1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

أكراد إيران والعراق بين ضغوط طهران ورهانات التصعيد العسكري

خالد سلامة رويترز
٩ أبريل ٢٠٢٦

تشرح تقارير سبب انهيار آمال الولايات المتحدة وإسرائيل في أن يهرع الأكراد لمساعدتهما تحت ضغطين: وهما الإشارات المتضاربة من أمريكا وإسرائيل، وحملة ضربات متواصلة وتهديدات من الحرس الثوري الإيراني.

https://p.dw.com/p/5BvDe
معارض كردي إيراني مسلح في جبال كردستان العراق في آذار/مارس 2026
حتى إعلان وقف إطلاق النار، نجحت إيران في منع القوات الكردية في العراق من الانضمام إلى الحربصورة من: Sedat Suna/Getty Images

في الأيام الأولى للحرب، أغرقت أجهزة الاستخبارات الإيرانية أكراد إيران برسائل نصية تحذرهم من التعاون مع المرتزقة الذين ترسلهم الولايات المتحدة وإسرائيل. وهددت موجة ثانية من الرسائل الأكراد الإيرانيين الذين دخلوا إلى مواقع إلكترونية أجنبية.

وفي العراق المجاور، بدأ الحرس الثوري حملة ضغط بمكالمة هاتفي إلى حكومة إقليم كردستان الذي يقوده الأكراد ويتمتع بالحكم الذاتي ولديه جيشه الخاص ويستضيف فصائل كردية إيرانية مسلحة. وذكر مسؤولان كرديان أن المتصلين من الحرس الثوري هددوا بمهاجمة القوات الكردية العراقية بالقرب من الحدود إذا لم تنسحب في غضون ساعة واحدة.

وانسحب الأكراد العراقيون من الحدود وأعلنوا صراحة أنهم لا يريدون الانجرار إلى الحرب، لكنهم تعرضوا رغم ذلك لهجمات إيرانية مميتة بطائرات مسيرة. وفي الوقت نفسه، قال مسلحون إن طائرات وصواريخ الحرس الثوري استهدفت المقاتلين الأكراد الإيرانيين في العراق، مما أسفر عن مقتل خمسة منهم وتدمير قواعد كان يُعتقد أنها آمنة.

أجندات كردية متباينة

وكان لكل مجموعة أجندتها الخاصة وتجربتها الخاصة في الحرب: فقد أراد المقاتلون الأكراد الإيرانيون بالمنفى إطاحة الحكومة في طهران، وأراد الأكراد العراقيون الحفاظ على الاستقرار وحكمهم الذاتي، وكان كثيرون داخل إيران يأملون ببساطة في تجنب السجن.

وحتى إعلان وقف إطلاق النار، نجحت إيران في منع القوات الكردية في العراق من الانضمام إلى الحرب. وشملت أساليبها استخدام المخبرين والاستهداف الدقيق للمكاتب والمجمعات الكردية الإيرانية في العراق، وكان آخرها ‌يوم الاثنين. وقال قادة من أكراد العراق إن معظم الهجمات التي تعرضوا لها جاءت من فصائل ⁠من داخل ⁠العراق مدعومة من إيران. وعلى الجانب الإيراني من الحدود، قال سكان لرويترز إن الحرس الثوري أرسل تعزيزات بحافلات لمنع اندلاع انتفاضة.

بين المطرقة والسندان

كما يأمل كثيرون من الأكراد في إيران في الحصول على الحكم الذاتي، وهم هدف متكرر لقمع الحكومة. وخلال الحرب، كان يُنظر إليهم على أنهم أقرب حلفاء عسكريين محتملين لإسرائيل وأمريكا داخل إيران.

ومنذ ​بداية الحرب وحتى نهاية مارس/آذار، أطلقت إيران وحلفاؤها ما لا يقل عن 388 صاروخاً وطائرة مسيرة على كردستان العراق، وذلك وفقا لتحليل أجرته رويترز للبيانات الصادرة عن منظمة أكليد المعنية بمراقبة النزاعات.

واستهدفت ما يقرب من نصف هذه الضربات الجماعات السياسية الكردية والمقاتلين الأكراد. ووفقاً لتحليل لرويترز، شنت أمريكا وإسرائيل 140 هجوماً على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال غرب إيران. ويعتبر هذا التحليل تقديراً متحفظاً لعدد الضربات التي أكدتها منظمة أكليد، والتي تستند إلى مراجعة المصادر المحلية والدولية.

ما هي خطة نتنياهو؟

قال مصدران مقيمان في الولايات المتحدة على دراية بالاتصالات مع الأكراد لرويترز إن إسرائيل كانت تعمل منذ فترة على توطيد العلاقات مع الفصائل الكردية الإيرانية في المنفى. وقال المصدران إن الإسرائيليين لم يحددوا للقوات الكردية ما سيكون دورها. كما قال القادة الأكراد الذين قابلتهم رويترز إنهم لم يكونوا على علم بأي خطة ​محددة.

ولم تعلق الحكومة الإسرائيلية على خطتها إزاء القوات الكردية. لكن في اليوم الأول من الحرب، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى الثورة. وقال نتنياهو في ذلك اليوم "مواطنو إيران: الفرس والأكراد والأذريون والأبخاز والبلوش. حان وقتكم لتوحيد الصفوف والإطاحة بالنظام وتأمين مستقبلكم".

مقاتلو البيشمركة والميليشيات الكردية في جبال زاغروس الإيرانية
لم تعلق الحكومة الإسرائيلية على خطتها إزاء القوات الكردية. لكن في اليوم الأول من الحرب، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى الثورةصورة من: Pjak Media Center

وأحجم ​البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية عن التعليق على خططهما بشأن الأكراد، وأحالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) طلبات التعليق إلى القيادة المركزية الأمريكية، التي أحجمت عن التعليق.

وفي بيان لرويترز أرسل قبل وقف إطلاق النار، أوضحت حكومة إقليم كردستان العراق أنها لا تنوي الانجرار إلى الحرب. وقالت: "لن يُسمح تحت أي ظرف من الظروف باستخدام أراضي إقليم كردستان كنقطة انطلاق لشن هجمات أو تهديدات أو أعمال عدائية ​ضد أي دولة مجاورة".

ومع ذلك، قال المقاتلون الأكراد الإيرانيون، الذين قابلتهم رويترز قبل وقف إطلاق النار، إنهم ينتظرون اللحظة المناسبة للعودة إلى شمال غرب إيران. وفي ذلك الوقت، كان بعضهم في أنفاق محفورة في الجبال بالمناطق الحدودية.

"واشنطن تستهين بقوة طهران"

أمضى ريباز شريفي، وهو قائد بفصيل كردي إيراني مسلح، الأشهر الأولى من الشتاء على منحدرات موحلة بشمال العراق، حيث كان يدرب مقاتلين شبانا ويبني شبكة من المخبرين والنشطاء والمهربين عبر الحدود مع شمال غرب إيران.

والفصيل الذي ساهم في قيادته، والمعروف باسم حزب الحرية الكردستاني، هو واحد من عدة فصائل كردية إيرانية مقرها في العراق وتسعى لإطاحة الحكومة الإيرانية التي يقودها رجال الدين وإنشاء منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي. ويبلغ مجموع مقاتلي حزب الحرية الكردستاني بضعة آلاف.

ويعيش شريفي، البالغ من العمر 38 عاماً وهو حليق الذقن ويرتدي ملابس قتالية في معظم الأوقات، في العراق منذ 22 عاماً. ويعيش الرجل في المنفى منذ انضمامه للمعارضة وقد شجعته المقاومة الداخلية المتزايدة للجمهورية الإسلامية والتي بلغت ذروتها في احتجاجات حاشدة في يناير/كانون الثاني.

وقال شريفي في مقابلة مع رويترز في فبراير/شباط، قبل بدء الحرب: "في السابق، كان علينا أن نبحث عن مجندين. الآن هم يأتون إلينا". وأضاف أن الحزب كان يدفع 300 دولار للمهربين وحرس الحدود الإيرانيين مقابل كل مقاتل يتم تهريبه إلى العراق.

لكن شريفي كان قلقاً من استهانة أمريكا بقوة الحكومة الإيرانية. فقد تعرضت جماعته لهجمات جوية إيرانية عبر الحدود على مر السنين. ويقول إنهم تعرضوا لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة في يوليو/تموز الماضي وفي يناير/كانون الثاني خلال الاحتجاجات.

ومما زاد من الارتباك أن ترامب قال يوم الأحد إن الولايات المتحدة قدمت أسلحة عبر الأكراد كانت موجهة للمتظاهرين المناهضين للحكومة الإيرانية. وقال لشبكة فوكس نيوز: "أعتقد أن الأكراد أخذوا الأسلحة". وقال قادة أكبر فصيلين لرويترز إن مقاتليهم لم يتلقوا أسلحة أمريكية.

"كرة ثلج"

وقال جاريث ستانسفيلد، أستاذ سياسة الشرق الأوسط بجامعة إكستر - وقد قدم المشورة للحكومة البريطانية ولحكومات بالمنطقة - إن المقاتلين في المنفى قلة ولا يمكنهم الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي والاحتفاظ بها. لكنه أوضح أنهم يتمتعون بمهارات كافية تخولهم - في حال حصولهم على دعم خارجي - لاقتطاع رقعة من الأراضي داخل إيران تكفي لعمل معارضة إيرانية أوسع، مما قد يخلق "نوعاً من تأثير كرة الثلج".

وخلال الأيام الأولى للحرب، شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية ما لا يقل عن 20 غارة جوية في المناطق الكردية بإيران، مستهدفة ما لا يقل عن 12 مركزاً للحرس الثوري ومراكز شرطة ومراكز حراسة حدودية ومنشآت أمنية محلية أخرى، وفقاً لتحليل رويترز لبيانات أكليد. وبدا أن الهجمات تهدف إلى إضعاف قبضة الحكومة الإيرانية على المنطقة.

ضربات متتالية

وقال مسؤول كردي وقائد كردي كبير إن حكومة إقليم كردستان العراق، التي تعمل بشكل شبه مستقل عن الحكومة في بغداد، سارعت في اليوم الرابع بإرسال قوات إلى الحدود الإيرانية-العراقية وذلك في مسعى لمنع الأكراد الإيرانيين من التوغل من العراق إلى إيران. وسرعان ما وردت مكالمات هاتفية من الحرس الثوري في إيران تحمل رسالة صريحة: انسحبوا في غضون ساعة، وإلا ستنهال عليكم الصواريخ.

وقالت المصادر التي كانت على علم مباشر بأحداث ذلك اليوم إن حكومة كردستان العراق احتجت، مشيرة إلى أن القوات نشرت لوقف أي نشاط عبر الحدود، وليس لتهديد إيران. وقال المصدران الكرديان إن الحرس الثوري ⁠لم يكترث.

وقال قادة إيران إنه لن ​يتم التسامح مع أي وجود مسلح على الحدود. وتراجع الأكراد العراقيون. وفي صباح اليوم التالي، أرسل شريفي رسالة يائسة من مكان قريب. وقال لرويترز: "لقد تعرضنا للتو لقصف بصواريخ باليستية إيرانية، ولقي مقاتل واحد حتفه، وأصيب ثلاثة آخرون".

وكان الهجوم دقيقاً، حيث أصاب المنزل الذي كانت جماعته تستخدمه كمكتب، وحيث كان شريفي قد تحدث إلى مراسلي رويترز قبل أسبوعين. وفي الأيام التالية، استُهدفت قوات شريفي وعشرات من فصائل أخرى في أنحاء شمال العراق. وأسفرت الضربات، ​في مجملها، عن مقتل ما لا يقل عن خمسة مقاتلين من فصائل كردية مختلفة على مدى عدة أيام، وألحقت أضراراً بالقواعد التي كانوا يعتقدون أنها مموهة جيدا في بلدات صغيرة وعلى سفوح الجبال النائية.

وقال كريم برويزي القائد بفصيل آخر وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني: "كان الإيرانيون يعرفون أين تقع قواعدنا. لديهم مخبرون يتتبعون تحركاتنا".

عالقون بين ترامب وإيران

وفي اليوم السادس من الحرب، رد ترامب على أسئلة رويترز حول تقارير تفيد بغزو بري وشيك من قبل الأكراد الإيرانيين. وقال دونالد ترامب "أعتقد أن من الرائع أنهم ‌يريدون القيام بذلك، وأنا أؤيد ذلك تماماً". وأضاف أن هدف الأكراد يجب أن يكون "الانتصار".

وفي ذلك اليوم، وجه الإيرانيون تحذيراً شخصياً إلى الحكومة في كردستان العراق. وقال زعيم كردي عراقي بارز "زارنا أحد كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية"، رافضاً الكشف عن هوية المبعوث. والرسالة الجديدة هي: تغيرت هيكلية القيادة والسيطرة في إيران. فلم يعد كبار الضباط في طهران يصدرون بالضرورة أوامر مباشرة بعد الآن.

وأوضح الزعيم الكردي العراقي أنه بدلاً من ذلك، أصبح قادة الحرس الثوري في الميدان وحلفاؤهم من الفصائل بالعراق يعملون بمفردهم وهذا يعني أنه في حالة وقوع هجوم إيراني، فإن أي نداءات من قادة الأكراد العراقيين إلى الحرس الثوري في طهران من أجل ضبط النفس قد لا يكون لها أي تأثير. ولم يذكر المسؤول كيف رد الأكراد العراقيون، لكنه قال إن الزيارة كشفت مدى ضعفهم.

أضرار في القاعدة العسكرية لحزب حرية كردستان بعد هجوم بطائرة مسيرة إيرانية 09.03.2026
وجه الإيرانيون تحذيراً شخصياً إلى الحكومة في كردستان العراق، وكانت الرسالة الجديدة: تغيرت هيكلية القيادة والسيطرة في إيران. فلم يعد كبار الضباط في طهران يصدرون بالضرورة أوامر مباشرة بعد الآن.صورة من: Sedat Suna/Getty Images

وخلال الأيام القليلة التالية، شن الإيرانيون هجمات واسعة النطاق. وضرب الإيرانيون مجمعاً قال مسؤولون محليون ودبلوماسي غربي إنه كان يضم موظفين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في شرق العراق. ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق.

وأصابت ضربة أخرى دار ضيافة سابقة تابعة للأمم المتحدة في السليمانية. واستهدفت هجمات أخرى قاعدة عسكرية تضم قوات أمريكية في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، مما أسفر عن مقتل جندي فرنسي، وأصابت قوات الأمن التابعة للإقليم شبه ​المستقل. وأعلنت حكومة أربيل في 24 مارس/آذار أن وابلاً من ستة صواريخ باليستية إيرانية قتل ستة مقاتلين أكراد عراقيين وأصاب 30 آخرين.

وقال الزعيم الكردي العراقي رفيع المستوى وعدد من المسؤولين الأمنيين الآخرين إن معظم الضربات ⁠التي استهدفت كردستان العراق خلال الحرب كانت هجمات بطائرات مسيرة شنتها فصائل عراقية مدعومة من الحرس الثوري. وقالوا إن هذه القوات كانت تعمل في إطار هيكل قيادة وسيطرة لامركزي يضم قادة من الحرس الثوري متمركزين في العراق ويتصرفون بمبادراتهم الخاصة.

وفي واشنطن، تلقى المشرعون الأمريكيون تحذيرات من وزير خارجية تركيا. ويوجد في تركيا حركة انفصالية كردية، وحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الولايات المتحدة على ⁠معارضة أي مشاركة للمقاتلين الأكراد في عملية عبر الحدود. وذكر مصدر مطلع أن فيدان حذر من أن هذا قد يثير اضطرابات جديدة ليس فقط في إيران، بل أيضا  في تركيا وحتى سوريا. ولم ترد تركيا على ​طلب للتعليق.

"الانتفاضة في إيران شرط لنجاح الغزو"

وبدلاً من التخطيط لعمل عسكري في إيران، كان شريفي يقضي وقته في تجنب الغارات الجوية، بما في ذلك غارتان في الأسبوع الأول من أبريل/نيسان، ومحاولة تجاوز الحجب شبه الكامل للإنترنت في إيران للحصول على آخر المستجدات من داخل البلاد. وقال إن نقل المقاتلين بين إيران والعراق أصبح مستحيلاً، حتى عند عرض أجر أعلى قدره 500 دولار للمهربين وحرس الحدود، إذ أدى تزايد وجود الحرس الثوري الإيراني في المناطق الكردية بإيران إلى إغلاق الحدود.

وقال قادة الأكراد الإيرانيين في المنفى إن الدلائل تشير إلى ضعف الحكومة الإيرانية. لكنهم أضافوا أنه حتى الحكومة الضعيفة يمكنها قتل المتظاهرين مرة أخرى، مما يخيف معظم الناس من اتخاذ أي إجراء. وقال القادة الأكراد الإيرانيون إنه من دون اندلاع انتفاضة في إيران، فإن الغزو سيكون مخاطرة كبيرة. لذا فهم ينتظرون على الجانب العراقي من الحدود، مستعدين لفرصة جديدة.

ولم يمنح وقف إطلاق النار شريفي سبباً كبيراً للأمل. وقال شريفي: "ما زلنا تحت احتلال الجمهورية الإسلامية. إذا تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فسوف نُقتل ونُعدم".

تحرير: عماد حسن