تحليل: مليون مشروع في مصر- بين الجد ودغدغة الغلابة | سياسة واقتصاد | DW | 14.01.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

سياسة واقتصاد

تحليل: مليون مشروع في مصر- بين الجد ودغدغة الغلابة

الحكومة المصرية تعلن عن سعيها إلى إقامة مليون مشروع صغير لتشغيل ملايين الشباب، هدف أكثر من طموح، لكن كيف يمكن تحقيقه مع سياسة تركز على مشاريع ضخمة ضرورية، بيد أنها أيضا تشكل تربة خصبة للهدر والرشوة والوعود الرنانة؟

في الخامس من يناير/ كانون الثاني 2019 أطلق وزير القوى العاملة المصرية محمد سعفان تصريحا جاء فيه أن حكومته تسعى إلى "إنشاء مليون مشروع صغير" بهدف توفير "فرص عمل كريمة" للشباب المصري الباحث عن عمل بما يتناسب واحتياجات السوق. هذا التصريح الذي يمكن اعتباره تحولا في مفهوم نماذج التنمية التي تهمين على عقول صناع القرار في مصر والدول العربية مرّ مرور الكرام دون اهتمام يُذكر في وسائل الإعلام ولدى الرأي العام.

ويبدو أن من سوء حظ الوزير أن تصريحه جاء في الوقت الذي كانت فيه مصر تضج بافتتاح أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط وواحد من أضخم مساجد المنطقة في العاصمة الإدارية الجديدة التي تجسد النماذج المذكورة المولعة باستثمار الأموال في المشاريع الكبيرة رغم أن الجدوى الاقتصادية منها أقل بأضعاف من الجدوى التي تحققها المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وعلى سبيل المثال فإنه تم في عام 2014 جمع 64 مليار جنيه، ما يعادل نحو 9 مليارات دولار باسعار ذلك الوقت من أجل توسيع قناة السويس، في المقابل لا تزيد الاستثمارات التي ضختها البنوك والدولة في المشاريع الصغيرة والمتوسطة خلال الفترة من أواخر عام 2015 وحتى أواسط عام 2018 على 110 مليارات جنيه، أي أقل من 6.5 مليار دولار بالأسعار الحالية.

Ägypten Arbeitsmarkt und Ausbildung (picture-alliance/ZB/M. Tödt)

التدريب المهني التطبيقي للقسم الأكبر من الشباب أبرز التحديات التي تواجه مصر في جهود التغلب على البطالة

معنى إنشاء مليون مشروع صغير

إذا ما أخذنا المعايير المتبعة في العالم العربي فإن المشروع الصغير يشّغل في المتوسط 3 إلى 7 عمال. ومما يعنيه ذلك أن إنجاز مليون مشروع صغير في بلد كمصر يعني في الحالة المثالية خلق 7 ملايين فرصة ونحو 3 إلى 4 ملايين من هذه الفرص في حالة نجاح مقبول إلى جيد. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل عامل أو موظف يعيل ثلاثة إلى 5 خمسة أشخاص، فإن ما لا يقل عن عشرة إلى 12 مليون مصري سيستفيدون من هذه المشاريع التي ستخلصهم من البطالة وتنقلهم إلى فئات أصحاب الدخل المحدود أو المتوسط. وهو الأمر الذي يشكل نقلة هامة على طريق مكافحة الفقر الذي يتحكم بحياة ما لا يقل عن 40 بالمائة من المصريين ممن لا يمكنهم توفير مقومات الحد الأدنى من معيشتهم اليومية دون الدعم الذي تقدمه الدولة للخبز وسلع أخرى ضرورية.

Ägypten Bauarbeiten (picture-alliance/Zumapress/Xinhua/A. Gomaa)

العاصمة المصرية الجديدة مشروع ضخم يلتهم تنفيذ مرحلته الأولى أكثر من 40 مليار دولار

تغيير الوجهة

إن نظرة على سياسة مصر الاقتصادية خلال السنوات الأربعة الماضية تفيد بأن الدولة حشدت عشرات المليارات من الدولارات من أجل مشاريع قومية ضخمة، مقابل أقل من عشرة مليارات دولار على مشاريع صغيرة ومتوسطة يمكنها أن تستوعب 3 أضغاف ما تستوعبه المشاريع الضخمة من عمالة رغم تكلفتها الأقل واعتمادها على المدخلات والمنتجات المحلية بشكل أكبر. وعلى الرغم من النجاح الذي حققته هذه السياسة في مجالات استيعاب عشرات آلاف الوظائف الجديدة وتعزيز الاحتياطي من العملات الصعية وزيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من الغاز والكهرباء وتقليص فاتورة المستوردات من السلع الكمالية، فإن الوقت حان لتغيير وجهتها نحو التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة كونها الوحيدة القادرة على حل مشكلتي الفقر والبطالة المتفاقمتين. ويأتي تصريح الوزير المصري حول هدف "دعم مليون مشروع صغير" في إطار هذا التغيير، لاسيما في هذا الظرف الذي يزداد فيه سخط الشباب في مصر والدول العربية على السياسات الاقتصادية الاستعراضية وغير المجدية. غير أن أهمية التصريح لا تنبع من إطلاقة، بقدر ما تنبع من توفير الظروف اللازمة لتنفيذ.

أين مقومات التنفيذ؟

إن إنشاء مليون مشروع صغير تشغّل 3 إلى 4 مليون مصري، أكثر أهمية وأقل تكلفة على سبيل المثال من بناء عاصمة إدارية جديدة بمشاريع ضخمة لا أحد يعرف مدى جداوها من جهة ولا حجم الهدر والفساد المرافقة لتنفيذها من جهة أخرى، السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، من أين ستأتي الأموال اللازمة لتنفيذ المليون مشروع؟ كما أن التنفيذ يحتاج إلى مليون شخص يتمتعون بروح الإبداع والجرأة على تحمل مسؤولية إطلاق مشاريعهم، فمن أين بهؤلاء في ظل هجرة ونزيف الكفاءات إلى الخارج؟

Deutsche Welle Ibrahim Mohamad (DW/P.Henriksen)

ابراهيم محمد: تغيير وجهة السياسة الاقتصادية المصرية نحو المشاريع الصغيرة أضحى في غاية الضرورة

ثم ماذا عن نظم توفير القروض الميسرة والتأهيل المهني للكفاءات المتوسطة والحضانات التكنولوجية للمشاريع الصغيرة الرائدة؟ ومما يدعو للسؤال أكثر أن هذه النظم أظهرت كفاءة متواضعة للغاية في التغلب على التحديات التي تواجهها. ويأتي في مقدمتها أن عدد الداخلين سنويا إلى سوق العمل وهو بحدود 600 إلى 650 ألف أكبر بكثير من عدد الذين يحصلون على وظيفة وهو بحدود أقل من 400 ألف سنويا. ويقدر البنك الدولي أن مصر تحتاج كل سنة إلى 25 مليار دولار لتوفير حوالي مليون فرصة عمل كل سنة إذا اخذنا بعين الاعتبار البطالة المتراكمة من سنوات سابقة.

مما لا شك فيه أن المشروعات القومية الكبرى حيوية وضرورية، غير أن تجارب السنوات تفيد بأنه لابد من الحذر في استمرار تخصيص وصرف المليارات عليها في ظل منظومة فساد تفسد عمل الكثير من المؤسسات المنفذة لها وتعيقه. وكلما كانت تكلفة المشروع أكبر، زادت فرص النهب والرشوة. أما المشاريع الصغيرة فتكلفتها أقل ومفعولها أكبر في مجال خلق الوظائف الجديدة وتوفير السلع الاستهلاكية المحلية وتقليص فاتورة المستوردات والحد من هدر المال العام وتكوين طبقة وسطى تشكل قاطرة لنهضة صناعية وعلمية وعملية تتمتع بديناميكية ذاتية في مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الملحة. 

ابراهيم محمد

مختارات

إعلان