رشا حلوة: الحرية لهاجر الريسوني… من ذكورية القانون والمجتمع | آراء | DW | 13.09.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

رشا حلوة: الحرية لهاجر الريسوني… من ذكورية القانون والمجتمع

في مقالها* لـ DW عربية تتناول الكاتبة الصحفية رشا حلوة قضية اعتقال الصحافية المغربية، هاجر الريسوني، وانتهاكات حقوق الإنسان الممارسة بحقّها. وتتساءل من يحمي النساء في ظل غياب قانون يحميهن؟

تشهد الساحة المغربية هذه الأيام ضجة كبيرة حول اعتقال الصحافية المغربية، هاجر الريسوني، بتهمة "إقامة علاقة جنسية غير شرعية، نتج عنها حمل وإجهاض غير مشروع"، وفي الجلسة الأولى لمحاكمتها هي وخطيبها والتي جرت في التاسع من أيلول/ سبتمبر الجاري، حددت المحكمة الابتدائية في الرباط موعداً للجلسة المقبلة في 16 من الشهر الجاري بناءً على طلب الدفاع الذي قدم طلباً من أجل "الإفراج المؤقت".

جرت المحاكمة بتزامن مع وقفة احتجاجية حاشدة تُطالب بحرية الريسوني، حضرها حقوقيون وسياسيون، كما جرى ذلك وسط انتقادات دولية حقوقية، كان من ضمنها بيان مؤسسة "هيومان رايتس ووتش" أصدرته في التاسع من أيلول/ سبتمبر، جاء فيه أن الاتهامات الموجهة من قبل السلطات المغربية للريسوني بشأن الإجهاض وممارسة الجنس خارج الزواج "تنتهك بشكل صارخ حقوقها في الخصوصية والحرية والعديد من الحقوق الأخرى".

وأضاف البيان في نقطة جوهرية أن "هاجر الريسوني مُتّهَمة بسبب سلوكيات خاصة مزعومة. ولا ينبغي تجريمها أصلاً. ومن خلال نشر مزاعم مفصلة عن حياتها الجنسية والإنجابية، انتهكت السلطات حقها في الخصوصية ويبدو أنها سعت إلى التشهير بها". وقد أشارت المؤسسة إلى ضرورة "إطلاق سراح الريسوني وجميع المتهمين الآخرين فوراً، وإسقاط التهم الموجهة إليهم".

مختارات

مع متابعة القضية، خاصّة عبر فضاءات السوشيال ميديا، بالإمكان الملاحظة سريعاً أن قضية هاجر الريسوني، إلى جانب كونها انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، فهي تقع تحت استغلال سياسي من جهة، لارتباطها العائلي بأحمد الريسوني، عمها والرئيس الحالي للاتحاد العالمي للمسلمين، حيث قالت هاجر في رسالة من معتقلها، نشرتها عائلتها وبثّها موقع صحيفة "أخبار اليوم"، بأنه تم استجوابها خلال توقيفها عنه، وعن شخص آخر وهو صحفي "معروف بانتقاداته اللاذعة للسلطة".

من جهة أخرى، على ما يبدو أن الاعتقال هو محاولة لتدفيعها ثمن مواقفها الصحفية المهنية، خاصّة قلمها الناقد ووقوفها إلى جانب حراك الريف، وكأن هذه اللحظة هي محاولة لكسرها، ولردعها عن مواصلة عملها الصحفي المهني، وذلك بناء على متابعة منشورات عديدة عبر فيسبوك وتويتر.

وهنا لدينا محوران نتحدث عنهما، الأوّل، هي مواصلة استخدام الأدوات الذكورية السلطوية لمحاولة "كسر" امرأة قوية ومستقلة، تحكي رأيها بحرية وجرأة وبلا خوف، من خلال فرض سلطة وتحكّم في جسدها وحريته، وفي خصوصيتها الجسدية، ورحمها وعضوها التناسلي وما إلى ذلك… كأن هذه المنظومات، بأساسها الذكوري التي تشكّلت منه لا يمكنها أن تحافظ على "قوتها" إلّا من خلال انتهاك النساء والتعامل مع مهابلهن كأنها "ملكية عامّة!".

لا يختلف هذا الأداء عما قامت به السلطات المصرية تجاه المتظاهرات المصريات في ميدان التحرير والفضاءات العامّة، من خلال عملاء بزيّ مدني، يتحرشون بالنساء وينتهكون أجسادهن على الملأ، ومن ثم، وبمساعدة الإعلام، يتم لوم الضحية على غرار "إيه اللي وداها هناك!؟"... وهنا، تعمل السلطات جاهدة على إخفاء المعركة الأساسية نحو الحرية والكرامة الإنسانية، لتحوّل أنظار الناس إلى أجساد النساء وإلى أن مواصلة قمع أجسادهن بأنها "الطريق الأفضل لحمايتهن"، لكن كل ما يحدث هو مواصلة لحماية المنظومات الذكورية لأنفسها ولأدواتها القمعية.

هذا الجانب من القضية مهمّ، ويجب أن نتذكره ونتحدث عنه دوماً، لكن أيضاً من المهم أن لا ننسى المحور الآخر لقضية هاجر الريسوني، والمتعلّق بالحريات الفردية بشكل أساسي، وبالأخص حريات النساء، والتهم الموجهة إليها: "إقامة علاقة جنسية غير شرعية، وإجهاض غير مشروع"، بالإضافة إلى أن الشرطة المغربية كانت قد أخضعت الريسوني لفحوصات طبية نسائية دون موافقتها، مما أشارت "هيومان رايتس ووتش" في بيانها إلى أن هذه الإجراءات هي بمثابة معاملة قاسية ومهينة بحسب المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

إن اعتقال هاجر وخضوعها للمحاكمة، فرض عليها إجراء فحوصات طبية، التشهير المتواصل بحقها، حول ممارسة الجنس خارج الزواج والإجهاض، كلها تدخلات بشعة في حياة المرء الشخصية، وفي هذه الحالة في حياة المرأة الشخصية، وهذا "التدخل" ليس بمعلومة مفاجئة في ظلّ أعداد كبيرة من النساء اللائي ما يزلن يتعرضن في المنطقة العربية للقمع والتعنيف والقتل على جرائم ما يسمى "بشرف العائلة"، وهي في صلبها تدخلات عنيفة ضد حريات النساء وحيواتهن. لكنها معلومة يجب مواصلة الحديث عنها، ومن خلالها إعادة طرح السؤال الأساسي: قانون لا يحمي حريات النساء وحقّها بأن تقرر بشأن أجسادهن، بل ويُعاقبها على ذلك، بالاعتقال والتعنيف، كيف يمكن أن يضمن حياة كريمة للناس؟

العنف ضد النساء حاضر في كل مكان، بنسب متفاوتة، وفي الفضاءات الخاصّة، أي البيوت، ليس أقل من الشوارع. العنف ضد النساء يُمارس من قبل أشد الناس قرابة لهن، لكن، في سياق قوانين لا تردع المجرمين من أن تعنّف النساء، بل وتقوم بعض الدول بممارسة نفس الدور، إذن، من يحمي النساء من الوحوش التي تتربص عند باب بيتها؟ سواء أرادت أن تتعلم في جامعة بعيدة عن بلدها أو أرادت أن تُمارس الجنس مع حبيبها لأن هذا شعور بشري طبيعي!؟  يخيفني، في ظل هذا الغضب، أن أجيب بأنه لا من أحد يحمي نساءنا إلّا أنفسهن.

إن قضية هاجر الريسوني، هي قضيتها وحدها بالطبع، تؤثر عليها وعلى نفسها بالدرجة الأولى، على من يحيطها من أناس يحبّونها، لكن لا يمكن تجاهل إمكانية تأثير قضيتها على شريحة كبيرة من النساء المغربيات، التأثير الذي بإمكانه أن يردع البعض، يخيف الأخريات، وبالتأكيد يزيد قوة أخريات أيضاً. لكننا، مثل كثيرين وكثيرات، كلنا أمل بداية أن يتم الإفراج عن هاجر، ومن ثم أن تكون قضيتها وقوتها التي ما زالت تصل للمتضامنين/ات معها، بمثابة فاتحة أمل لتغيير جذري في واقع النساء المغربيات وباستعادتهن لملكيتهن الخاصة على أجسادهن وأعضائهن التناسلية وأرحامهن وقراراتهن بشأنها، وأن يشعرن بالأمان.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان