عماد الدين حسين: تجارة الندوات والمؤتمرات | آراء | DW | 19.01.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

عماد الدين حسين: تجارة الندوات والمؤتمرات

في مقاله لـ DW عربية يتناول الكاتب الصحفي عماد الدين حسين ظاهرة تنتشر في العالم العربي كالنار في الهشيم: ندوات، مؤتمرات، ورش...لكن لماذا تعقد وما الجدوى منها؟ الإجابة قد تكون صادمة!

لماذا تعقد الندوات المؤتمرات وورش العمل في الوطن العربي؟!

سؤال يبدو غريبا، والسبب أن الواقع مثير للدهشة. 

المفترض ان الهدف من عقد الندوات والمؤتمرات هو مناقشة وبحث وإلقاء الضوء علي قضية معينة حتي يتم ايجاد حلول لها، أو حتي  تبصير الناس بالجوانب المختلفة لها بحيث يكونوا رأيا عاما قويا بشأنها.

منذ مجيئي من بيت صعيد مصر للالتحاق بكلية الاعلام بجامعة القاهرة قسم الصحافة عام 1982، صرت أحد مريدي الندوات التي تناقش الموضوعات المختلفة خصوصا قضايا السياسة، وكنت مدينا لها بالكثير من الفهم والمعرفة والمعلومات.  الآن وبحكم عملي الصحفي أتلقى العديد من الدعوات لحضور ندوات ومؤتمرات في مصر والعديد من البلدان العربية، معظمها للأسف الشديد ممل ومكرر ومحبط، ويهدر الكثير من الجهد والوقت والمال بلا جدوى. 

ومن حصيلة تجارب طوال السنوات الماضية فقد بات عندي يقين بان هناك تجارة مزدهرة اسمها الندوات والمؤتمرات وورش العمل، في غالبية البلدان العربية، وبمشاركة من بعض العراصم الغربية. 

ذات يوم قبل حوالي ثلاث سنوات تلقيت دعوة للحديث في ندوة، عن حرية الاعلام، وعقب نهايتها وجدت أحد المنظمين يحاول اعطائي مظروفا به مبلغ بالجنيه المصري يساوي حوالي خمسين دولارا، وعندما سألته ما هذا، قال لي إنها مكافاة. فقلت له ومنذ متي تقدمون أموالا  للمتحدثين وانتم جهة فقيرة تستحق الصدقة؟!!.، فرد بان الذي يقدم المال جهة مانحة أجنبية. 

من يومها بدأت أدقق كثيرا في اسماء وعناوين  الندوات والجهات الشريكة مع الجهة الأصلية، حتي لا أجد نفسي عالقا. وسط دوامة من الاسئلة والهواجس، وربما الاتهامات !!.

لست ضد أن تمول أي جهة أجنبية ندوات أو انشطة في أي مكان، طالما ان ذلك يتم علنا وبشفافية، فهناك مثلا جهات أوروبية  تنظم ورش لتدريب الصحفيين المصريين علي الكتابة وقواعدها أو كيفية إدارة صالات التحرير المدمجة، وغيرها من الموضوعات والقضايا المفيدة للإعلاميين. وهناك جهات متعددة  تنظم ندوات ومؤتمرات وورش عمل مفيدة. 

لكن ما أقصده اليوم هو نوعية من الندوات صارت تثير علامات استفهام، ربما عن جهل وحسن نية وربما بسوء نية. 

تذهب إلى الندوة أو المؤتمر فتجد العنوان عاما ومفتوحا. تجلس وتستمع إلى المتحدثين فتكتشف أن كل كلامهم مرسل وعام وأقرب إلى الانطباعات، ويمكن أن يقال في أي وقت وأي مكان، دون أن تخرج منه بأي فائدة. 

في مثل هذة الندوات لا تجد دراسة أو ورقة بحثية جادة تحتوي على معلومات أو افكار حقيقية عن القضية المطروحة، بل ان بعض الجهات المنظمة يكون هدفها الجوهري هو الحصول على دعم من بعض الجهات الاوربية أو الأمريكية، التي  لا  تتصور أحيانا أن الموضوع محض تجارة. 

والأخطر ان هذه النوعية من الندوات لا يوجد بها جمهور، فقط المشاركين والجالسين على المنصة، وبالتالي فهي أقرب إلى، التبشير في المؤمنين"!!.

في المقابل هناك ندوات جادة ومحترمة، لكن حصيلتها صفر ايضا، والسبب انها "تحلق  في الفراغ والهواء الطلق أو المطلق"!!. هي تصدر توصيات من دون بلورة ،ومن دون  وجود اي آلية لضمان التنفيذ. 

ما هي الفائدة  مثلا ان نظل نتحدث لشهور وسنوات عن تجديد الخطاب الديني، ثم لا يحدث شيء؟!! والسبب ان الكلام مكرر بل ان عدد المتطرفين يتزايد!!.ويمكن القياس على هذا الموضوع  في موضوعات كثيرة مشابهة. 

قبل شهر حضرت ندوة من هذة العينة كان بها مئات المدعوين من عواصم عربية وأجنبية. عرفت انه تم دفع مئات الآلاف من الدولارات لتذاكر السفر والفنادق الفاخرة والموائد العامرة والتحركات وأحيانا "بدل السفر او البوكيت موني" !!. يومها سألت اثنين من المنظمين: ألم يكن مفيدا ان يتم توجيه كل هذة التكاليف لحل المشكلة التي تناقشها الندوة بدلا من انفاقها بهذة الطريقة!!!.

تلقيت اجاباتان الأولى أن هذه طبيعة السوق حيث لم يعد هناك باحثون جادون بل محترفين يجيدون الكلام العام المنمق والمرسل، وانهم يبحثون عن أي شخص لديه أفكار جادة وجديدة لكي يتم مناقشتها وطبعها في كراسات تباع بأسعار  رمزية. قلت له، لو كنت مكانك لأجبرت المتحدثين الذين تدفعون لهم أموالا ان يكتبوا دراسات حقيقية تعتمد على بيانات ومعلومات. أما الإجابة الثانية فكانت أن ذلك الأمر يتم بناء على  طلب المانحين!.

كل الكلمات السابقة ليس هدفها إشاعة روح اليأس والاحباط ، بل حض كل من يهمه الأمر على إعادة التفكير في طريقة ومنهج وأهداف الندوات والمؤتمرات التقليدية، على أن يجتهدوا قليلا، ويمارسوا رياضة تشغيل الذهن بحثا عن أفكار خلاقة كي تكون هذه الندوات ذات جدوى، والا علينا ايقافها وتوفير تكاليفها للفقراء والمحتاجين وأصحاب المشاكل التي تناقشها مثل هذة الندوات!!.

 

الكاتب: عماد الدين حسين 

إعلان