رشا حلوة: عن الأمل الآتي من أصوات النساء وصور القبلات في ثورة لبنان | آراء | DW | 25.10.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

رشا حلوة: عن الأمل الآتي من أصوات النساء وصور القبلات في ثورة لبنان

في مقالها* لـ DW عربية تتناول الكاتبة الصحفية رشا حلوة المساحات العملية لممارسة الحريات الفردية، وللحضور النسائي القوي، في ثورة لبنان، وما يمنحه كل هذا من أمل.

منذ نهاية الأسبوع الماضي، وعيوننا لا تبتعد عن شاشات هواتفنا النقّالة أو حتى الحواسيب، نتابع منصات سوشيال ميديا بترقب شديد، حيث تصلنا كل ثوانٍ معدودة فيديوهات وصور من لبنان الذي انتفض أهله على زعماء طوائفه، وقياداته، وأحزابه، رغبة بحياة كريمة وعادلة في حقول الحياة كلّها.

على الرغم من القلق الذي يسيطر علينا، خاصة البعيدين عن الشوارع هناك، خوفاً على مصير حراك الناس من مصائر مشابهة ماضية، إلا أن اللبنانيين واللبنانيات، نجحوا وينجحون كل يوم في ترويض هذا القلق والخوف الشرعيين، من خلال حضورهم اليومي في طرابس، النبطية، بيروت، بعلبك وغيرها من المدن، كاسرين في اعتصاماتهم هذه حواجز خوفٍ عديدة وصلبة، ومعلنين بأعدادهم الكبيرة، وقرب المتظاهرين من بعضهم البعض، بأن في هذه الثورة، انتهت الحرب الأهلية اللبنانية.

لقد نجحت الثورة في لبنان، في استعادة الأمل وسط أيام صعبة ومليئة بالإحباط. استعادة الأمل لا علاقة له فقط بمظاهرات الناس، بل أيضاً بشكل التظاهر هذا وفي اتساع الفضاء العام لكل الناس، بأشكالها وألوانها وهويّاتها وثيابها، وجنسانياتها، وما إلى ذلك. ويمتد هذا إلى مساحات مستوعبة للحريات الفردية، منها تعابير الحبّ المتنوعة، المتجسّدة في الأحضان والقُبل والتعبير الشفوي أيضاً، وكذلك الشتائم، والحرية باختيار الملابس، والرقص في الشوارع، والشعارات المرسومة على جدران المدن… كأن كلّ أسرارنا التي نمارسها خفيةً، مُنحت فرصة لأن تكون حرّة وعلنية، فأصبحت انتفاضة لبنان أكثر ما يُشبه حقيقتنا التي نحبّها.

أولى الصور التي وصلتنا من بيروت، كانت لرجل وامرأة يقبّلان أحدهما الآخر "قبلة فرنسية"، وخلفهما دواليب السيارات محترقة. كانت الصورة بمثابة بيانٍ علني للمساحة التي تقدّمها الثورة اللبنانية لشعبها، منذ يومها الأول. باستعادة الناس للشارع، باستعادة شعورهن الطبيعي بأنهم يملكون الشوارع والساحات والفضاءات العامّة، ومثلما يحضنان حبيبان بعضها البعض داخل البيوت، يفعلان بالمثل خارجها، ولا يرمي أحد الأحكام عليهما، أو يعيبهما بما قاما عليه من إعلان حبّ تجسّد بالقُبل.

كتبت مؤخراً عبر صفحتي في فيسبوك: "يا الله قديش بلبقلنا الضحك" بمعنى ما، كم نستحق أن نضحك. وختمت منشوري شاكرة الثورة اللبنانية. لماذا؟ لأن كل ما يصلنا من فيديوهات وصور ويافطات وغرافيتي على الجدران، فيه كم من السخرية التي كأننا لم نعرف أنها موجودة. وكأننا ولأننا صدقنا آلامنا وإحبطانا، اعتقدنا بأن شعوبنا غير قادرة على السخرية بعد. لكن، عند عتبة الأمل الأولى، وعندما يشعر الناس بالأمل فعلياً، ويتحوّل الأمل إلى تطبيق عملي ينظمه الناس للحفاظ عليه، تعود السخرية إلى قلوب الناس سليمة.

مختارات

هذه السخرية تجسّدت بداية مع الشعار الأول الذي حصد على الشهرة الأكبر في شوارع لبنان وانتشر في الفضاءات الافتراضية ومن ثم العالم، والذي هو هتاف: "هيلا هيلا هيلا هيلا هو…"، من ثم ما نتج عنه من فيديوهات وتصميمات غرافيكية وقصص مضحكة، هذا الهتاف كان الذي أيضاً بمثابة بيان علني لاتساع الثورة اللبنانية لكل ما يعرّف على أنه "تابوه"، والشتائم، تلك التي لا نتردد مرتين بأن نقولها داخل بيوتنا وفي دوائرنا المغلقة، أصبحت شعارات ثورية.

لكن، ولأن الشتائم الأكثر انتشاراً تضم في طيّاتها كلمات متعلقة غالباً في أعضاء المرأة التناسلية، ومع انتشار شعار "هيلا هيلا هو" الملحّن، فتح ذلك جدلاً مهماً في الشارع أيضاً، والذي تجسّد في منشورات عبر فيسبوك وتويتر، وكذلك شعارات أخرى رداً عليها، والتي تفيد، بكلمات فصيحة، بأن "عضوي التناسلي ليس شتيمة"، وبأن "لوطي ليست بشتيمة"، كردٍ أيضاً على استخدام وصف لوطي/ مثلي، للإهانة برجل آخر، استناداً على العقلية الذكورية التي تفيد بأن مثلية الرجال الجنسية هي "شتيمة وعيب وعار".

هذا الجدل، المترجم بالشعارات التي ردت بـ "لوطي مش مسبة"، هو تماماً بمثابة استغلال إيجابي للتوقيت، لما يحدث في الشارع اللبناني من انتفاضة على كل شيء، بطرح قضايا جندرية جوهرية، مناهضة للخطاب الشعبي السائد التي يعيب أجساد النساء وأعضائها الجنسية، ويعمل على استدامة عقليات قامعة للنساء والمثليين/ات والعابرين/ات جنسياً، وعقليات تتغذى على التمييز ضد النساء على أساس جنسي… وهذا الجدل مهم عندما يحصل أيضاً مع عدم مقاومة أن يواصل شعار "هيلا هيلا هيلا هيلا هو…" بإضحكنا، حيث تقبّل التناقضات الحية فينا.

كما وبنفس الوقت، مع أهمية أن يطرح حساسية الشعار، ومناهضته، حيث يقع في صلب هذه المناهضة المبدأ الذي يفيد بأن لا من أولويات للنضال، وأن الشعوب لن تحصل على حرياتها طالما المرأة مقموعة فيها.

يأخذني هذا إلى الحضور النسائي العظيم في شوارع لبنان، ليس فقط في بيروت، إنما في طرابلس والنبطية أيضاً. إلى النساء الموجودات في الصفوف الأمامية، يحملن الميغافونات ويهتفن بأصواتهن، إلى اللاتي يعملن على تنظيم المجموعات وحلقات النقاش، اللاتي يؤلفن الهتافات، يرسمن، يكتبن، يشتمن، ينمن في الشوارع، يوزعن أحضاناً مجانية على المتظاهرين/ات، يرقصن، يقاومن، يغنينَ، يغضبن، يصرخن، يضعن أولادهن في البيوت عند ساعة النوم، ويعدن إلى المظاهرات، النساء اللاتي يرتدين ما يشأن، ويفعلن ما يشأن بلا إملاءات من أحد… كل هؤلاء النساء هن اللائي يعبدن شوارع لبنان اليوم باتجاه بلد لن تحرق الأمهات قلوبهن على أطفالهن الذين أخذتها منهن المحاكم الدينية، لأن الشريعة تنص على ذلك… إلى بلد، سينام الأطفال بحضن أمهاتهن بأمان.

أتابع لبنان من بعيد، أحياناً لا أستطيع النوم من كثرة الانفعالات التي تأتيني مع كل مشاهدة لفيديو من هناك، مع كل  منشور أقرأه لصديق أو صديقة، مع صور تصلنا عبر مجموعات الواتساب التي تضم أصدقاء لبنانيين مغتربين… هذه الانفعالات مرفقة بقشعريرة مستمرة، بإحساس اعتقدنا أننا فقدناه من ثقل الخيبات التي حصلت لنا. لكن، يأتي لبنان اليوم ليؤكد لنا بأن الأمل بمستقبل أفضل ما زال حياً وعملياً، والأهم، بأن هذا المستقبل سيتسع للقبلات والأحضان في الشارع، بين امرأة ورجل، وبين امرأة وامرأة، وبين رجل ورجل، ويتسع لرقص النساء بحرية، وهذه هي الثورات التي نريدها.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان