علاء الأسواني: كيف تطلق صفارة في مواجهة الرئيس..؟ | آراء | DW | 06.03.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

علاء الأسواني: كيف تطلق صفارة في مواجهة الرئيس..؟

في هذا المقال* يطرح علاء الأسواني السؤال: كيف تطلق صفارة في مواجهة الرئيس؟ 

الكاتب المصري علاء الأسواني

الكاتب المصري علاء الأسواني

هل تعلم ما هو "الجليفوسات"؟

إنه مادة كيميائية تستعمل للتخلص من الحشائش المتطفلة الضارة بالمحاصيل وقد ثبت علميا أن الجليفوسات له تأثير ضار على الإنسان قد يصل إلى إصابته بالسرطان. شنت جماعات حماية البيئة في فرنسا حملة كبيرة ضد الجليفوسات واستجابت الحكومة الفرنسية وأصدرت قرارا بحظر استعماله. بعض المزارعين الفرنسيين غضبوا من هذا المنع لأنه سيؤثر على جودة المحاصيل. الأسبوع الماضي في المعرض الزراعي في باريس اجتمع عدد من المزارعين الفرنسيين حول الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وعبروا عن غضبهم بسبب منع الجليفوسات فراحوا يطلقون صفارات الاستهجان في وجه الرئيس الذى بدا عليه الغضب وصاح في وجه أحد المزارعين المعترضين: 

-     أنا الرئيس المسئول. سيقول لي الناس يوما إنك كنت على دراية باستعمال "الجليفوسات" ولم تحرك ساكنا. بينما أنت هنا تطلق الصفارات وتتحدث وأنت تنظر لي العين بالعين.

رد المزارع قائلا:

-     نحن هادئون. اهدأ قليلا أرجوك، ما هذا الأسلوب أيها الرئيس، إنني أتكلم معك بأدب.

قاطعه الرئيس قائلا:

-     لست أنت من يمنحني الهدوء ولست أنت من يعطيني دروسا.

عندئذ قال المزارع:

-     أيها الرئيس نحن في بلدنا.

كان قصد المزارع بهذه الجملة أنه مواطن فرنسي ومن حقه أن يعبر عن غضبه في وجه رئيس الجمهورية. انتشر الفيديو لهذه المشادة على الإنترنت ولاشك أن المصريين والعرب اندهشوا وهم يتابعون المشادة ولعلهم تساءلوا:  كيف يجرؤ مزارع بسيط على الحديث بهذه الطريقة مع رئيس الجمهورية. لو حدث ذلك في بلادنا ستقبض الشرطة على هذا المواطن فورا وسيتعرض لتعذيب بشع حتى يعترف أنه عميل لمخابرات أجنبية وأنه قبض مبالغ كبيرة (بالدولار ) ليرتكب فعلته الشنيعة ثم سيحال للمحاكمة بباقة من التهم تشمل إهانة رئيس الجمهورية ومحاولة إسقاط الدولة وقلب نظام الحكم بالإضافة إلى زعزعة الاستقرار وإثارة البلبلة وتكدير السلم العام، وبالطبع سيصدر الحكم ضد هذا المواطن بالسجن عدة سنوات.

تابعت ردود فعل المصريين والعرب على هذه المشادة في مواقع التواصل الاجتماعي فوجدت معظمهم يؤكدون أن المزارع الفرنسي تصرف بهذه الشجاعة لأنه يعلم أن ماكرون رئيس ديمقراطي لن يعتقله ولن يؤذيه. هذا رأي صحيح لكنه ناقص. إن فضل الديمقراطية لا يعود للرئيس وإنما للمواطن وكذلك فإن مسئولية الاستبداد لا تقع فقط على الحاكم وإنما على الشعب أيضا. إن الاستبداد علاقة بين طرفين: حاكم مستبد وشعب يقبل الاستبداد. إن ما فعله المزارع الفرنسي لا يمثل شجاعة استثنائية فالمواطنون جميعا في فرنسا يستطيعون أن يتحدثوا مع رئيس الدولة بنفس الطريقة ويرجع ذلك إلى الأسباب الآتية:

أولا: المواطن الفرنسي لا يعتبر رئيس الجمهورية والدا للشعب ولا رمزا للوطن والشعب يفهم جيدا أن معارضة أي شخص للنظام لا تعني أبدا أنه يريد هدم الدولة وأن معارضته للحاكم لا تعني أبدا أنه خائن للوطن. المواطن الفرنسي يتعامل مع رئيس الجمهورية باعتباره موظفا عاما من واجبه أن يخدم المواطنين. إنه يتعامل مع الرئيس كما نتعامل نحن في مصر مع مدير مكتب البريد أو الشهر العقاري. نطلب منه أن يؤدي واجبه في خدمتنا فإذا قصر يكون من حقنا أن نلومه ونوبخه.

ثانيا: المواطن الفرنسي يفكر بعقل واع ويتصرف بإرادته الحرة وهو لا ينساق خلف جماعة دينية أقسم على طاعتها بينما هي تغيب عقله وتستعمله حتى تصل إلى السلطة، إنه يتخذ قراراته بدون تأثير رجال الدين وهو لا يعتقد أن الصبر فضيلة ولا يؤمن أن الحاكم الظلوم خير من فتنة تدوم. قد يكون الفرنسي متدينا لكنه يعيش في بلد تم فصل الدين فيه عن الدولة منذ أكثر من قرنين. وظيفة رجل الدين في فرنسا إقامة الصلوات وشرح مبادئ الدين وهو لا يقوم بأي دور خارج دور العبادة. رجل الدين في فرنسا لا يحشد المؤمنين من أجل انتخاب الزعيم ولا يطالبهم أبدا بالتصويت بنعم أو لا في الاستفتاءات حتى يدخلوا الجنة.

ثالثا: المواطن الفرنسي يرفض الديكتاتورية من حيث المبدأ ولا يقبل أبدا بانتخابات رئاسية مزورة أو صورية وهو على استعداد للموت دفاعا عن الديمقراطية. إنه يعلم أن الديكتاتور مهما يكن مخلصا ومهما بلغت انجازاته سينتهي بالبلاد حتما إلى كارثة. كما أن الحرية عند الفرنسي أهم من الاستقرار والأمان وهي لا تنفصل في ذهنه عن لقمة العيش لأنه تعلم من التاريخ أن من يتنازل عن حريته من أجل لقمة العيش سينتهي بأن يفقد الحرية ولقمة العيش معا.

رابعا: المواطن الفرنسي يدافع عن حرية التعبير ولا يقبل تقييدها تحت أي مسمى أو ذريعة وهو يحترم المعارضين للنظام حتى لو اختلف معهم وسيكون أول من يدافع عنهم إذا تعرضوا للقمع. الفرنسي يحترم الجيش ويقدر دور الشرطة لكنه لا يعرف فكرة تقديس المؤسسات بل انه يرى من واجب الإعلام أن يفضح أي انتهاكات يتورط فيها جنود الشرطة أو الجيش، وهو لا يرى في ذلك أي إهانة للشرطة والجيش. بالعكس انه يؤمن أن الإعلان عن الجرائم وتقديم المسئولين عنها للمحاكمة هي الطريقة الوحيدة من أجل الحفاظ على مكانة الجيش والشرطة.

هذه الأسباب جعلت من السهل على مزارع فرنسي بسيط مواجهة رئيس الجمهورية بهذه الشجاعة، وعندما تتحقق هذه الأسباب في مصر سوف يتمكن المواطن المصري من مواجهة رئيس الدولة بالشجاعة ذاتها. عندئذ فقط سيبدأ المستقبل في بلادنا..

الديمقراطية هي الحل 

 draswany57@yahoo.com

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولبس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان