مثلا في رافنسبروك، وداخاو، وبوخنفالد، وماوتهاوزن وغيرها، عن طريق الأعمال الشاقة والتعذيب والتجويع أو إطلاق النار عليهم، أومن خلال إطلاق النار عليهم بشكل جماعي، مثلا في وادي بابين جار بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف أو في غابة بونار قرب فيلنيوس.

أوشفيتز يرمز لجميع تلك المواقع، فالنازيون مارسوا فيه القتل بأقصى حد. ولا يوجد مكان آخر غيره قتل فيه هذا العدد الكثير من الناس بغدر وفي وقت قصير.

كان الدخان يتصاعد من المحارق ليلا ونهارا. فبعد خنق الناس بغاز "زيكلون ب" السام، يتم حرق جثثهم. وهذه واحدة من الصور التي رأتها استير بيارانو وغيرها من الناجين بأم أعينهم. لا يمكن نسيان ذلك أبدا؛ استير وآخرون نجوا من المحرقة واستمروا في إيصال تلك الصور من خلال ما يحكونه في المدارس، وفي البرامج الحوارية دون كلل أو ملل، كما يتحدثون عما تعرضوا إليه من جرائم في حقهم. قبل بضعة أسابيع التقت استير بيارانو البالغة من العمر 90 عاما ببابا الفاتيكان.

من أين تأتي هذه الصور؟

لم يكن الإهتمام بالناجين من المحرقة أمرا بديهيا. فبعد الحرب، لم يرغب الناس في ألمانيا الحديث عما سمعوا أو رأوا. كما لم يتحدثوا عن روائح الجثث الحروقة، حتى أولئك الذين كانوا يسكنون على مسافات قصيرة من معسكر الاعتقال بيرغن- بيلسن. الجيش البريطاني أرسل السكان إلى المعسكرات ليشاهدوا بأنفسهم ما كان يحدث فيها، حي أكوام الجثث أو المعتقلين الذي باتوا يشبهون هياكل عظمية دبت فيها الروح. قام البريطانيون بتدوين ذلك من خلال تصوير سينمائي لما رأوه في بيرغن- بيلسن. وتم التحضير لأعداد فيلم وثائقي كبير لا يتضمن فقط مشاهد بيرغن بيلسن، وإنما أيضا تسجيلات قام بها الجيش الروسي بعد تحرير أوشفيتز. وتم تكليف المخرج الكبير ألفريد هيتشكوك للقيام بالمهمة. لكن الفيلم لم ينشر في البداية. فقد بدا للبريطانيين والأمريكيين أن مواجهة الألمان بمشاعر الذنب بهذا الشكل خلال فترة الحرب الباردة لم يعد أمرا مناسبا. واستغرق الأمر عقودا إلى حين أن وصل النقاش حول ذنب أوشفيتز للرأي العام في ألمانيا.

Jüdische Frauen und Männer warten auf Abtransport

رجال ونساء وأطفال يهود نتتظرون ترحيلهم من قبل النازيين في بولندا عام 1944

محاكمات فرانكفورت وبيتر فايس

محاكمات فرانكفورت بشأن أوشفيتز التي تمت بين 1963 و 1965 كانت نقطة تحول في موضوع تعامل الألمان مع جرائم النازية وشعورهم بالذنب. فلأول مرة تم الاستماع إلى الناجين والحديث معهم بالتفصيل الدقيق عن الفظائع في أوشفيتز ولم يتم التركيز على جرائم القتل الممنهج فقط وإنما أيضا على الاستغلال التام للعمالة ولممتلكات الضحايا. حتى الأسنان الذهبية والملابس وشعر الضحايا جلبت أموالا لخزينة النظام النازي.

وكانت الصحافة تتناول يوميا أحداث تلك المحاكمات. وبعد انتهاء المحاكمات عمل الكاتب المسرحي بيتر فايس على استمرار تواصل النقاش بشأنها من خلال مسرحيته "التحقيق" ( Die Ermittlung) عام 1965، حيث عرض فيها أقوال الشهود والمتهمين المعروفة.

كيفية الحفاظ على ذكرى الرعب؟

وعرض التلفزيون الألماني في أواخر السبعينات مسلسلا أمريكيا عن جرائم النازيين اسمه "المحرقة - مصير عائلة فايس". وفي عام 1985 أعقب ذلك عرض فيلم وثائقي متعدد الأجزاء لكلود لانزمان اسمه "المحرقة" ( Shoah). حيث تم للمرة الأولى اصطحاب ناجين من معسكرالموت لتشجيعهم والحديث معهم عن ذكرياتهم. ولا يزال فيلم "المحرقة" حتى الآن واحدً من أهم الوثائق الخاصة للمحرقة النازية.

مارتين فالزر، واحد من أهم الؤلفين الألمان، حصل على جائزة السلام التي يمنحها اتحاد الناشرون الألمان. وفي كلمة ألقاها في 11 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1998 في كنيسة القديس بولس بفرانكفورت اشتكى فالزر من مخاطر "استغلال المحرقة" وقال. "عندما تقوم وسائل الإعلام يوميا بعرض هذا الماضي، أشعر في نفسي بأن شيئا ما يقف ضد هذا العرض. وبدلا من أن أكون ممتنا لمثل هذه العروض، أبدأ في ترك المشاهدة." وأضاف فالزر: "أوشفيتز لا يصلح ليكون تهديدا روتينيا ووسيلة للترهيب، يمكن استخدامه كهراوة في كل وقت". ومن هنا ولدت كلمة "هراوة أوشفيتز" التي أثارت ضجة كبرى ، حيث اتهم المجلس المركزي لليهود في ألمانيا بإشعال "حريق فكري".

معسكر أوشفيتز راسخ في الذاكرة الثقافية للألمان والصور شاهدة على ذلك. ويسعى الأدب والفن والسينما إلى الحفاظ عليها للجيل القادم عندما لن يكون هناك شهود على قيد الحياة. وهناك أيضا الفيلم، الذي بدأ البريطانيون بتداوله وقام هيتشكوك بإعداد بعض أجزاء وإخراجه.

مختارات