علاء الأسواني: اصنع مصيرك بنفسك | آراء | مساحة أوسع لأقلام برؤى جريئة تقدمها DW عربية | DW | 29.09.2020
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

علاء الأسواني: اصنع مصيرك بنفسك

في مقاله* لـ DW عربية يستعرض علاء الأسواني نتائج المظاهرات الأخيرة في مصر.

الكاتب المصري علاء الأسواني

الأسواني: كان اندلاع المظاهرات مفاجأة كبرى ارتبك منها نظام السيسي وفقد توازنه، ثم حاول استرضاء الشعب الغاضب.

"مظاهرات محدودة النطاق"

هكذا وصفت الإذاعة البريطانية المظاهرات التي اندلعت في مصر في محافظات عديدة ضد الرئيس السيسي. الوصف دقيق لأن عدد المشاركين في المظاهرات كان قليلا ولذلك فهي محدودة النطاق لكنها قطعا ليست محدودة التأثير ولا محدودة الأهمية لأن هؤلاء المتظاهرين كسروا حاجز الرعب الذي بناه نظام السيسي على مدى سنوات.

فبعد السيطرة الكاملة على الإعلام والجهاز القضائي وبعد الاعتقال العشوائي والتعذيب وتلفيق التهم  لعشرات الألوف من الأبرياء، اطمأن المسؤولون إلى أن المصريين قد خرسوا إلى الأبد ولم يتصوروا أبدا أن يجرؤ شخص واحد على النزول في الشارع ليطالب السيسي بالتنحي عن السلطة. لقد شكلت هذه المظاهرات نقطة تحول في الأحداث ولعلها القطرات القليلة التي سيعقبها سيل كاسح سيحقق للمصريين العدل والحرية. هنا يجب أن نتذكر بضع حقائق:

أولا: التظاهر السلمي حق دستوري لأي مصري وقانون التظاهر الذي صنعه السيسي ينتهك الدستور وكل الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي وقعتها الحكومات المصرية المتعاقبة. من حق أي مصري أن ينزل في الشارع ليعبر عن رأيه بطريقة سلمية ولا يجوز اعتبار التظاهر السلمي جريمة مهما تكن الذرائع والتبريرات.

ثانيا: استطاع محمد علي أن يؤثر في المصريين البسطاء الذين أعجبوا به  لإحساسهم بأنه رجل بسيط مثلهم يطالب بحقوقهم ويتكلم بلغة الشارع  التي يفهمونها أضف إلى ذلك أن سياسات السيسي الاقتصادية الظالمة  قد جعلت الحياة مستحيلة على ملايين الفقراء، لكن محمد علي ارتكب خطأ كبيرا عندما ارتبط بالإخوان المسلمين، ففقد جانبا كبيرا من تأثيره الأمر الذي يفسر قلة أعداد المتظاهرين بالمقارنة بمتظاهري العام الماضي. معظم المصريين لا يثقون في الإخوان ويستريبون في نواياهم كما أن نشطاء من الإخوان ظهروا على وسائل التواصل الاجتماعي ودعوا المتظاهرين علانية إلى ممارسة العنف  وإحراق مدينة الإنتاج الإعلامي وأقسام الشرطة وهذه الدعوة للعنف، بالإضافة إلى تجريمها حتى في الدول الديمقراطية جعلت كثيرين ينصرفون عن الاشتراك في المظاهرات أو التعاطف معها. 

الإخوان المسلمون يشكلون حالة دراسة نموذجية لعواقب خلط الدين بالسياسة، فهم يدافعون عن مواقف جماعتهم السياسية باعتبارها عقيدة دينية لا يجوز المساس بها الأمر الذي جعلهم منفصلين تماما عن الواقع فهم لا يتذكرون أنهم خانوا الثورة منذ الأيام الأولى وتحولوا إلى أداة استعملها المجلس العسكري  لإجهاض الثورة وهم لا يتذكرون أنهم صفقوا وهللوا للمجلس العسكري وهو يقتل شباب الثورة ويدهسهم بالمدرعات، وهم لازالوا يرددون أكاذيب عن المرحوم مرسي الذي وصل إلى السلطة بموافقة من المجلس العسكري بعد انتخابات مشكوك تماما في نزاهتها، وهناك قضية لإلغاء نتائجها لازالت منظورة في المحاكم.

الإخوان لا يريدون أن يصدقوا أن ملايين المصريين تظاهروا في 30 يونيو لسحب الثقة من مرسي وطالبوا بانتخابات رئاسية مبكرة. وهذا المطلب الديمقراطي هو نفس المطلب الذي يرفعه الإخوان اليوم ضد السيسي، ولكن في عرف الإخوان ان مطالبة السيسي بالتنحي حلال  ومطالبة مرسي بالتنحي حرام لأنه ينتمي إلى "الجماعة الربانية" كما يسمون أنفسهم. إن وجود الإخوان في أي تحرك جماهيري يشوه أغراضه ويجعل كثيرين ينصرفون عنه ويسهل المهمة على إعلام السيسي الذي يتهم كل المعارضين بأنهم إخوان أو حلفاء لهم. لقد أخطأ محمد على قطعا باستدعاء الإخوان إلى المشهد فهو لا يستطيع أن يغسل سمعتهم السياسية لكن وجودهم معه يقلل كثيرا من شعبيته.

ثالثا: كان اندلاع المظاهرات مفاجأة كبرى ارتبك منها نظام السيسي وفقد توازنه، ثم حاول استرضاء الشعب الغاضب عن طريق تصريحات خادعة لرئيس الوزراء. ولما استمرت المظاهرات لجأ النظام إلى الحيل القديمة المعروفة بدءا من استدعاء والد محمد علي ليلعنه ويتهمه بالخيانة في التليفزيون إلى نشر صور محمد علي وهو سهران في الملاهي الليلية أضف إلى ذلك استدعاء مواطنين ليرقصوا أمام الكاميرات دعما للسيسي ثم  إنكار مذيعي النظام لحدوث أي مظاهرات أصلا وترديدهم لوصلات طويلة من الشتائم واتهامات للمعارضين بالخيانة. وأخيرا انتهت كل هذه المسرحيات بظهور السيسي نفسه ليلقي على عجل خطابا عجيبا حذر فيه المصريين من "الأشرار" الذين يريدون إسقاط الدولة المصرية  وكأن كل من يعارض سياسات السيسي ينتمي بالضرورة إلى الأشرار. وقد وضع السيسي المصريين أمام اختيارين لا ثالث لهما، إما الخضوع للاستبداد وتحمل الظلم وإما السقوط في الفوضى التي ستجعلهم لاجئين يعيشون في المعسكرات وينتظرون الإعانات الدولية.

نفس هذا المنطق استعمله حسني مبارك عندما طالبه ثوار يناير بالتنحي، فقال "أنا أو الفوضى". إن المنطق الذي استعمله السيسي قاصر ومرفوض، فبالإضافة إلى الخضوع للظلم والفوضى هناك اختيار ثالث من أبسط حقوقنا: أن نعيش في دولة ديمقراطية عادلة كمواطنين محترمين بدون قمع ولا ظلم ولا فوضى.

رابعا: الدرس الذي نستخلصه من هذه المظاهرات ان نظام السيسي برغم كل ما يملكه من أدوات جبارة للقمع والتضليل والسيطرة يستحيل أن يصمد طويلا أمام حركة جماهيرية حقيقية. يجب أن نتعلم أنه لا أحد سيمنحنا حقوقنا إذا لم ننتزعها بأنفسنا  وأنه لا جدوى من استعطاف الديكتاتور  لأن الحاكم ليس والد الأمة ولا رمز الوطن وإنما هو موظف وخادم للشعب ينفذ مطالبه ومن حق الشعب أن يحاسبه ويستطيع تغييره سلميا متى  أراد. إن الحرية والكرامة والعدل ليست عطايا أو هدايا سوف تمنح لنا بغير ثمن وإنما هي حقوقنا الطبيعية التي لن نحصل عليها أبدا ما لم ندفع ثمنها بالتضحيات وننتزعها بالنضال السلمي. أيها المصري إن مصيرك ليس بيد السيسي وإنما بيدك أنت.

اصنع مصيرك بنفسك.

الديمقراطية هي الحل

draswany57@yahoo.com

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان