رشا حلوة: الموسيقى العربية والتكنو وأهمية حضورها في برلين | آراء | مساحة أوسع لأقلام برؤى جريئة تقدمها DW عربية | DW | 28.02.2020
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

رشا حلوة: الموسيقى العربية والتكنو وأهمية حضورها في برلين

في مقالها* لـ DW عربية تتناول الكاتبة الصحفية رشا حلوة المشهد الموسيقي العربية العاصمة الألمانية برلين والفرق التي أثْرته بفعل موجة اللجوء السورية.

الكاتبة الصحفية رشا حلوة

رشا حلوة: "مع موجة اللجوء السورية في عام 2015 أصبح للثقافات العربية، ومن باب الثقافات السورية، مساحة أوسع في مدينة برلين".

منذ يوم أمس بدأت في برلين ما يُسمى "نهاية أسبوع" مميزة بالنسبة لي. كل ما كنت أفكر فيه خلال الأيام الماضية، هي جمالية أن تحتوي نهاية أسبوع كاملة، تبدأ من الخميس ولغاية السبت، على أمسيات موسيقية مرتبطة بشكل أو بآخر بالمنطقة العربية، أو بالإنتاج الموسيقى العربي، إن صح التعبير أيضاً.
لماذا أستخدم مصطلح "موسيقى عربية" بحساسية؟ لأن المنطقة العربية (وهو الاسم الأقرب بالنسبة لي لمنطقتنا)، تضم أقليات ثقافية وإثنية عديدة، لها موروثها الثقافي غير العربي - بالمفهوم المباشر-، ولبعضها أيضاً لغاتها، كالكردية والأمازيغية وغيرها، التي بجزء منها، قُمعت بقرارات سياسية.

الآن، بالعودة إلى برلين، والحديث عن الموسيقى تحديداً، وذلك لأن الموسيقى ربما هي الأكثر أهمية فيما يتعلّق بهويّة العاصمة الألمانية، والحضور الموسيقي فيها كما وحضور الموسيقيين/ات، سواء المقيمين/ات أو الزائرين/ات لها.

مختارات

بشكل ما، تشكّل الموسيقى في برلين أحد أسباب الحركة إليها، بالأخص بما يتعلق بارتباطها العميق بإنتاج الموسيقى الإلكترونية، من نوادي ليلية، بارات وديجيهات يعيشون فيها أو يقدّمون عروضاً في أطرها الموسيقية المتنوعة.

إن تاريخ الموسيقى الإلكترونية يعود إلى ديترويت، مدينة في ولاية ميشغان الأمريكية، في منتصف ثمانينات القرن الماضي. ووصلت الموسيقى الإلكترونية إلى غرب برلين مع نهاية العقد نفسه، وبعد سقوط جدار برلين، عام 1989، استحوذت مجموعات شبابية على أماكن مهجورة عديدة، خاصة في شرق برلين، وأصبحت فضاءات لتنظيم حفلات "غير قانونية"، لموسيقى بلا كلمات، وإيقاعات عميقة. ومع الوقت، أصبحت برلين هي عاصمة الموسيقى الإلكترونية في العالم، حيث يرتبط هذا بشكل أو بآخر مع تاريخها السياسي.

مع موجة اللجوء السورية في عام 2015 أصبح للثقافات العربية، ومن باب الثقافات السورية، مساحة أوسع في مدينة برلين. كما  ولجأ إليها العديد من المثقفين/ات، الفنانين/ات والموسيقيين/ات السوريين/ات، العرب والأكراد، الذين واصلوا تقديم إنتاجهم/ن الإبداعية إلى جمهور جديد، متنوّع، ينتمي إلى ثقافات عديدة في العالم. بالمقابل، اختار عدد لا بأس به من الفنانين/ات والموسيقيين/ات وكذلك منظمي الحفلات، الانتقال من بلادهم العربية إلى برلين، لبحث عن فرص أخرى، ومنها فنية. 

اليوم، تعيش في برلين مجموعة لا بأس بها من الموسيقيين/ات والفرق الموسيقية العربية، تتنوّع من حيث الجانرات الموسيقية التي تقدمها، ما بين التراثي التقليدي، الروك، الهيب هوب، البوب والتكنو (الإلكتروني). وبالتأكيد، فإن الفصل بين الجانرات ليس بهذا الوضوح أو "الحدة"، بل أن هنالك محاولات عديدة لدمج أنماط موسيقية خارجة عن التأطير أو العناوين.

إلى جانب هذا، تنشطت مؤسسات ومجموعات ألمانية وعربية عديدة لتقديم الإنتاجات الموسيقية العربية إلى جمهور المدينة، حيث الاهتمام الألماني المتزايد اليوم بإنتاجات المنطقة، سواء لموسيقيين/ات مقيمين فيها أو في أوروبا أو في المنطقة العربية.

من هنا، سأعود إلى نهاية الأسبوع البرلينية التي بدأت يوم أمس الخميس ومستمرة ليوم غد السبت. وهي ليست حالة خاصة عن باقي نهايات الأسبوع، وازدياد عدد الحفلات التي تتمحوّر حول الإنتاج الموسيقي العربية، إلا أن كثافة العروض تجعل منها خاصة.

فعلى سبيل المثال لا حصر، أُقيم يوم الخميس عرضاً موسيقياً للموسيقي والرابر السوري، بو كلثوم، إلى جانبه شاركت أيضاً الموسيقية الفلسطينية، ماكي ماكوك، وافتتح الحفل الدي جي الياباني، تشينسكي، والذي يلعب موسيقى هيب هوب عربية. وهذا المساء، تُقام حفلة لفرقة "كايروكي" المصرية، كما وأن اليوم أيضاً تقام حفلة، وهي شهرية، تسلط ضوء على الأغاني العربية، إلى جانب التكنو، وغداً تُقام حفلة تضم مجموعة من الديجهات العرب، المقيمين/ات في المدينة أو الزائرين/ات لها، بأغلبيتهم يلعبون التكنو.

هذه عينة لما تشهده مدينة برلين خلال الفترة الأخيرة، والتي تزداد نسبتها مع الوقت، خاصة مع تنوّع الإنتاجات العربية المعاصرة، ومحاورتها ودمجها لأنماط موسيقية عديدة. كما أن بجزء مهم من هذه الإنتاجات، ترتبط بشكل ما بهويّة برلين الموسيقية الطاغية، أي التكنو.

بما يتعلق بالتكنو خاصة، فنجد اليوم في برلين منتجين/ات موسيقيين/ات وديجيهات من المنطقة العربية، يقدّمون ما يُسمى بموسيقى تكنو "صافية"، أي تعتمد بالأساس في تأليفها على إلكترونيات، وبالمقابل، نجد موسيقيين/ات يحضر في إنتاجاتهم موسيقى التكنو، لكنها تُدمج مثلاً مع أغاني تراثية، أو آلات موسيقية حية، أو أصوات غنائية أو كلمات بالعربية، وما إلى ذلك من عناصر تشكّل فضاءاً إنتاجاً موسيقياً، يجمع بين عوامل عديدة للمُنتِج/ة، سواء من ماضيه، تراثيه، لغته، موسيقاه، آلاته الموسيقية، صوته، مع هويّة برلين الموسيقية أو عموماً مع "التكنو" كتريند عالمي.

وفي هذا السياق، بإمكاني أن أذكر عمر سليمان، وكذلك فرقة "شكون" السورية - الألمانية، التي ترتكز على دمج أغاني من تراثية أو معروفة عربياً مع موسيقى التكنو، وكذلك الموسيقي السوري وائل القاق، المقيم في باريس، والذي ينتج ما يسميه "إلكتروشعبي"، أي أغاني شعبية وموسيقى إلكترونية، وغيرهم من الإنتاجات الموسيقية المهمة.

اختياري للكتابة عن هذا الموضوع، نابع من اهتمام شخصي بالدرجة الأولى، كما من متابعتي المتواضعة للمشهد، وكذلك انخراطي فيه على مستوى تنظيم عروض موسيقية. وبالتالي، أرى أن ما تشهده مدينة برلين بعلاقتها مع الإنتاج الموسيقي العربي، إن صح التعبير، هو بالغ الأهمية لأسباب عديدة، سأذكر اثنين منها.

الأول، هو إيماني أن الموسيقى تحمل قصص صنّاعها، وفي حديثي عن القصص لا أقصد الرواية المباشرة بالكلمات، إنما ما تضمه الموسيقى من أبعاد على مستوى حكاية الإنسان، موروثه الثقافي، خلفياته، أفكاره، انتماءاته، هويّاته، وما إلى ذلك. وبالتالي، الإنتاجات الموسيقية الحاضرة في برلين، هي شبابيك تُفتح على معرفة الثقافات العربية، والسرديات الفردية والجماعية، بعيداً عن العناوين الإخبارية والتغطيات المباشرة أو الأفكار المسبقة، خاصة ما يحمل الصوت الأصيل للقائل/ة من قوة، تعيد للفرد وثقافته اعتبارهما، وبنفس الوقت، يحكي برلين "بلغتها"، مما يساهم هذا في خلق مساحات حوار إيجابية.

السبب الثاني، هو قدرة الموسيقى على خلق بيوت موازية، لمتلقيها، بعيداً عن بيته الأوّل. خاصة، لو كانت العودة إلى "البيت" الأوّل، ممنوعة بأمر سياسي قامع.

 بالأمس، وخلال حفل "بو كلثوم"، شعرت وهو يغني، ويغني معه معظم الحضور من الشباب السوري المقيم في برلين، بأنه على مدار ساعة من الزمن، خلقت أغانيه، التي ترتكز على الكلام، الغناء والموسيقى الإلكترونية، بيوتاً لكل الحاضرين/ات، تشعرهم/ن، ولوّ مؤقتاً، بأنهم/ن ليسوا ولسن في "الغربة".

رشا حلوة

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.