رشا حلوة: التربيّة الجنسيّة للأطفال.. من أجل حماية الإنسان | آراء | DW | 16.08.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

رشا حلوة: التربيّة الجنسيّة للأطفال.. من أجل حماية الإنسان

في مقالها* لـ DW عربية تعالج الكاتبة الصحفية رشا حلوة موضوع الثقافة الجنسية للأطفال في المدارس الألمانية وتفاعل العائلات من خلفيات مهاجرة معها، وكيف أنها ساهمت في انخفاض نسبة الأمراض الجنسيّة في ألمانيا.

نشرت إحدى صفحات الفيسبوك باللغة العربيّة مقالًا حول التربيّة الجنسيّة للأطفال في المدارس الألمانيّة، معتمدة على مقال حول كتاب يحمل الاسم "من أين جئت؟"، وهو كتاب يحتوي على رسوم متحركة تتطرق إلى الحياة والعمليّة الجنسيّة، بما في ذلك الحماية الجنسيّة وتفاصيل أخرى تتعلق بالجنس عمومًا.

في 2003 كان قد وافق المركز الفيدرالي للتثقيف الصّحيّ (BZgA) بالتعاون مع منظمة الصّحة العالميّة للصحة الجنسيّة والإنجابيّة على تطبيق التثقيف الجنسيّ في المدارس الألمانيّة، حيث يكون تطبيق التربيّة الجنسيّة في المدارس بالتعاون مع أخصائيّين بالمجال وكذلك بعض المعاهد الاستشاريّة. من أهم الأسباب التي دعت إلى هذا التطبيق هو: اعتبار الحياة الجنسيّة جزءًا طبيعيًا من تطور الإنسان وخلال كل مراحله العمريّة.

مختارات

بالطبع، أثار الخبر المنشور مؤخرًا في إحدى صفحات الفيسبوك حفيظة العديد من بعض المتابعين العرب، من أهمها تلك التي تلخص آرائهم ضد الموضوع بأوصاف مثل "عيب" (الكلمة السّحريّة)، وبأن الثقافة الجنسيّة هي "ضد براءة الأطفال".

نعرف جميعنا كيف تتعامل مجتمعاتنا مع الجنس بشكل عام، وجعله أكثر التابوهات، لكن ربما لا نعرف كلنا ما ينتج عن عدم تداول التربيّة الجنسيّة بشكل طبيعيّ في العائلات والمجتمعات، سواء من كبت جنسيّ وجهل تام بما يمرّ به الجسد، سواء أنثى أم ذكر، كما ظواهر عديدة منها التحرش الجنسيّ، بما في ذلك أمراض جنسيّة عديدة، تضطر عادة الفتيات لأن يتعاملن معها وحدهن، خوفًا من البحث عن استشارة ونصيحة وإطلاق الأحكام الاجتماعيّة والذّكوريّة في حقهن.

في حديث مع صديقة عربيّة، مقيمة في برلين منذ سنوات عديدة، وهي أمّ لشاب بدأت مدرسته بإعطائهم دروس التربيّة الجنسيّة عندما كان في السّابعة من عمره، قالت عن تجربتها مع الموضوع: "يتعلّم الأطفال هُنا مصطلحات الأعضاء التناسليّة باسمها العلميّ، وهي ليست أعضاء ممنوع الحديث عنها، فهي تمامًا كما اليد والفمّ وجزء من أجسادنا، وكما يتطرقون إلى التربيّة الجنسيّة من منطلق أهميتها لحياة الإنسان كي تكون متوازنة. أنا كأم وُضعت في موقف الإجابة على أسئلة ابني الصّريحة، ولا يمكنك أن تضعي تابو على الموضوع لأنه كطفل يتعلّمها المدرسة، ولا يرى فيها تابو، فالتعامل المختلف معها ومع أسئلة الطفل، سيربكه تمامًا. بالإضافة إلى ذلك، نسبة الاغتصاب كما التحرش في ألمانيا هي قليلة جدًا مقارنة بأماكن أخرى، والتربيّة الجنسيّة للأطفال في المدارس، تلعب دورًا كبيرًا في ذلك".

خلال حديثي مع صديقتي عن الموضوع، أخبرتني بأن في أحد دروس التربيّة الجنسيّة، قامت المعلّمة بإحضار واقي ذكريّ لتشرح عن أهميته ودوره. وأنا أسمعها، انبهرت من الفكرة، بالرغم من معرفتي بالتربيّة الجنسيّة للأطفال في المدارس الألمانيّة، ولم يخطر ببالي إلّا قصّة حدثتنا عنها إحدى معلماتنا في المرحلة الإعداديّة، ضمن درس واحد ووحيد عن الدّورة الشّهريّة، وهي قصّة عن طالبة جاءتها الدّورة وأغمى عليها لأنها لم تعرف لماذا يخرج دمًا من مهبلها. اليوم، وبعد سنوات عديدة على هذه القصّة، أشعر بالحزن كثيرًا على تلك الفتاة التي لا أعرفها، وعلى أنفسنا.

في حديث مع صديقة عربيّة أخرى، انتقلت إلى برلين قبل سنوات قليلة وهي أيضًا أمّ، حول رأيها بأهمية التربيّة الجنسيّة للأطفال في المدارس وردها على من يعترض ذلك، قالت: "نعيش أزمة التحرش الجنسي، فالمتحرشين جنسيًا بالشّارع هم مكبوتين جنسيًا، لأنهم ترعرعوا في بيئة يكون فيها الجنس عيبًا وغير قابل للحديث عنه. أن تمنع ابنك من تربيّة جنسيّة صحيحة، ومن معرفة ما يمرّ به جسده وبحياته الجنسيّة، يعود بالضرر عليه وعلى المجتمع أيضًا".

تحتوي دروس التربيّة الجنسيّة في المدارس الألمانيّة على مواد معرفيّة عديدة، منها المثليّة الجنسيّة أيضًا، تُرافقها ويرافق الطّلبّة مختصين ومستشارين بالمجال، أي باختصار، الموضوع ليس بالمسخرة. الأهم، بأن الإحصائيات تشير إلى أنّ هنالك انخفاض حاد بنسبة الأمراض الجنسيّة في ألمانيا منذ أن بدأ تطبيق هذا المنهاج، كما أن استخدام الواقيات ارتفع كثيرًا، وانخفض عدد الفتيات اللواتي يستخدمن مانعات الحمل إلى نصف العدد مقارنة بما قبل 35 عامًا، لذا - وإن لم تكن هذه المعلومات مهمّة للبعض - فهي مهمّة جدًا في عالم يشكّل الجنس فيه أحد ركائز الحياة الطبيعيّة كالأكل والشرب، لكن التعامل معه كأنه وباء قادم من كوكب آخر لا نعرفه، هو الأزمة.

أنا متأكدة من أن هنالك عائلات عربيّة عديدة، تعيش في بلادنا أو خارجها، تعمل جاهدة على توفير التربيّة الجنسيّة الصّحيحة لأبنائها وبناتها، من منطلق إيمانها بأهمية ذلك، حيث تخلق هذه التربية مساحة آمنة في البيوت للحديث في قضايا صُنفت على أنها "حساسة" و"ممنوعة".

ليس فقط من أجل معرفة الجسد ومراحل تطوره ورغباته، بل من أجل أن يعرف الفتى والفتاة، كيف يحمي كل منه جسده من التحرش والاغتصاب أيضًا، وأن لا يخاف من الحديث مع أهله بالأمر، إن تعرض إلى ذلك. المهبل والقضيب، هما عضوان من الجسد، لها وظيفتهما الطبيعيّة كما القلب والمعدة، والحديث عنهما وعن دورهما وكيفية حمايتها أيضًا، هو ضروري من أجل بناء مجتمعات منفتحة ومتطوّرة، تحمي أبنائها وبناتها، وترى بالجسد قيمة إنسانيّة، وأن أكثر ما تمنحه التربيّة الجنسيّة هي مسؤوليّة تعامل الفرد مع جسده ومع جسد الآخر، وبأن المعرفة هي التي تحمي الإنسان، لا الجهل.

رشا حلوة

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.

إعلان