رشا حلوة: المساحات الآمنة للنساء، تتحقَّق بالتربية ضد التحرش | آراء | DW | 03.01.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

رشا حلوة: المساحات الآمنة للنساء، تتحقَّق بالتربية ضد التحرش

هل تشكل إقامة "فضاءات آمنة" للنساء وسيلة ناجعة لمكافحة التحرش ضدهن في الأماكن العامة؟ سؤال تجيب عنه الكاتبة الصحفية رشا حلوة في مقالها لـ DW عربية انطلاقا من حالات مقارنة بين ألمانيا وبلدان عربية.

خلال احتفالات رأس السنة الجديدة في مدينة برلين، وبعد مرور عاميْن على حوادث التحرّش الجنسيّ في مدينة كولن الألمانيّة، قام كلّ من الشرطة الألمانيّة والصليب الأحمر بإنشاء "مساحات آمنة للنساء" لحمايتهن من التحرّش أو أي مضايقات يشعرن بها، بأن يدخلن إليها ويواصلن الاحتفالات، كما لتقديم تقارير ضد المتحرشين بهن، حيث تعتبر هذه الخطوة الأولى من نوعها في برلين، مما اختلفت الآراء حولها، بين مؤيد ومعارض، بما في ذلك تحفظ بعض النساء إزاء هذه الخطوة.

على الرّغم من ازدياد نسبة التحرّش الجنسيّ والعنف ضد النساء في العالم عمومًا، إلّا أن هنالك من يرى بأن إنشاء "مساحات آمنة للنساء" في الفضاءات العامّة من أجل حمايتهن، لا يحل المشكلة ولا يقتلعها من جذورها، ففي العالم العربي، هنالك نماذج عديدة للفصل بين الجنسيْن، مع العلم أنها ليست جميعها مبنيّة على مبدأ حماية النساء. في مصر، على سبيل المثال، تخصص عربات للنساء في المترو، كما أن العديد من البلاد العربيّة، وبازدياد مستمر، تفصل ما بين الجنسيْن في المدارس؛ مدارس للبنات وأخرى للأولاد، لكن هل هذه الحقائق، وهذا الفصل بين الجنسيْن في الفضاءات المتنوعة، ومنها العامّة، وأحيانًا منذ سنوات الطفولة المبكرة، يحقق العدالة والمساواة بين الجنسيْن؟ ويحمي المرأة من التحرّش والاغتصاب وكل أنواع العنف ضدها؟

في حديث مع (م.) من مصر، قالت: "لا أفضل الفصل بين الجنسيْن، ولو لتجنب التحرّش في المساحات العامّة، أرى أن الفصل يعزز التمييز بين الجنسيْن، ويصنع حالة عداء أكبر بينهما، حيث يخلق عازلًا ويعطي مؤشرات على أنه لا يمكن السيطرة على الجموع في حالة تواجدهم مع الجنس الآخر، والتزامهم بأدنى درجات الحفاظ على الخصوصيّة وعدم الانتهاك"، وتضيف: "الحلّ هو بتفعيل القوانين وتشديدها، زيادة الوعي، إذابة كل الفواصل بين الجنسيْن، لأن الفصل يولد اضطرابًا أكبر، نفورًا، تمييزًا وحواجز أوسع، ولا يحمي النساء أبدًا من الاعتداءات".

عدد كبير من النساء اللواتي حاورتهن، أشرن إلا أن إنشاء "مساحات آمنة للنساء" في الفضاءات العامّة، كحلول مؤقتة، يزيد المشكلة سوءاً، عن هذا تقول صديقة: "هذا سيرسّخ في الأذهان، ولو بصورة غير مباشرة، أن الاختلاط هو السبب في وقوع التحرّش أو الاعتداء الجنسيّ، وبالتالي، سيكون هذا العلاج سطحيًا للمرض، بالإضافة إلى أنه يحمل مقولة بأن النساء لن يشعرن بالأمان إلا في هذه المساحات، وبالتالي سوف يشجع على انتهاكهن خارجها".

امتدادًا لهذه النقطة، وحول الفصل بين الجنسيْن الذي يبدأ في مدارس بعض البلاد العربيّة منذ الصغر، يقول (هـ.) من سوريا: "عشتُ منذ الصّغر في منطقة فيها التدريس مختلطًا، وكان الجوّ العامّ مريحًا، جميلًا ومبنيًا على صداقات حقيقيّة، حيث انكسرت الحواجز البديهيّة التي تعيش في مجتمعنا بين الشباب والشابات، وعندما انتقلت لمنطقة ثانيّة، فيها التدريس منفصل بين الجنسيْن، شاهدت بوضوح الواقع السلبيّ الذي يعيشه الطرفيْن بسبب الفصل، وبرأيي، يعزز الفصل الفروقات ولا يحل الأزمة".

بيد أن أكثر ما يشغل النساء في العالم، هو إيقاف ظواهر العنف ضدهن؛ من تحرّش واعتداءات واغتصاب؛ في البيوت، العمل والفضاءات العامّة. لا من امرأة تشعر بالأمان المطلق إزاء جسدها ونفسها من التحرّش والاعتداءات، هنالك تفاوت بالطبع متعلّق بشعور الأمان المرتبط بواقع النساء المختلف في المجتمعات من جهة، ومن جهة أخرى، انحياز قوانين بعض الدول إلى جانبهن وحمايتهن من كل ما ومن يمكن أن ينتهك حرياتهن وأجسادهن وأرواحهن. من المهم الإشارة إلى أن وجود شرطة وقانون ومؤسسات للتوّجه الفوريّ إليها عقب حصول اعتداء على امرأة، وتقديم شكوى أو تقرير لمعاقبة المتحرّشين ضمن قانون يحمي النساء، هو أمر مختلف تمامًا عن خلق "مساحات آمنة للنساء" في الفضاءات العامّة، مؤقتة أو دائمة، تفصل بين الجنسيْن، كونها بمثابة حل سطحيّ لأزمة عميقة تزداد سواءً. 

في حديث مع (آ.) من فلسطين، قالت: "أنا ضد الفصل بين النساء والرّجال، ليس هكذا تحلّ الأزمات، بالعكس، من المفترض أن يعتاد الرجال على أن يكونوا في مساحات فيها النساء، وببساطة أن لا يقتربوا منهن أو يعتدوا عليهن. أنا واعية بأن هنالك حالات خاصّة للفصل ممكن أن تحمي النساء، لذلك ممكن أن تكون حلًا لحالات محددة، لكنها ليست الحل الأمثل ولا الحقيقيّ للمشكلة"، وتتابع: "أعتقد أن الحل يجب أن يكون عبر عدة مستويات، أوّلها الدول، بأن تهتم من خلال مؤسساتها بتمرير تربية جنسيّة وأدوات توعية للشباب من جيل صغير، كي لا يكون لديهم هاجس جنسيّ تجاه النساء، بإمكان الدولة أيضًا تعريف التحرّش كحالات أمنيّة أو حالات إرهاب، وبالتالي، واجب عليها الاهتمام بهذه القضايا، حيث محاربتها ستكون شرسة جدًا، ولها خطط وميزانيات شاملة وثمنها باهظ، باختصار، هنالك ضرورة لتشكيل نهج تربويّ ضد التحرّش ومعالجته جديًا وبشكل صارم، لأن الفصل هو اعتراف الدولة بأنه لا يمكن فعل أي شيء ضد المتحرشين، فالحل الأسهل للدولة هو فصلهم عن النساء".

نعم، يجب أن تتوفّر مساحات يمكن للنساء فيها التوجّه للحماية من التحرّش، و/أو للشكوى، بإمكان أن تكون هذه المساحات محددة ماديا في الفضاءات العامّة، وبالطبع يجب أن تكون متوفّرة كمساحة ضمن قوانين تحمي النساء من مخاطر العنف، وبالتأكيد هذه المساحات لا ترتكز على مبدأ الفصل بين الجنسيْن، كما أن الحل لا يجب أن يقتصر على ذلك. بموازاة هذه "المساحات"، التي توفّر أمانًا للمرأة بالتوجه للشكوى ضد متحرّش، على سبيل المثال، يجب أن تعمل قوانين الدول على نهج بنيويّ توعويّ حول التربية الجنسيّة وآليات لخلع ظاهرة العنف ضد النساء منذ الصغر، لأنها تعيش بعقليات المتحرشين المتواجدين في البيوت وأماكن العمل والفضاءات العامّة، وفقط هكذا، بإمكاننا الحديث عن خلق "مساحات آمنة للنساء"، لا علاقة لها بمبدأ الفصل بين الجنسيْن، إنما بمسؤوليّة سياسيّة واجتماعيّة وتربويّة لأن تكون كل الفضاءات العامّة، بمثابة مساحات آمنة للنساء، يتحركن بها كما وكيفما يشأن بلا خوف.

 

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة رأي مؤسسةDW.

 

إعلان