علاء الأسواني: جريمة محمد أكسجين... | آراء | DW | 24.04.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

علاء الأسواني: جريمة محمد أكسجين...

في هذا المقال* يكشف علاء الأسواني عن جريمة الصحفي المصري محمد أكسجين.

محمد إبراهيم شاب مصري في العشرينيات تخرج في الجامعة العمالية وعمل موظفا في إحدى دور النشر . رفض محمد أن يسعى للحصول على عقد عمل في الخليج واشترك في ثورة يناير من أجل تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية. كان محمد يهوى الصحافة ولأنه لا يعرف أحدا من الكبار ليتوسط له كان من المستحيل أن يجد عملا في الصحف والفضائيات.

لم يستسلم محمد لليأس فقرر أن يكون صحفيا مستقلا، أنشأ مدونة عنوانها "أكسجين مصر "، شعارها "نحن نحمل الحقيقة إليك ونسعى لاثبات الحقائق المجردة لأن هذا ما تقتضيه أمانة الكلمة ..". حمل محمد الكاميرا وراح يصور الندوات المهمة ويضعها على يوتيوب ومع ارتفاع نسب المشاهدة تم وضع إعلانات على مدونته حققت له دخلا بسيطا. يوما بعد يوم اشتهر باسم "محمد أكسجين"، وحققت قناة أكسجين مصر نجاحا مبهرا، فوصل عدد متابعي القناة إلى الملايين وتوسع محمد في عمله الصحفي واستعان بزملاء موهوبين وبدأوا في إجراء حوارات مع الناس في الشارع.

كانت الحوارات في غاية الأهمية لأن الناس كانوا يتحدثون بحرية كاملة. كان بعضهم من مؤيدي السيسي وبعضهم من معارضيه، لكن محمد كان يعطيهم الفرصة كاملة ويذيع آرائهم بأمانة. المدهش أن قناة أكسجين مصر بإمكاناتها المتواضعة للغاية قد حققت نسب مشاهدة أعلى بكثير من مواقع تابعة لصحف كبرى تبلغ ميزانياتها ملايين الجنيهات. والسبب في ذلك موهبة محمد وزملائه ومراعاتهم للأمانة المهنية التي لم تعد موجودة غالبا في الإعلام المصري الذي سقط في قبضة أجهزة الأمن، فصارت توجهه حتى لم تعد كلمة واحدة تُذاع في الإعلام بدون موافقة الضابط المسئول. لمست بنفسي مدى نجاح "أكسجين مصر" عندما كانت تنقل ندواتي فتصلني ردود فعل من المشاهدين في كل أنحاء العالم.. لو كان محمد أكسجين في أي بلد ديمقراطي لانهالت عليه العروض من أكبر المحطات التليفزيونية، لأنهم هناك يبحثون عن الموهوبين ليستفيدوا من كفاءتهم أما عندنا في مصر فان الولاء للنظام أهم بكثير من الكفاءة.

لو ألقيت نظرة على الإعلاميين الآن ستكتشف أن كثيرين منهم لم يدرسوا الإعلام ولم يمارسوه من قبل. ستجد بينهم ممثلة مبتدئة وكاتب سيناريو ومحامي ورياضي متقاعد وبائع أعشاب طبية. كيف لهؤلاء أن يقدموا برامج يومية تستغرق ساعات برغم أنهم لا يعرفون شيئاً عن الإعلام؟ الإجابة أنهم أصبحوا إعلاميين فقط لأنهم ينفذون تعليمات الأمن حرفيا فيظهرون كل ليلة ليسبحوا بحمد السيسي ويشرحوا لنا مدى نبوغه وعبقريته ثم يشتمون المعارضين ويتهمونهم بالعمالة والخيانة لأن الوطن في مفهوم الإعلام أصبح هو السيسي والسيسي هو الوطن وكل من يطبل للسيسي وطني عظيم وكل من يعارض السيسي خائن للوطن.

غضبت أجهزة الأمن على محمد أكسجين لأنه يقدم الحقيقة ولأن ملايين المشاهدين يتابعون قناة أكسجين مصر  فظهر مذيع معروف بعلاقته الوطيدة بالأمن وقام بالتحريض ضده متساءلا لماذا هو مطلق السراح حتى الآن؟ وقد رد محمد أكسجين على صفحته قائلاً: "أنا لن أهرب. أنا لم ارتكب جريمة حتى أهرب ولمن نترك الوطن إذا هربنا جميعا".

بهذه الشجاعة النبيلة استقبل محمد أكسجين تهديدات عملاء الأمن في التليفزيون. وبمجرد أن بدأ عبد الفتاح السيسي ولايته الجديدة تم اختطاف محمد أكسجين بواسطة أجهزة الامن ثم اختفى قسريا لعدة أيام وظهر في قسم قصر النيل ثم اختفى مرة أخرى عدة أيام وظهر في نيابة أمن الدولة التي وجهت له تهمتين  عجيبتين: نشر أخبار كاذبة و الانضمام لجماعة إرهابية.

الاتهام الأول لا أساس له من الصحة لأن موقع أكسجين مصر لا يذيع أي أخبار أساسا. أما التهمة الثانية فإن مصر تنفرد بها من دون دول العالم كله فالنيابة عندنا توجه لمن تشاء تهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية بدون أن تحدد اسم هذه الجماعة الإرهابية، وهذا الأمر يشبه بالضبط أن تتهم شخصا بالقتل العمد بغير أن تعلن اسم القتيل الذي تتهمه بقتله.

الغريب أن نظام السيسي يغضب بشدة عندما يتعرض لانتقادات من مؤسسات دولية أو صحف عالمية بسبب سجله السيء في مجال حقوق الإنسان. إن قضية محمد أكسجين اكبر دليل على أن القانون في مصر لا يطبق على الجميع، وإنما يستعمل ضد أشخاص بعينهم لأنهم لا يظهرون الولاء الكافي للنظام ولا ينافقون السيسي. أي شخص الآن قد يتم إلقاء القبض عليه ويختفي قسريا ثم يظهر في نيابة أمن الدولة التي تأمر بحبسه بتهمة الانضمام إلى جماعة محظورة إرهابية لا تحددها النيابة والأعجب أن تستمر القضية بغير أن يعرف أحد ما هي الجماعة المحظورة. هذه الانتهاكات المتكررة لأبسط حقوق الإنسان تقدم صورة سيئة جدا لنظام السيسي في العالم ولن يساعد النظام كثيرا نظرية المؤامرة التي يتشدق بها كلما انتقدته هيئة دولية أو صحيفة عالمية ولعل نظام السيسي الوحيد في التاريخ، الذي يعتبر كل الجرائد العالمية وكل الاذاعات والفضائيات الدولية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.. كلها جهات تتآمر ضده بل ان شخصا يقول إنه خبير استراتيجي أكد في أحد البرامج أن كل أعضاء البرلمان الأوروبي يقبضون مرتبات شهرية من الإخوان!!

كل هذه الضجة التي يصطنعها النظام لن تغني عنه شيئا، لأنه لم يعد ممكنا تضليل الرأي العام في مصر أو خارجها. افرجوا عن محمد أكسجين لأنكم تعلمون أنه بريء ولم يرتكب أي جريمة.. جريمته الوحيدة أنه نقل الحقائق المجردة كما تقتضى أمانة الكلمة.

 الديمقراطية هي الحل 

 draswany57@yahoo.com

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان