رشا حلوة: رمضان في المهجر.. إلى ماذا نشتاق؟ | آراء | DW | 23.05.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

رشا حلوة: رمضان في المهجر.. إلى ماذا نشتاق؟

في مقالها* لـ DW عربية تنقل الكاتبة الصحفية رشا حلوة أجواء شهر رمضان كما تعيشها في برلين، وما يثيرها كمهاجرة هو الأمور التي تشتاق إليها في هذه الأجواء.

عند مساء الأربعاء الماضي، وصلني اتصال من صديقي عبد الرحمن يدعوني به إلى تناول الإفطار الأوّل من رمضان عنده في المنزل بصحّبة مجموعة من الأصدقاء والصديقات في برلين. لم أفحص أجندتي عندها، ولم أفكر مرتين قبل أن أوافق على الفور: "جاي طبعًا!"، قلتُ له، وأنهيت المحادثة وأنا في قمّة السعادة.

صديقي عبد الرحمن موسى، مخرج سوري من دمشق، لاجئ في برلين، قرر أن يدعونا للإفطار في بيته، وجهّز مع أصدقاء مجموعة من الأطباق المرتبطة بذاكرته في رمضان؛ فتّة الحمص، والتي يسمّوها "التسقيّة"، الفول باللبن، شوربة العدس، أرز مندي بالدجاج وسلطة الفتّوش. وصلنا جميعنا حوالي الساعة التاسعة مساءً، أي قبل موعد الإفطار بنصف ساعة في برلين، وكان أوّل ما قُدم لنا هو عصير التمر الهندي وعرق السوس، وفي الخلفية، لم ينس عبد الرحمن وكذلك صديقنا عبد الله الرحّال، الموسيقي القادم من حلب، أن يُشغل أنشودة "رمضان تجلى وابتسم" للمنشد السوري توفيق المنجد.

بالنسبة لي، أنا الفلسطينية، كانت هذه بمثابة أول زيارة إلى أجواء رمضان في أحياء الشام وحلب، منطلقة من برلين. يرتبط رمضان عندي مباشرة في مدينتي عكّا، ولسنوات طويلة، لم يُشبّع أي مكان خارج عكّا، أجواء رمضان التي تصنعه المدينة وأناسها، الحياة التي يحضرها الشهر الكريم إلى زواريب وأزقة وبيوت البلد، كما إلى شواطئها ومينائها، والروائح الخاصة التي يبعثها بهمثل كثيرين، علاقتي بشهر رمضان تحيلني مباشرة إلى ذكريات الطفولة، سواء عندما كنا في المدارس، أو الأجواء مع العائلات والأصدقاء. وكأن قدوم رمضان يبقى في حيواتنا فيما بعد، بهيئة سعادة الأطفال، حتى لو كبرنا قليلًا.

في حديثه عن الطعام الذي أعده في الإفطار، وخاصة شوربة العدس، قال عبد الرحمن: "لأن رمضان مرتبط بذكرياتي مع الطفولة، عندها كان يأتي في الشتاء، وكانت والدتي تجهز شوربة العدس، وهي شوربة للشتاء لأنها دافئة، رغم ذلك، وإن جاء رمضان في الصيف، أجهزها أيضًا".

في إجابة عن السؤال لماذا قرر أن يبادر لتحضير الإفطار ودعوة أصدقائه، قال عبد الرحمن: "بالأمس تحدثت إلى والدتي، وأخبرتني أن والدي طلب من إخوتي وأخواتي في الشام أن يأتوا لتناول الإفطار وأن يبيتوا جميعهم في البيت، حتى المتزوجين منهم، وهذا بالنسبة لي رمضان، هو طقس اجتماعي أكثر مما هو ديني، وهنالك حاجة أن نجتمع بالأشخاص الذين نحبهم حول مائدة الإفطار، وهذا مرتبط بقيمة الخير والنبل لهذا الشهر، وفي برلين، بغياب العائلة الأولى المقربة، يصبح الأصدقاء والأشخاص الذين أحبهم، هم العائلة".

في حديث مع أصدقاء حول موضوع المقال، وعن طقوس رمضان في برلين خاصة وألمانيا عامة، وكيف تُعاش بعيدًا عن البيوت والعائلات والأوطان، كان هنالك تكرار لفكرة مفادها أن حضور رمضان في المهجر يحمل معه حنينًا مضاعفًا لأجوائه في البلد الأم، واستعادة تفاصيل منه بحضور الأصدقاء والصديقات هو أمر مهم، وهذه التفاصيل بإمكانها أن تجيب عن الحاجة، لكنها لا تعوض عن غياب باقي حلقات السلسلة.

مختارات

وفي حديث مع سماح الشغدري، وهي شاعرة وكاتبة من اليمن، لاجئة في ألمانيا منذ عام ونصف، تقول حول الشعور بالحنين خلال شهر رمضان: "أنا أتعامل مع رمضان اجتماعيا، فالسلوك والثقافة في الطقوس التي اعتدنا عليها في اليمن أو الدول العربية، غير حاضرة في ألمانيا؛ إيقاع الحياة، الأصوات والروائح داخل البيت، أوقات اللعب والسهر والقراءة والمسلسلات، غائبة هنا، حتى بوجود مطاعم عربية، الفكرة ليست في الأكل، إنما في أجواء العائلات، رمضان يحمل معه حميمية أكثر من أي وقت آخر"، أما عن أجواء رمضان التي تعيشها في ألمانيا، فقالت: "جارتي من سوريا، دعتني للإفطار معهم طوال شهر رمضان، وهذا جميل بسبب توفر الجو الأسري، كي لا أشعر بأنني لوحدي، لكن رائحة الأهل والبيت، مفقودة تمامًا. أكثر ما يشعرني به رمضان هنا، بأني مشتاقة لليمن، رغم أني لست متدينة، لكنني حزينة لأني بعيدة عنه في هذا الشهر".

في العام 2012، تسنى لي أن أعيش رمضان في القاهرة، عندها، وكانت هي المرة الأولى التي أعيش فيها إيقاع مدينة كبيرة في هذا الشهر، خاصة مدينة مثل القاهرة التي لا من إيقاع يومي منضبط لها، فجأة، ترتب إيقاع المكان كله على مدار شهر كامل، وكان عليَّ أن ألائم نفسي له، فصرت أنام بعد السحور وأصحى قبل الإفطار بقليل، وأحيانا، أقوم بدوري بتجهيز الإفطار من أطباق شامية وأدعو الأصدقاء والصديقات، وفيما بينهما، تعيش المسلسلات والقصص والأناشيد واللقاءات والأضواء الملوّنة. بالطبع، يفرض المكان الذي يعيش رمضان بكامل تفاصيله شكل هذه الحياة على الفرد، اجتماعيًا بالدرجة الأولى، وبغياب هذا السياق، وخاصة لمن تهمّه أجواء رمضان ويحتاجها، فيقوم بخلقها بما هو متوفر، وعلى الرغم من وجود المطاعم العربية، أو المحلات التي تبيع مقادر الأطعمة اللازمة، في مدينة مثل برلين على سبيل المثال، وأجواء رمضان التي بالإمكان لمسها في "شارع العرب" خاصة، إلا أن الركيزة الأساسية للفرد بخلق فضاء للشعور بأنه في رمضان بالمهجر، تكمن في اللقاءات مع الناس وحول مائدة الإفطار، كي يقترب من "البيت".

واستمرارًا للحديث حول مبادرة الإفطار في اليوم الأول من رمضان الذي جهزه الأصدقاء، يقول عبد الله الرحّال: "يحمل رمضان معه ذكرياتنا وحكاياتنا من الماضي، الإلتقاء بالأصدقاء في برلين والذهاب لشراء المستلزمات ومن ثم تجهيز الأكل وانتظار المغرب سويةَ، هذه التفاصيل جعلتني أشعر بأنني في حلب، أي في البيت، بالنسبة لنا كسوريين، استعادة الطقوس هذه هي إحياء للذكريات، أكثر مما هي ممارسة طقوس رمضان، الناس هم الحلّ الوحيد لأن نشعر برمضان هنا".

لستُ متابعة عظيمة للمسلسلات، وعلاقتي بالتلفاز هي علاقة عودة إلى بيتنا في عكّا، والجلوس أمامه إلى جانب والدتي، لكن هذه المعادلة تتغيّر مع قدوم شهر رمضان، حيث أول ما أفعله هو أن أسأل والدتي عن مسلسلها المفضّل.

هذه المرة، وفي برلين، قررت لوحدي المسلسل الذي سأتابعه واقترحته على والدتي. يوميًا، وقبل أن أنام، أحضر حلقة اليوم منه. هذه طريقتي للعودة إلى عكّا وبيتنا فيه، وإلى سماع أصوات إيقاعات الصحون الخارجة من بيوت الجيران، وإلى التأكيد عما يحمله هذا الشهر من ثقافة احتضان الناس، باختلاف معتقداتهم وأديانهم، خاصة في هذه الأوقات الصعبة.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان