1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

عندما يقترب الموت.. ماذا يرى الإنسان في لحظاته الأخيرة؟

٨ يونيو ٢٠٢٦

قبل لحظات من الموت، يروي كثير من الناس أحلاما شديدة الوضوح والعمق.. لكن الأبحاث تكشف أنها ليست علامة على التشوش، بل قد تكون رسائل نفسية غامضة تساعد المحتضرين وذويهم على فهم الوداع والعلاقة من منظور جديد ومفاجئ.

https://p.dw.com/p/5EOVw
تدور العديد من الأحلام في مرحلة نهاية العمر حول العلاقات مع الأشخاص الذين كان لهم دور مهم في الحياة - صورة بتاريخ 23 يناير 2014
تدور العديد من الأحلام في مرحلة نهاية العمر حول العلاقات مع الأشخاص الذين كان لهم دور مهم في الحياةصورة من: Daniel Reinhardt/dpa/picture alliance

تجلس فلورنس إلى طاولة المطبخ. زوجها موجود وابنتها أيضا. يضحكون معا ويتناولون العشاء كما في السابق. مع فارق واحد: كلاهما الزوج والابنة قد توفيا منذ سنوات.

"بدا الأمر حقيقيا للغاية"، تقول فلورنس لاحقا. "كأننا لم نفترق أبدا". لم يكن  حلما عاديا، بل لقاءً. لم يسبق لها أن عاشت أحلاما بهذه القوة. لم تشعر بالخوف، بل بشعور عميق  بالراحة  واليقين بأنها ستراهما مرة أخرى. بعد خمسة أيام توفيت فلورنس هي الأخرى.

يذكر الكثير من الناس تجارب من هذا القبيل في الأيام الأخيرة من حياتهم. تظهر هذه التجارب غالبا كأحلام  أثناء النوم وأحيانا كرؤى أثناء اليقظة. غالبا ما تبدو هذه التجارب أكثر واقعية بالنسبة للمتأثرين بها من الأحلام العادية وقد يبدو ذلك غريبا بالنسبة للأشخاص من الخارج.

في الأوساط البحثية تُعرف هذه التجارب باسم أحلام ورؤى نهاية الحياة.  لفترة طويلة اعتُبرت في  الطب  بشكل أساسي تعبيرا عن الارتباك المفاجئ (الهذيان) أو آثار الأدوية. لكن من الواضح اليوم أن هذا التفسير غير كافٍ.

تسعة من كل عشرة أشخاص يروون أحلاما عن نهاية الحياة

يعكف عالم الأعصاب الأمريكي وطبيب الرعاية التلطيفية في دور الرعاية التلطيفية كريستوفر كير منذ أواخر التسعينيات على دراسة  الأحلام والرؤى  في مرحلة نهاية الحياة. وتستمد الأمثلة الواردة في هذا المقال من تقارير الحالات الموثقة التي أعدها في مجال أبحاث الرعاية التلطيفية.

على مدى حوالي عشر سنوات أجرى هو وفريقه مقابلات مع أكثر من 1400 مريض ومريضة في دور رعاية المرضى الميؤوس من شفائهم حتى وفاتهم. ولكن فقط عندما كانوا في حالة ذهنية صافية ولم يظهروا أي أعراض هذيان.

النتيجة: أفاد حوالي 90 في المائة منهم مرة واحدة على الأقل عن مثل هذه الأحلام أو الرؤى بغض النظر عن العمر أو الأصل أو الخلفية الاجتماعية. لا يصف كير هؤلاء الأشخاص بأنهم مشوشون، بل على العكس: "بأنهم يتمتعون بوضوح وتركيز غير عاديين". كانوا يبدون مركزين ويقظين وذوي نظرة داخلية.

كما تؤكد إليسا رابيتي،  عالمة النفس  والمؤلفة الرئيسية لدراسة إيطالية حديثة على هذه النقطة: "تظهر  أحلام نهاية الحياة  عادةً لدى الأشخاص الذين يمكنهم وصف تجاربهم بشكل مترابط مع انتباه وتوجه كاملين".

علماء يبحثون: هل تحلم الحيوانات مثل البشر؟

السفر، اللقاء، الانتماء ، مواضيع نموذجية في الأحلام

الأحلام حية وذات مغزى وتزداد تواترا وشدة كلما اقترب الموت. وغالبا ما تتضمن لقاءات مع أقارب أو حيوانات أليفة متوفية تعود لتقديم العزاء.

تدور العديد من الأحلام حول السفر والاستعداد و"السير في الطريق". يتم إحياء العلاقات من جديد وحل النزاعات ومناقشة الذنب والندم. يقول كير: "كلما اقترب الناس من الموت، زاد تكرار ظهور المتوفين في هذه  الأحلام". ويفقد الوقت والمسافة المكانية أهميتهما في هذه الحالة.

لا يلعب الدين دورا يُذكر في هذه الرؤى

يبدو أن كون الناس متدينين أم لا لا يلعب دورا يُذكر. وحسب تجربة كير يروي كل من المتدينين وغير المتدينين تجارب متشابهة. ويكون العامل الحاسم هو الموضوعات العالمية مثل الحب والترابط والمغفرة وليس المعتقدات الدينية.

لا يمكن مقارنة أحلام نهاية الحياة (ELDVs) بتجارب الاقتراب من الموت. فالتجارب الأخيرة للموت تحدث غالبا بشكل مفاجئ في مواقف حرجة. أما  أحلام نهاية الحياة  فهي تتطور على مدى أيام أو أسابيع. وهي أقل إثارة وأقل ارتباطا بموضوعات الضوء أو النفق وأكثر تركيزًا على العلاقات.

لذلك لا يصفها كير بأنها إيحاءات، بل لحظات من النظام الداخلي: كالشعور بأن المرء قد أصبح "منظما" أو "متماسكا" مرة أخرى في نهاية الحياة.

الراحة أو المواجهة الضرورية

معظم هذه التجارب مريحة. في دراسات كير وُصفت في الغالب بأنها مهدئة وذات معنى. لكن بعضها قد يكون مرهقا أو مزعجا أيضا.

ويقول كير إن هذه الأحلام بالذات يمكن أن تكون تحويلية بشكل خاص لأنها تبرز قضايا لم تُحل مثل الشعور بالذنب أو الندم.

سيرا هي أحد الأمثلة على ذلك. وهي في العشرينات من عمرها ولديها طفل صغير ومرض عضال. لم تستطع قبول تشخيصها لفترة طويلة. ولم تكن المحادثات مع فريق العلاج تؤثر فيها. في إحدى الرؤى ظهر جدها المتوفى لسيرا. أخبرها أنه فخور بها جدا وأن كل شيء على ما يرام. بعد ذلك تغير شيء ما. وجدت سيرا سلامها. وتوفيت بعد أسبوع.

بالنسبة لكير فإن مثل هذه الأحلام ليست مجرد نتاج عشوائي  للدماغ. و يقول: "توفر هذه التجارب وسيلة علاجية طبيعية". فهي تصل إلى الناس في أماكن غالبا ما تصل فيها اللغة الطبية إلى حدودها القصوى.

كما يؤكد رابيتي: تفتح الأحلام بابا أقل تهديدا للتعامل مع الموت في حين أن المحادثات المباشرة حول هذا الموضوع قد تكون مرهقة.

لماذا تصبح الأحلام أكثر قوة في الأيام الأخيرة؟

هناك أسباب بيولوجية لظهور  الأحلام  المرتبطة بالوفاة (ELDVs) بشكل متكرر في الأيام أو الأسابيع الأخيرة. يصف كير عملية الموت بأنها مرحلة من  النوم  المتزايد. ويلاحظ قائلا: "لا أحد يموت وهو مستيقظ".

مع تغير إيقاعات النوم واليقظة يتجه النظر بشكل أقوى نحو الداخل. وتتراجع المتطلبات الخارجية إلى الخلفية. "يميل المرء إلى التفكير في الأمور الأكثر أهمية وهي في الغالب علاقاتنا"، يقول كير.

يقول إن ظهور هذه الأحلام يمكن تفسيره بيولوجيا. لكن لماذا تكون مريحة أو تكشف عن الصراعات أو تساعد في ترتيب الحياة الشخصية لا يمكن استنتاجه من العمليات الدماغية وحدها.

وفيما يتعلق بالتوقيت يحذر رابيتي من التفسير المختصر.   فأحلام نهاية الحياة  ليست نذيرا موثوقا بالموت. وقد تكون الأحلام الحية تعبيرا عن استعراض طبيعي للحياة دون أي صلة بعملية الموت.

"الأحلام لا تنبئ بالموت، بل إن الموت الوشيك قد يكون مرتبطا بأحلام معينة"، كما تقول. "الارتباط لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية". وقد يثير عكس هذه العلاقة السببية ضجة إعلامية لكنه لا يساهم في فهم هذه الظاهرة.

ماذا تعني هذه الأحلام للأقارب؟

لا ينتهي تأثير الأحلام التي تنذر بالموت مع الوفاة. تظهر الدراسات أن الأقارب الذين يسمعون عن مثل هذه الأحلام أو يشهدونها غالبا ما يتعاملون مع الخسارة بسهولة أكبر ويستطيعون تجاوز الوداع بشكل أفضل.

وهذا ما حدث مع جينيفر. يحلم شريكها باتريك المصاب بمرض خطير بجدته المتوفاة التي تخبره بالمكون المفقود في صلصة لم يتمكن من طهيها من قبل: ملعقة صغيرة من السكر. على الرغم من أنه أصبح ضعيفا جدا إلا أنه يعيد طهي الوصفة مرة أخرى مع جينيفر. وبعد ذلك بوقت قصير يتوفى.

بالنسبة لكير يتضح هنا بالضبط سبب أهمية   هذه الأحلام. ويقول: "إذا تم تفسير هذه التجارب بشكل صحيح فإنها تكون قيّمة". عندها لن يُنظر إلى الموت فقط على أنه أمر بيولوجي يتسم بالانحلال والمعاناة، بل أيضا على أنه أمر يمكن أن ينطوي على الحب والمعنى. ومن المهم نقل هذا المنظور بالذات.

وهذا ما عاشته جينيفر أيضا. وتقول: "لقد وجد باتريك سلامه". "وبصراحة تامة: إذا كان آخر حلم لك في الحياة يتعلق بصلصة السباغيتي فليس هناك ما يبعث على الطمأنينة أكثر من ذلك". وقد ساعدها هذا الحلم. فقد أدركت أن باتريك كان مستعدا للرحيل.

"قمنا بتعقيم الموت"

بالنسبة لكير تُظهر تجارب الموت المُتوقعة بعدا من أبعاد الموت طالما أهمله الطب الحديث. "الموت لا يتعلق بفشل أعضاء معينة، بل بانتهاء حياة"، يقول كير.

في الأجيال الماضية تم إبعاد الموت بشكل متزايد عن الحياة اليومية من المنازل ومن العائلات ومن المجتمع. "لقد قمنا بتعقيم الموت""، يضيف كير.

والنتيجة هي فجوة بين ما يرغب فيه الناس لنهاية حياتهم مثل القرب والحميمية وما يواجهونه غالبا: طب يعامل الموت في المقام الأول كعملية تقنية وتنظيمية.

يرى كير أن الاهتمام المتزايد الذي تحظى به  الأحلام والرؤى في نهاية الحياة اليوم هو رد فعل على هذه الفجوة. ربما لا تروي هذه الأحلام كيف نموت بقدر ما تروي ما يدعمنا حتى النهاية: العلاقات والقرب والحاجة إلى وجود شخص ما بجانبنا.

أعده للعربية: م.أ.م

هانّا فوكس مراسلة ومحررة تركز على التكنولوجيا والموضوعات الرقمية وعلم النفس.