تحليل: مصر لا تحتاج إلى عاصمة فخمة بل عالية الكفاءة | سياسة واقتصاد | DW | 20.10.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

تحليل: مصر لا تحتاج إلى عاصمة فخمة بل عالية الكفاءة

تسير أعمال بناء العاصمة المصرية الجديدة على قدم وساق، غير أن المشكلة تكمن في التركيز على مشاريع ضخمة بدلا عن منح الأولوية للجدوى والكفاءة. هل تتغلب مصالح المستثمرين على أمل المصريين بعاصمة توفر لهم السكن وفرص العمل؟

Neue Hauptstadt für Ägypten (picture-alliance/dpa/Matthias Toedt)

العاصمة المصرية الجديدة، يدور الكلام عن أكبر مسجد، وأعلى برج في المنطقة، وكلها لا تحل أزمة مساكن ملايين المصريين الخانقة

من مدينة ناصر إلى مشروع مبارك لبناء قاهرة جديدة مرورا بمدينة السادات وغيرها من المشاريع المشابهة، هذه المشاريع لم تنجح في منع التوسع العشوائي فيها. هذا التوسع الكارثي الذي أوصل عدد سكانها إلى نحو 22 مليون نسمة وأحاطها بأحياء مدقعة الفقر والحرمان من الخدمات الأساسية، يبنغي أن يجد حدا له هذه الأيام عبر مشاريع جديدة في مقدمتها بناء عاصمة جديدة قد تحمل اسم الرئيس السيسي. القائمون على المدينة يصفونها "بالمشروع الحلم"، لأنها ستكون ضخمة وبطاقة إسكان تصل إلى 6 ملايين نسمة. أما تكاليفها فتقدر بأكثر من 45 مليار دولار أمريكي.

مبررات العاصمة الجديدة

تزداد نوعية الحياة سوءا في القاهرة يوما بعد يوم بسبب الزحام الخانق وتردي مستوى البنية التحتية والأبنية وبطء عمل الإدارات الحكومية وفسادها. يضاف إلى ذلك أن الأحياء العشوائية ذات البطالة العالية والفقر المتفاقم أحاطت بالمدينة من جهات عدة. ومن هنا فإن بناء عاصمة جديدة يجد ما يكفي من المبررات كونه سيخفف الضغط الذي لا يحتمل عن العاصمة القاهرة. وعندها يمكن توفير الفضاء اللازم لتحديث بنيتها التحتية وتنظيم أحيائها العشوائية والبائسة على أساس أن يبقى غالبية سكانها فيها مع ما يتطلبه ذلك من مساعدتهم على توفير فرص العمل وتأمين الخدمات الضرورية لهم من تعليم وتدريب مهني ورعاية صحية ووسائل نقل وغيرها.

Neue Hauptstadt für Ägypten (picture-alliance/dpa/Matthias Toedt)

قصر المؤتمرات في العاصمة المصرية الجديدة. يغلب على المباني الجديدة الفخامة

الواقع شيء والأهداف شيء آخر!

غير أن ما يجري على أرض الواقع لا يشير إلى ما يطمئن في إيجاد حلول كهذه. ففي العاصمة الجديدة يتم بناء أكبر جامع في مصر وأكبر كنيسة في الشرق الأوسط وأعلى الأبراج بنوعية فاخرة وتكاليف باهظة، وهناك حديث عن مشروع لبناء برج أعلى من برج خليفة في دبي الذي بلغت تكلفته نحو 1.5 مليار دولار. وإلى جانب الحي الحكومي وحي للعلوم والتكنولوجيا وآخر للثقافة سيتم بناء أحياء سكنية بشقق فاخرة معدل تكلفة حجز المتر المربع فيها في الوقت الحالي بحدود 8- 9 آلاف جنيه مصري، أي ما يعادل أكثر من 3 أمثال الراتب الشهري لموظف مصري بدخل متوسط. أما أسعار المكاتب والمتاجر فحدث ولا حرج.

الفخامة لا تحل المشاكل القائمة

غلاء الأسعار في العاصمة الجديدة يثير شهية المستثمرين من أصحاب الملايين الذي يشترون أو يبنون الشقق والعقارات الأخرى على أمل تحقيق أرباح عالية من وراء ذلك لاحقا. أما أصحاب الدخل المحدود والمتوسط فليس لديهم فرص لشراء مسكن أو متجر فيها بسبب ارتفاع الأسعار. على ضوء ذلك يبدو أن العاصمة الجديدة بمشاريعها الفاخرة تشكل فرصة للمستثمرين الباحثين عن أرباح عالية، أكثر منها فرصة لبقية المصريين الباحثين عن سكن أو فرصة عمل. وسيكون تحقيق هذه الأرباح على الأرجح من خلال المضاربات التي سيذكي نارها مستثمرون أجانب يريدون اقتناص الفرصة في حال مشروع رائد كهذا. وإذا كان المشروع مجديا لهؤلاء، فمن المشكوك فيه أن يكون الأمر كذلك بالنسبة للاقتصاد المصري الذي لن تفلح المضاربات في التخفيف من حدة مشاكله الهيكلية.

Neue Hauptstadt für Ägypten (picture-alliance/dpa/Matthias Toedt)

مجمعات سكنية عملاقة في العاصمة الادارية سعر المتر فيها 9 الاف جنيه، هل تحل مشكلات سكان المقابر والعشوائيات ؟

العاصمة ومتطلبات الاقتصاد

من خلال نظرة على حالة القاهرة المتعبة وإلى مشاكلها الجمة وفي مقدمتها التلوث والفقر والزحام والسكن العشوائي والبطالة، لابد من القول أن بناء عاصمة إدارية جديدة تضم مؤسسات الدولة والممثيليات الأجنبية وما يتطلبه ذلك من مؤسسات تجارية وعلمية وخدمية وغيرها خطوة صائبة. غير أن المدينة الجديدة يجب في كل الأحوال ألا تركز على مشاريع فخمة وضخمة تخدم البرستيج والوجاهة أكثر مما تخدم توفير السكن الصحي والتعليم والتدريب المهني باسعار يمكن الوفاء بها بالنسبة لملايين المصريين الحالمين بفرص العمل المنتجة أكثر من حلمهم بأعلى الأبراج. ويزيد من أهمية ذلك أن الاقتصاد المصري في الوقت الحالي بحاجة إلى تطوير الصناعات التحويلية المنتجة والإنتاج الزراعي والغذائي المتكامل أكثر في إطار مؤسسات وورش صغيرة ومتوسطة أكثر من حاجته لأي شيء آخر. وينبغي توفير هذه المشاريع بكثافة سواء من خلال مشاريع العاصمة الجديدة أو في إطار تنظيم الأحياء العشوائية في العاصمة الحالية القاهرة.

وعلى ذكر القاهرة تظهر بعض الإعلانات عبر وسائل الإعلام المصرية تطويرها في المستقبل بشكل يذّكر بمدينة  دبي أو سنغافورة بدلا من تطويرها على اساس ان تحتفظ بهويتها وطابعها العمراني!  وفي بعض مناطقها كجزيرة الرواق ومثلث ماسبيرو يتم هدم البيوت العشوائية وبناء بدائل للمتضررين في أحياء بعيدة ومعزولة ولا توفر لهم فرص العمل التي تمنعهم من الهجرة مجددا.

Deutsche Welle Ibrahim Mohamad (DW/P.Henriksen)

ابراهيم محمد:دبي ليست مثالا يحتذى لتطوير القاهرة وتنظيمها

عقدة المشاريع الفخمة والضخمة

يبدو أن عقدة المشاريع الضخمة والفخمة ذات الجدوى الاقتصادية المتدنية والتكاليف الخيالية وصلت إلى مصر. ومن الدوافع إلى ذلك أن الفساد المالي في مشاريع كهذه يمكن التستر عليه أكثر من المشاريع المتوسطة والصغيرة بسبب ضخامة العقود المرتبطة بها. وإذا كانت المشاريع الضخمة حيوية في مجالات كالنقل والطاقة، فما هي ضرورتها في عاصمة جديدة وفي بلد لديه الأهرامات وعشرات الصروح الحضارية والتاريخية الأخرى التي تدل على هويته؟ مصر بحاجة إلى عاصمة جديدة، تكاليف الحياة فيها مقبولة للمصريين وتشكل قاطرة إدارية وعلمية واقتصادية تقوم على أعلى درجات الكفاءة لا أكثر ولا أقل. أما العاصمة الحالية فينبغي تطويرها وترميم مبانيها دون طمس هويتها العمرانية والتاريخية.

الكاتب: ابراهيم محمد

مختارات