تحليل: ليبيا تستحق قيادات جديدة للخروج من النفق | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 26.08.2020
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

تحليل: ليبيا تستحق قيادات جديدة للخروج من النفق

الاتفاق بين سلطتي طرابلس الغرب وشرق ليبيا على وقف إطلاق النار وتنظيم انتخابات، هو بمثابة ضوء يلوح في آخر نفق الأزمة الليبية. لكن المطبّات كثيرة في طريق التسوية، والسبيل لتجاوزها يحتاج إلى وجوه وقيادات جديدة.

بوادر حلحلة للأزمة الليبية لاحت في الآونة الأخيرة، بإعلان المجلس الرئاسي في طرابلس ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، موافقتهما على اتفاق لوقف إطلاق النار. ويتضمن الاتفاق وقفا فوريا لكل العمليات العسكرية ومباشرة حوار سياسي وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في آذار/مارس المقبل.

ويعتبر قبول المؤسستين اللتين تتمتعان بتمثيلية شرعية، سواء محلية أو دولية، بتسوية سياسية للأزمة تحظى باتفاق نادر بين القوى الكبرى، يرى فيه المراقبون خطوة أساسية في سبيل إنهاء الحرب وفتح صفحة جديدة في البلاد.

لكن الاتفاق تواجهه عقبات في المهد، فقد رفض الرجل القوي في الشرق الجنرال خليفة حفتر اتفاق وقف إطلاق النار، كما رفعت حكومة الوفاق الوطني بطرابلس فيتو على مشاركته (حفتر) في أي تسوية سياسية تتعلق بمستقبل ليبيا.

فلماذا لا يجنح الطرفان وبشكل صريح وحاسم إلى القبول بتسوية سياسية يمكن أن تحقن دماء الليبيين وتمنحهم فرصة إعادة بناء البلاد وطي صفحة حرب مدمرة استمرت لعشر سنوات منذ تاريخ إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي. فهل يتعلق الأمر ببحث أطراف محلية مؤثرة في الصراع ومن ورائها قوى خارجية من خلال مناورات تفاوضية، عن تحقيق مكاسب معينة، أم أن رافضي التسوية يخشون في حقيقة الأمر من مخرجاتها على مستقبل ليبيا.

يلعب شيوخ القبائل دورا محوريا في المشهد الليبي

يلعب شيوخ القبائل دورا محوريا في المشهد الليبي

قبضة سلطتي الغرب والشرق ترتخي

ثمة مؤشرات في ليبيا على أن قبضة النخب الحاكمة بأصنافها المتعددة، بدأت ترتخي سواء في غرب البلاد أو شرقها. فالاحتجاجات التي تشهدها العاصمة طرابلس، تعتبر غير مسبوقة منذ سنوات، وتركز شعاراتها على الاحتجاج على الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية. ومؤاخذة حكومة السراج في قضايا الفساد، ليست فقط مطلبا محليا للمحتجين، بل هو محور أساسي لمؤاخذات تطرحها مؤسسات دولية وعواصم غربية منذ فترة.

وإذا ما تم ربط مشكلتي الفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بمسألة السلطة الأمنية والحريات، على غرار ما تضمنه بيان بعثة الأمم المتحدة، فإن ذلك يعني أن المنظومة الأمنية والسياسية التي تحكم غرب البلاد، توجد في مواجهة ضغط محلي ودولي، قد لا تحتويه التغييرات "العاجلة" التي أعلن عنها السراج. ذلك أن تركيبة السلطة التي تمسك بزمام الأمور في العاصمة طرابلس وغرب البلاد، تتداخل فيها أدوار ميليشيات وجماعات متهمة بالتطرف وبارتكاب جرائم.

وبالمقابل فقد ظهر في شرق ليبيا مؤشر آخر وهو بدوره غير مسبوق، فقد تكشّف تباين واضح في الموقف من اتفاق التسوية المعلن عنه مع طرابلس، بين قطبي المشهد السياسي والعسكري في شرق ليبيا، الجنرال حفتر قائد قوات "الجيش الوطني الليبي" (بنغازي) وعقيلة عقيلة رئيس مجلس النواب (طبرق).

وتفيد مؤشرات عديدة على أن الخلاف يشمل أيضا الأطراف الداعمة لمحور الشرق، إذ تدعم موسكو موقف عقيلة صالح بينما تدعم دولة الإمارات موقف الجنرال حفتر، أما مصر فهي باتت أقرب لموقف رئيس مجلس النواب (طبرق)، وتفيد بعض التقارير بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي بعث إلى حفتر رسالة في هذا الاتجاه عبر مدير المخابرات الحربية اللواء خالد مجاور.

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس مع نظيره الليبي محمد سيالة.

ألمانيا ترأس الاتحاد الأوروبي حاليا وتقود مساع ديبلوماسية لحل الأزمة الليبية

أما على الصعيد الدولي فإن الجنرال حفتر لم يعد يحظى بنفس الدعم الذي كان يتمتع به قبل عامين، مقابل ارتفاع الأصوات المطالبة بمحاسبته عن "جرائم الحرب" التي تتهم بها قواته خلال هجومها على طرابلس ومدن غرب البلاد. كما أن التأكيد في بيان الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار على إنهاء الحرب وبدء الحوار السياسي وتنظيم انتخابات، قد تعني بالنسبة لرجل الشرق القوي استبعادا لدوره في الترتيبات المتعقلة بمستقبل ليبيا.

من يخشى التسوية السياسية؟

المؤشرات التي ظهرت في الآونة الأخيرة حول ارتباك الماسكين بزمام السلطة في غرب ليبيا وشرقها، والفيتو المتبادل بينهما فيما يتعلق بالمفاوضات حول ترتيبات مستقبل الأوضاع في البلاد، تعكس أيضا قلق قوى مؤثرة لدى الطرفين، من أن تكون مخرجات الحل السياسي للأزمة على حساب مصالحها المتشابكة أمنيا وعسكريا واقتصاديا. ذلك أن الميليشيات وجماعات المرتزقة وبعض القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع المسلح إلى جانب الطرفين، تنظر بعدم الرضا لما يجري الترتيب له دوليا والتمهيد له محليا.

ففي أحدث بيان له تحدث الناطق باسم قوات حفتر عن اتفاق وقف إطلاق النار بأنه مجرد "استهلاك إعلامي"، وعلى الجانب المقابل، كشفت تقارير إعلامية ألمانية بأن الجيش التركي نقل "شحنة مهمة حربيا" على متن طائرات شحن عسكرية من طراز "إيه 400 إم"، إلى ليبيا.

السيسي وحفتر في صورة تعود لعام 2019.

هل يتخلى الرئيس السيسي عن حليفه الجنرال حفتر؟

ويرى مراقبون بأن طرفي النزاع المباشرين والقوى الخارجية الداعمة لهما، تسعى إلى الإبقاء على حالة ضغط عسكري، لاستخدامه كورقة تفاوضية لتأمين مصالحها من جهة، ولطمأنة القوى المحلية المتحالفة معها من جهة أخرى، والتي يمكن أن يكون دورها مهددا في أي ترتيبات مستقبلية.

ذلك أن التوافق على الاقتراح الأمريكي بجعل سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح، بقدر ما يعني لدول تتحرك من أجل تسوية سلمية مثل ألمانيا والعواصم المغاربية، نزع فتيل حرب أخرى مدمرة، فهو يعني في المقابل للأطراف المتدخلة عسكريا بشكل مباشر سواء المحلية أو الخارجية، سحب ورقة تأثير استراتيجية على منطقة الهلال النفطي التي تملك بفضلها ليبيا عضو منظمة أوبك أكبر احتياطات نفطية في أفريقيا.

فقبل سنة 2011 كان معدل الإنتاج اليومي 1,6 مليون برميل، ولمعظم القوى الإقليمية والعالمية المتصارعة في المسرح الليبي حاليا مصالح نفطية في هذه المنطقة التي تقع على مشارف أوروبا. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة، تأثير العامل النفطي في ميزان القوى بين سلطتي طرابلس والشرق، وفي شعور السكان المحليين بالاستقرار.

ليبيا بحاجة إلى وجوه جديدة

إثر مؤتمر برلين في يناير/ كانون الثاني 2020، تم الاتفاق على تنظيم حوار في جنيف بين الأطراف الليبية حول مستقبل البلاد بإشراف بعثة الأمم المتحدة، لكن تلك المحادثات أُجهضت في مهدها، وأعقبتها استقالة المبعوث الأممي غسان سلامة. وجلُّ ما رشح إبانها إعلاميا عن أسباب فشل تلك المحادثات، تعلق بالشروط السياسية وبتمثيلية الأطراف وموازينها.

Moncef Slimi Kommentarbild App

منصف السليمي، صحفي خبير بالشؤون المغاربية في مؤسسة DW الألمانية

بيد أن سببا آخر مهما في تعثر تلك المحادثات وإفشالها، ظل مسكوتا عنه، ويتمثل في دعوة قيادات ليبية عسكرية وسياسية وقبلية ومحلية، وهي من الصف الثاني، للمشاركة في المحادثات. وكان التقدم في تلك الخطوة سيساهم في خلق أرضية من التفاهم بين الليبيين، من الصعب تحقيقها بين أمراء الحرب الوكالة، نظرا لتراكم رصيد عدم الثقة فيما بينهم، وارتهان قراراتهم لقوى خارجية.

والآن بعد ستة أشهر على فشل محادثات جنيف، وقد تغيرت معطيات ميدانية واستراتيجية عديدة في الأزمة الليبية، ومن أهمها التدخل التركي المباشر ودخول مرتزقة فاغنر الروس على الخط، وهزيمة قوات الجنرال حفتر في غرب ليبيا وسقوط سيناريو سيطرته على العاصمة طرابلس.

وفي ظل المعطيات الجديدة، تمتلك فرص المفاوضات حول تسوية الأزمة الليبية، برأي محللين، حظوظ نجاح أكبر مما كانت عليه في في فبراير/ شباط الماضي، ليس فقط لجهة إمكانية إقناع أطراف الأزمة بقبول حلول توفيقية، بل أبعد من ذلك بإمكانية تحقيق اختراق في ترتيبات مستقبل ليبيا لما بعد الحرب، وهذا يمكن أن يتم عبر توفير مصالح ومكاسب للأطراف الخارجية المتدخلة في الصراع، سواء في المنطقة النفطية أو فيما يتعلق بفرص المشاركة في عمليات إعادة إعمار ليبيا.

Infografik Karte Libyen Türkei Wirtschaftszone AR

أما على الصعيد الليبي الداخلي، فإن الأنظار ستتجه إلى البحث عن وجوه ونخب جديدة لقيادة المرحلة المقبلة. ولأن الليبيين ورثوا عن القذافي دولة قاحلة لا تتوفر على بنيات سياسية ومؤسساتية، فإن الاعتماد على الانتخابات والدستورـ رغم أهميتها ـ ليس كافيا وحده بأن يؤمّن الموارد السياسية الناجعة لإدارة شؤون البلاد وإخراجها من أسوأ أزمة في تاريخها الحديث.

ولذلك تحتاج تسوية الأزمة الليبية إلى مخارج إضافية عبر الاعتماد على آليات وشرعيات مجتمعية أخرى، وفي مقدمتها شيوخ القبائل وكفاءات وقيادات شابة في المجتمع المدني وفي الأقاليم وفي الشتات الليبي، الذي بات يشكل حوالي ثلث الشعب الليبي، وهو موزع بين أوروبا وبلدان عربية وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

بيد أن مهمة التوصل إلى صفقة سياسية تخرج ليبيا من أزمتها وحرب الوكالة التي تغرق فيها منذ خمس سنوات، ستواجهها مطبات كثيرة، في مقدمتها مسألة إعادة بناء قوات الجيش والأمن وتفكيك الميليشيات وتحييد المرتزقة، إضافة إلى ثقل وتأثير القوى الخارجية، وارتهان قوى داخلية عديدة بداعميها الخارجيين.

منصف السليمي