علاء الأسواني: لماذا يحاكم السيسي ممدوح حمزه؟ | آراء | مساحة أوسع لأقلام برؤى جريئة تقدمها DW عربية | DW | 22.09.2020
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

علاء الأسواني: لماذا يحاكم السيسي ممدوح حمزه؟

في مقاله لـ DW عربية يشرح علاء الأسواني "أسباب محاكمة ممدوح حمزه".

ممدوح حمزه أستاذ مصري في كلية الهندسة وواحد من أهم مهندسي الانشاءات في العالم. تلقى العديد من الجوائز الدولية وأبحاثه تتسابق لنشرها أرقى الدوريات العلمية الدولية. وصل الدكتور ممدوح حمزه إلى قمة النجاح المهني، وكان يمكنه أن يستمتع بحياته مع أسرته بعيدا عن المشاكل ولكنه يحب مصر ويتمنى أن يراها دولة ديمقراطية محترمة.

في عهد مبارك قدم حمزه دراسة في الانشاءات لبناء منازل للمتضررين من السيول وكانت تكلفة البناء في مشروع حمزه نصف التكلفة في مشروع الحكومة، مما أغضب كبار المسؤولين آنذاك لأن حمزه كشف فسادهم بطريقة عملية. ثم قامت ثورة يناير فانضم لها ممدوح حمزه بحماس وفتح مكتبه ليكون مقرا لشباب الثورة، وعاش حمزه في ميدان التحرير أصعب اللحظات وواجه الرصاص وهو الرجل المسن جنبا إلى جنب مع الشباب وكاد يفقد حياته أكثر من مرة.

مثل كل الثوريين كان حمزه يناضل من أجل دولة ديمقراطية ليست عسكرية ولا دينية. وجه حمزه انتقادات شديدة للمجلس العسكري المسؤول عن جرائم ومذابح عديدة بدءا من كشوف العذرية إلى ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وبورسعيد وغيرها من المذابح التي ارتكبها المجلس العسكري ضد شباب الثورة، وقد تمت كلها بمباركة كاملة من الاسلاميين الذين خانوا الثورة من البداية وتحالفوا مع العسكريين ضد الثورة مقابل اقتسامهم السلطة معهم.

غضب المجلس العسكري على حمزه وقامت الحكومة بتلفيق أكثر من قضية ضده ثم قامت بالغاء مشروعات كان مكتب حمزه قد تعاقد عليها، مما أدى إلى خسائر مالية جسيمة واستمر هذا التعنت ضد مكتب حمزه لسنوات مما اضطره في النهاية إلى الانسحاب من مكتبه الهندسي حتى لا يكبد شركاءه المزيد من الخسائر بسبب معارضته للنظام.

اشترك ممدوح حمزه في 30 يونيو مثل ملايين المصريين الذين فقدوا الثقة في الرئيس مرسي والاخوان وطالبوا بانتخابات رئاسية مبكرة. وعندما وصل السيسي إلى السلطة ارتفع صوت حمزه معارضا للسيسي ليس فقط بسبب الاستبداد وانما أيضا، وهنا بيت القصيد، بسبب الديون الرهيبة التي أغرق السيسي بلادنا فيها، وما يسمى بالمشروعات العملاقة التي اعترف السيسي نفسه بأنه يجرى معظمها بدون دراسات جدوى.

هنا قام ممدوح حمزه بدور أشبه بحكومة الظل في الدول الديمقراطية. مع كل مشروع يعلن عنه السيسي كان حمزه يكتب تقريرا علميا عن جدوى المشروع الاقتصادية والطريقة المثلى لتنفيذه، مع شرح كامل للعيوب التي يمكن أن تنشأ عن التنفيذ العشوائي. وفي كل مرة كان حمزه يسلم الدراسة بنفسه إلى المسؤولين في الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ثم يبلغهم باستعداده بالعمل على تنفيذ الدراسة تطوعا منه، بل ويؤكد لهم انه لا يمانع في استعمال الدراسة بدون الاشارة إلى اسمه اطلاقا، لأن الهدف الأهم بالنسبة إليه كان حماية المال العام وتفادي عيوب فنية جسيمة كان يعلم بخبرته الكبيرة انها ستحدث حتما بسبب التنفيذ العشوائي للمشروعات.

في كل مرة كان المسؤولون في الهيئة الهندسية يستلمون دراسات حمزه ويشكرونه ويؤكدون أنهم سيتصلون قريبا لتنفيذ ملاحظاته العلمية وبالطبع لم يتصلوا به قط. المدهش أن تجاهل المسؤولين لعلمه وخبرته لم يمنعه من تكرار المحاولة مرة بعد أخرى. هنا نجد أنفسنا أمام نموذج عظيم للتجرد في حب الوطن. هذا العالم العظيم الذي يحتفي العالم كله بنبوغه يذهب مرة بعد أخرى إلى لقاء ضباط أقل منه علما ليرجوهم أن يستفيدوا بدراساته بدون الاشارة إلى اسمه من أجل مصلحة البلد. 

لم يكتف حمزه بتقديم دراساته إلى المسؤولين بل انه ألقى سلسلة من المحاضرات في غاية الأهمية شرح فيها عيوب المشروعات التي يقيمها السيسي بدون دراسات جدوى، وكان يقدم في محاضراته التشخيص والعلاج بالتفصيل. لازلت أذكر محاضرته عن مشروع توسيع قناة السويس التي أكد فيها أنه كان من الواجب دراسة حركة التجارة العالمية قبل تنفيذ المشروع. وأوضح الخسارة المالية التي تكبدها المشروع لمجرد أن السيسي قرر تنفيذه في عام واحد بدلا من ثلاثة أعوام، وللأسف فان مشروع القناة - كما توقع حمزه - لم يحقق أي مكاسب مالية نتيجة لضعف حركة التجارة العالمية.

في محاضرة أخرى أثبت حمزه بالأدلة العلمية أن سد النهضة الأثيوبي عمل سياسي عدواني ضدنا في الأساس، وأن أثيوبيا لديها بدائل عديدة لا تضر بمصر ولو كان السيسي استمع لرأي ممدوح حمزه لما كان وقع في عام 2015 اتفاق مبادئ سمح لأثيوبيا ببناء السد بدون حماية مصالح مصر. بعد ذلك وضع حمزه دراساته العلمية في كتب أصدرها تباعا منها كتاب "كيف نبني الوطن؟" وكتاب "الانفتاح على مصر".

لو كان ممدوح حمزه مواطنا في دولة ديمقراطية لتسابقت أجهزة الدولة للاستفادة من علمه وخبرته، ولكننا للأسف في عصر السيسي حيث ارادة الديكتاتور فوق الجميع ولا أحد يستمع إلى العلماء. بل ان معارضة حمزه العلمية لمشروعات السيسي العشوائية اعتبرها السيسي عملا عدائيا موجها ضده شخصيا وكان ذلك سببا كافيا للتنكيل بحمزه فتمت احالته إلى محكمة أمن الدولة "طوارئ" واستعملوا ضده تغريدة كتبها يدعو فيها سكان الوراق إلى التمسك بحقوقهم. ان محاكمة ممدوح حمزه لمجرد أنه معارض للسيسي فضيحة أخرى تضاف إلى سجل نظام السيسي الحافل بالانتهاكات والجرائم والمذابح.

تحية واجبة من القلب للوطنيالنابغ العظيم ممدوح حمزه وأنا مؤمن أنه في يوم ما - أظنه يقترب - سينال ممدوح حمزه كل ما يستحقه من تكريم في مصر.

  

الديمقراطية هي الحل

draswany57@yahoo.com

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان