رشا حلوة: رجال كُثر لا يبكون..فما الأسباب؟ | آراء | DW | 23.08.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

رشا حلوة: رجال كُثر لا يبكون..فما الأسباب؟

في مقالها* لـ DW عربية تتناول الكاتبة الصحفية رشا حلوة مسألة تأثير المجتمع على علاقة الرجال بالبكاء، ومردها تربية تتمحور حول جملة مكررة مفادها "الرجال لا يبكون"... وعن ما فعلت هذه القسوة بالرجال والنساء أيضًا.

في لقاء مع صديق مؤخرًا، أخبرني قصّته عندما بكى لأوّل مرة. حدث ذلك عندما كان في بداية الثلاثين من عمره، ومع مروره بأزمة شخصية، لم يكن ليعبّر عن ألمه منها إلّا بالبكاء، كما قال. صديقي هذا، أخبرني أيضًا أنه منذ تلك اللحظة، صار يبكي براحة في كلّ مكان، شاكرًا "نعمة الألم" آنذاك لأنها جعلته يدرك أهمية البكاء، ولاعنًا الموروث المجتمعي الذي منع عنه ذلك لسنوات.

لطالما شغل موضوع البكاء باحثين في علم النفس في العالم، بالأساس السؤال حول فوائده وتأثيراته النفسية على الفرد، ففي بحث أجراه عالم النفس الأمريكي، راندولف كورنيليوس، والذي خصص له أكثر من سبعين مقالة عن البكاء نُشرت على مدار 140 عامًا، وجد أن غالبيتها العُظمى تشير إلى التأثير الإيجابي للبكاء على الصحّة النفسية للشخص.

في تموز/ يوليو الماضي، صدرت دراسة جديدة عن البكاء، والتي أجراها مجموعة من الباحثين/ات في علم النفس من جامعة "كوينزلاند" بإشراف ليه شارمان، حيث أشارت النتائج إلى أن "آراء الشخص عن البكاء تؤثر على مدى استعداده للبكاء وعلى حالته النفسية بعد البكاء"، بمعنى، أن فعل البكاء، الجاهزية له، الراحة أو عدمها في السماح بالبكاء، وعلاقته معه ومع جدواه، والتعامل معه، كل هذا غير منفصل عن عوامل كثيرة خارجة عن الفرد نفسه.

وبالتالي، فإن العوامل "الخارجة عن الفرد نفسه"، إنّ صحّ التعبير، هي الموروث الثقافي وهي المجتمع أيضًا، وهي التمييز الجندري بين المرأة والرجل، والتربية في البيت والمدرسة والمجتمع، وكيف يقدّم كل هذا في الإعلام والسينما والأدب والتلفزيون… هي كلّ تدخل في الطبيعة البشرية، زالبكاء في هذه الحالة كتعبير طبيعي.

 يعيدني هذا إلى قصّة صديقي، وصديقي هنا هو مثال للرجل وعلاقته مع البكاء، أي النموذج الخاصّ لكنه يشبه قصصا كثيرة، ويشبه علاقة الرجال بالبكاء، هذه العلاقة التي غرسها الموروث الاجتماعي المبني على التمييز الجندري بين الولد والبنت منذ الصغر، هذا الذي أغلبيتنا بلا استثناء سمعناه في بيوتنا و/أو عائلاتنا و/أو جيراننا وفي المسلسلات والأفلام وغيرها، والذي يتجسّد في جملة تُقال بنبرة قوية وقاسية في كثير من الأحيان، على لسان الأم أو الأب أو كلاهما، مفادها: "الرجال لا يبكون"، طبعًا قيلت وتُقال بلهجات عربية كثيرة.

الآن، لماذا لا يبكي الرجال؟ ببساطة، لأن البكاء رُبط بالضعف، ولأن الضعف رُبط بالمرأة، وبالتالي، فالرجل الذي يبكي - علنًا على الأقل - يوصمه المجتمع بأنه يُشبه النساء، وأن يشبه رجل نساء، وأن يكون للرجال صفات صُنفت على أنها صفات نسائية فقط، هذا "عيب وحرام ولا يجوز!".

مختارات

البكاء، هو شكل من أشكال التعبير الطبيعية للإنسان واستجابة لمشاعر متنوعة، كالحزن، الألم، الغضب والسعادة أحيانًا. ومع التنشئة والتربية، وإبعاد المجتمعات الأبوية الذكورية للعلاقة الطبيعية ما بين البكاء وبين الرجال، ينتج عنها عدم قدرة فعلية للرجال على البكاء مع الوقت، وكأن الرجل يحتاج إلى مجهود "غير بشري" كي يستطيع البكاء، كأنه يهدم جدارًا عاليًا وضخمًا بُني على مدار سنوات، ينجح أن يسقط أحيانًا عندما تحدث "كوارث" شخصية للفرد، وتعريف الكوارث بالطبع هو نسبي.

لا أذكر جيدًا، لكن لربما المرة الأولى التي رأيت أبي يبكي فيها عندما مات أخوه الأكبر، قبل موت والدي بعشر شهور. أي بعدما ماتت والدته ومات والده بسنوات كثيرة. عندما مات أخوه، كان أبي في مراحل متقدّمة من مرضه… كانت كوارث كثيرة قد حصلت في حياته، سمحت له بالبكاء. هذه اللحظة، مثل لحظات عديدة قبلها وبعدها، أثبتت لي مدى قسوة المجتمعات الذكورية على الرجال أيضًا، هذه القسوة التي "تتجلّى"، باستخدام ساخرٍ للكلمة، مع منع الرجال عن البكاء.

هذه القسوة على الرجال، غير بعيدة كثيرًا عما يقابلها من الذي أنتجه الموروث الاجتماعي الذكوري لعلاقة البكاء بالنساء، أي أن ربط البكاء بالضعف، رُسّخ فينا أيضًا كفتيات ونساء فيما بعد، وصدّقناه، وسمحنا لهذا الربط بأن يستحوذ على حيواتنا وعلاقتنا بأنفسنا وبمشاعرنا. ورأينا في كثير من الأحيان، أن الضعف هو شأن نسائي وغير محبذ ومنفّر للآخرين… وعندما لم نستطع أن نمنع أنفسنا عن البكاء أمام الآخرين، أيًا كان الآخر، كنا نتمنّى أحيانًا "أن تنشق الأرض وتبلعنا"، فبدلًا من أن يريحنا البكاء، حسبما من المفروض أن يفعل، أتعبنا أكثر.

بكيتُ كثيرًا منذ طفولتي، كان البكاء أحيانًا التعبير الأسرع والأفضل عمّا شعرتُ به، بكيت في غرفتي وأمام عائلتي والناس، عندما كنت حزينة أو غاضبة أو خائفة أيضًا. دفعت أثمان كثيرة بسبب ذلك، على الأقل على مستوى اجتماعي، أو هكذا اعتقدت آنذاك؛ فالتصقت صفة "الحسّاسة" إلى جانب اسمي أينما تحركت، وكنت أحسب الصفة شتيمة بسبب كيفية إطلاقها عليّ من قبل الناس. كان عليّ أن أبكي كثيرًا، وأعلّم نفسي كثيرًا، كي أصل وأقتنع أن الحساسية قوة أيضًا، والقدرة على البكاء كذلك، وكان علي أن أتحرر كثيرًا من تأثير رد فعل المحيط/ المجتمع على بكائي، مسارًا ما زالت أمشي فيه.

وبالعودة إلى الدراسة الصادرة حديثًا، فقد كتب الباحثون/ات، بأن "آراء الفرد على البكاء وتأثيره على مدى استعداده للبكاء" هي متغيّرة مع الزمن والجيل، ومع الوقت، يشعر الفرد بأنه "يحتاج إلى تغيير آرائه لأنها لم تُجدي نفعًا". على أمل، أن في زمننا المعاصر، وما يحدث من تغييرات إيجابية عديدة، حتى في وسط "خراب" كبير، أن تغيير الآراء إزاء البكاء، لا يكون في حالات فردية فقط، بل في تغيير يظهر في التربية بداية، مرورًا بالمدرسة وفي حقول الحياتية عمومًا… تربية مفادها تحرير المشاعر الطبيعية من ثقل الأحكام الذكورية والسلطوية، التي تقمع النساء والرجال على حد سواء.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان