عماد الدين حسين: مصر وروسيا.. المصالح قبل العواطف | آراء | DW | 12.10.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: مصر وروسيا.. المصالح قبل العواطف

يسلط الكاتب الصحفي عماد الدين حسين في مقاله* لـ DW عربية الضوء أبعاد العلاقات بين مصر وروسيا وربط عودة السائحين الروس إلى مصر بشروط كثيرة، فهل تتصرف روسيا مع مصر في هذا الملف بمنطق الصديق فعلاً؟

قبل أيام اعترض السكرتير الثالث في السفارة الروسية بالقاهرة على تفتيشه هو وزوجته في مطار القاهرة، بحجة أنه يحمل حصانة دبلوماسية، وألغى سفره لإصرار الأمن المصري على تفتيشه. وقبل أسابيع قليلة تكرر نفس الأمر لكن مع السفير الروسي ذاته في القاهرة، حينما رفض الخضوع لقواعد التفتيش في مطار شرم الشيخ، ولولا تدخل أحد كبار المسئولين لحدثت مشكلة كبيرة في علاقات البلدين.

قد يكون ما سبق حوادث هامشية فرعية، لكنها تعكس تغيراً في طريقة التعامل الروسية، بما قد يؤثر على طبيعة علاقات البلدين، التي كانت توصف دائماً بأنها إيجابية وحميمة.

قبل أن ندخل في صلب الموضوع نشير بسرعة إلى أن روسيا حينما كانت إمبراطورية كبرى تحت اسم الاتحاد السوفيتي وقفت بقوة بجوار مصر تحت حكم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر (1952-1970)، وقدمت دعماً كبيراً لمصر في المشروعات الاستراتيجية الكبرى خصوصاً بناء السد العالي، وإنشاء مصانع الألومنيوم والحديد والصلب، بل والمشاركة في بناء حائط الصواريخ عام 1970 الذي أوقف استباحة الطائرات الإسرائيلية للأجواء المصرية، إضافة إلى أن الانتصار المصري على القوات الإسرائيلية في حرب أكتوبر 1973 كانت بالسلاح الروسي.

مختارات

بعد وفاة عبدالناصر ومجيء السادات في 28 سبتمبر/ أيلول 1970، بادر بطرد الخبراء السوفيت من مصر في صيف 1972، ثم انفتح على الولايات المتحدة والغرب، وظل هذا التوجه أساسياً في السياسة المصرية طوال عهد حسني مبارك منذ عام 1981 وحتى تنحيه عن السلطة في 11 فبراير/ شباط 2011.

الرئيس عبدالفتاح السيسي أعاد إحياء العلاقات المصرية الروسية، وزار موسكو كثيراً، حتى قبل أن يصبح رئيساً، ووقع صفقات عسكرية مع موسكو واستقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القاهرة.

السؤال إذا كان الأمر كذلك فما الذي يجعل علاقات البلدين ليست في أحسن أحوالها؟

سقوط طائرة الركاب الروسية فوق سيناء في أخر أكتوبر/ تشرين الأول 2015، وقرار موسكو بوقف كل رحلات الطيران مع مصر ترك جرحاً غائراً في صدور كثير من المصريين.

غالبية المصريين توقعوا أن يكون التوقف مؤقتاً لكنه طال أكثر مما ينبغي. روسيا لم تتصرف مع مصر في هذا الملف بمنطق الصديق، بل ربما وصل الأمر إلى ابتزازها  القاهرة ومحاولة ربط ملف إعادة السائحين بموافقة مصر على ملفات وقضايا وصفقات أخرى.

لا يكاد يمر شهر إلا وتقول روسيا إن عودة سائحيها لمصر سيكون قريباً، لدرجة جعلت البعض يتندر بأن كلمة "قريباً" في اللغة الروسية تحمل معني مختلف عن الموجود في كل اللغات الأخرى!!

قبل أكثر من عام وقعت القاهرة وموسكو اتفاقاً مبدئياً بأن تبنى روسيا لمصر مفاعلين نويين في منطقة الضبعة على الساحل الشمالي لمصر على البحر المتوسط.

الاتفاق مايزال يحتاج إلى بعض المراجعات الفنية والقانونية لكن يبدو أن موسكو تربط إعادة سائحيها إلى مصر الذين كانوا يشكلون أكثر من 50 بالمائة من السائحين، خصوصاً في منطقتي شرم الشيخ والغردقة، بتوقيع مصر بصفة نهائية على اتفاق إنشاء المفاعلين النوويين.

من حق مصر أن تتأنى في هذا الاتفاق الذي سيزيد من ديونها الخارجية مبلغ 25 مليار دولار، يضاف إلى 79 مليار دولار هو حجم الديون الحالي.

لكن ليس من حق موسكو أن تربط اتفاق الضبعة بإعادة السائحين، لأنه يدخل في دائرة الابتزاز أكثر من كونه شروطاً بين أصدقاء أو حتى بمنطق المصلحة المباشرة بين شركاء.

يقول البعض إن روسيا لم تنس قرار السادات بطرد خبراءها من مصر، وتسعى ألا يتكرر هذا الأمر مرة أخرى، ولذلك تتشدد كثيراً في شروطها، لكن البعض ينسى أن الفائدة كانت متبادلة بين البلدين في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لأن هذه العلاقات أتاحت للاتحاد السوفيتي النفاذ والدخول إلى غالبية المنطقة العربية والقارة الأفريقية.

كتبت مراراً وتكراراً أحيي اتجاه النظام المصري لإقامة علاقات قوية ومتوازنة مع جميع القوى الدولية الكبرى، ومنها روسيا بديلاً عن الارتماء في الأحضان الأمريكية فقط، تطبيقاً لمقولة أنور السادات بأن "99 بالمائة من أوراق اللعبة في يد أمريكا"، لكن بشرط أن تكون العلاقات مع روسيا أو غيرها تتسق وتتجاوب مع المصالح المصرية العليا.

ولأن مصر دفعت ثمناً كبيراً، بتوقف السياحة الروسية بعد سقوط الطائرة فوق سيناء، فعليها أن تتعظ وتتعلم من الدرس ولا تلقي بكل أوراقها السياحية في السلة الروسية أو أي سلة أخرى. على هذه الحكومة أن تنوع مصادر سائحيها بعد أن كانت تعتمد أساساً على روسيا وبريطانيا وجاءت الضربة من هاتين البلدين تحديداً.

روسيا وقفت كثيراً بجانب مصر وبجانب القضايا العربية، وهو موقف لا ينساه أي مصري، أو عربي، لكن ذلك لا يعني أن يكون ذلك على حساب المصالح العليا المستقبلية.

تحتاج مصر إلى أن تفاوض موسكو بنفس شروطها وإذا كان البعض سيقول إن روسيا تدافع عن مصالحها، حينما تتلكأ في إعادة سائحيها، أو تشترط توقيع اتفاق محطة الضبعة النووية أولاً، فإن علي الحكومة المصرية أن تتعامل بنفس المنطق، وعليها ألا توقع على اتفاق الضبعة إلا إذا كان محققاً لكل الاشتراطات المصرية، وأن تضمن أن  ينقل إلينا خبرة حقيقية وليس بنظام تسليم المفتاح، وأن يكون بشروط سداد مرنة لا تضع الأجيال الجديدة من المصريين تحت رحمة الدائنين.

مرة أخرى جيد أن يكون لدينا علاقات طيبة مع كل القوى الكبرى في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب وفي قلب المنطقة، لكن شرط ألا يكون على حساب المصالح الوطنية العليا، ومستقبل الأجيال القادمة.

 

عماد الدين حسين

إعلان