عماد الدين حسين: ما الذي يخيف الحكومة المصرية من ″طلق صناعي″؟ | آراء | DW | 28.12.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: ما الذي يخيف الحكومة المصرية من "طلق صناعي"؟

يسلط الكاتب عماد الدين حسين في مقاله* لـDW عربية الضوء على فيلم "طلق صناعي" ومماطلة السلطات المصرية في منح الترخيص اللازم لعرضه على الجمهور العام، داعياً إلى عرضه فوراً لتأكيد وجود هامش من حرية الرأي.

ما الذي يجعل الحكومة المصرية تخشى فيلماً سينمائياً وتماطل بعض أجهزتها في إعطاءه ترخصياً  كي يبدأ عرضه على الجمهور العام؟

سؤال شغلني وأنا أشاهد مساء الأحد الماضي مع ثلاثة من الإعلاميين العرض الخاص  الضيق  لفيلم «طلق صناعي».

 المفترض أن العرض الخاص يسبق العرض العام بأيام قليلة، لكن مخرج ومنتج الفيلم وأبطاله لا يعرفون حتى الآن موعد عرضه. الفيلم تأليف  الأشقاء الثلاثة محمد وشيرين وخالد دياب وإنتاج «نيو سنشيري» و«دولار» وإخراج خالد دياب.

مختارات

الرقابة على المصنفات الفنية شاهدت الفيلم قبل شهور وطلبت 40 تعديلاً تم الاستجابة لها بالكامل، لكن لم تخرج الموافقة  الرسمية حتى الآن ولم يخرج رفض صريح ومكتوب، حتى يمكن التظلم منه والسؤال هو مرة أخرى: لماذا؟!

الفيلم يحكي في إطار كوميدي ساخر  قصة رجل وزوجته "ماجد كدواني وحورية فرغلي"، يريدان الهجرة إلى أمريكا من أجل أن تلد زوجته هناك حتى يحصل المولود على الجنسية الأمريكية ويتم حل كل مشاكل الأسرة، لكن السفارة الأمريكية ترفض منحهما التأشيرة السحرية، في كل مرة يتقدمان فيها.

وبعد أن كادا يصابان باليأس، يتفتق ذهن الزوج" الممثل ماجد الكدواني" عن حيلة جهنمية وهي أن تلد زوجته "الممثلة حورية فرغلي" داخل حمام السفارة باعتبارها أرضاً أمريكية، وذلك عبر تناول بعض الأدوية التي تعجل بعملية "الطلق الصناعي" اللازمة للتوليد!!

أمن السفارة يقتحم دورة المياه ويخرج الزوجة قسراً قبل أن تتناول الدواء، وهنا يقرر الزوج حجز أو خطف كل موظفي السفارة والموظفين المصريين داخلها حتى تتمكن الزوجة من الولادة داخل السفارة.

الملاحظة الأساسية أن صناع الفيلم - ومنعاً لأي التباس-  حرصوا على أن يكون المشهد الأول للفيلم، متضمناً الإشارة  إلى أن الأحداث تدور في شهر فبراير/ شباط 2013، أي في زمن حكم جماعة الإخوان، وذلك حتى لا يكون هناك أي إيحاء أو شك في أن الفيلم موجه ضد الحكومة الحالية.

كانت هذه إشارة ذكية وواضحة، لكن في نفس الوقت فإن المشاهد الأولى توجه انتقادات حادة لتفكير المؤسسة الأمنية ولطريقة تفكير بعض رجال الشرطة، باعتبار أن الحل الأول لديهم في  أي مشكلة هو اللجوء إلى العنف، ويقابلها صورة براقة للسفير الأمريكي - الذي يرفض محاولات مدير أمن القاهرة المتكررة لاقتحام السفارة وقتل الخاطف - خوفاً على أرواح الأمريكيين بالداخل!!

للوهلة الأولى يبدو الفيلم وكأنه يناقش الطوابير الطويلة للمصريين الراغبين في الهجرة إلى أمريكا، خصوصاً الأقباط، هرباً من الظروف الاقتصادية الصعبة جداً أو تنامي مظاهر التطرف ضد المسيحيين من بعض التنظيمات السلفية التي قويت شوكتها بعد وصول جماعة الإخوان للسلطة لمد عام من يونيو/ حزيران 2012 إلى يوليو/ تموز 2013.

وبعد فترة يتهيأ للمشاهد أن الفيلم يركز على الأخطاء القاتلة التي تقع فيها الشرطة وتعذيبها لأقارب الخاطف للضغط عليه، لكن وبعد مشاهد قليلة، نلمح مظاهر متعددة للعنهجية واللغة المتعالية التي يتحدث بها السفير الأمريكي وغالبية موظفي سفارته ضد المصريين، والنظر إليهم باعتبارهم كذابين دائماً ولا يجيدون شيئاً حتى القتل، ويفعلون أي شيء من أجل الهجرة إلى أمريكا.

يبدأ الفيلم وبطلاه يريدان الهجرة من مصر بأي طريقة إلى أمريكا «لكي يعيشوا مثل البنى آدميين»، لكن الفيلم ينتهي بأن البطل يقرر الخروج من السفارة، والبقاء في مصر بل أن ولده الأول ولد داخل السفارة في حين أن الابن التوأم الثاني ولد خارجها، وربما حاول صناع الفيلم بهذا الحل التوفيق بين الواقع والتمني وعدم التركيز على الجانب السلبي فقط.

ينتقد الفيلم الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع المصري، ورغم ذلك فإن مشهد النهاية، رد الاعتبار للمواطنين، حينما تدفقت حشود جماهيرية هادرة نحو السفارة الأمريكية للتضامن مع المواطن المصري الموجود داخلها. هذه الجماهير جعلت السفير الأمريكي يتراجع عن الاستعانة بالمارينز الأمريكي لاقتحام السفارة، بدلاً من السماح للأمن المصري بأداء عمله.

من يشاهد الفيلم يتذكر أجواء من فيلم «الإرهاب والكباب» لعادل إمام ويسرا خصوصاً في الأداء الكوميدي لكل من الفنان سيد رجب "قام بدور مدير الأمن"، مقارنة بأداء الفنان الراحل كمال الشناوي، وقد يتذكر المشاهد أيضاً أجواء فيلم «عسل أسود» لنفس المخرج خالد دياب، الذي أعاد بطل الفيلم أحمد حلمي من أمريكا لمصر، كي لا يتصور أحد أن الحل في الهجرة، حتى لو كان ذلك واقعاً ملموساً لدى الكثير من الشباب المصريين والعرب.

يقال إن الرقابة على المصنفات الفنية منعت في حقبة الستينات عرض فيلم «شيء من الخوف» للفنان القدير الراحل محمود مرسي بحجة أنه يقصد جمال عبدالناصر. وعندما شاهد الرئيس الأسبق الفيلم قال لهم «لو أنني أشبه شخصية عتريس فإنني استحق أن يثور الشعب علي»، وأمر على الفور بعرض الفيلم. 

سيسأل البعض: وما رأيك في الفيلم؟.

الفيلم عبارة عن وجبة فنية دسمة وممتعة وكوميدية وسط العديد من الأفلام الخفيفة والسطحية في السوق المصري. هو يناقش ظاهرة التطرف الديني والظروف الاقتصادية الصعبة التي تجبر بعض المصريين على الهجرة، كما يناقش العلاقة المصرية الأمريكية وكذلك العلاقة بين أجهزة الأمن والمواطنين.

حينما انتهى العرض وصلت إلى قناعة تامة بأن من مصلحة الحكومة والدولة ووزارة الداخلية أن يتم عرض الفيلم فوراً لأنه سيكون أفضل دعاية بأن هناك هامش من الحرية ما يزال متاحا في هذا البلد، وأن الحكومة لا تخاف أو  تهتز من فيلم كوميدي، خصوصا أن الفيلم عرض بالفعل في مهرجان دبي السينمائي قبل أسابيع، فهل من المنطقي أن يعرض هناك، ويُمنع في بلده؟!!

واذا كان هناك بعض المعترضين فإنني اذكرهم بفيلم «اشتباك» لنفس المخرج في العام الماضي، ووقتها كانت هناك ضجة شديدة، وفي النهاية عرض الفيلم.. فهل سقطت الحكومة أو قامت القيامة؟!!

بالطبع لم يحدث شيء، بل وكسبت الحكومة الكثير، وبالتالي فإنني أدعو كل من بيده الأمر إلى عرض الفيلم فوراً، وبدون تردد حتى نصدق فعلاً أن هناك هامشاً ولو قليلاً من حرية الرأي؟!

عماد الدين حسين

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.

إعلان