الإصلاحات السعودية.. هل تنقل البلاد إلى حقبة ما بعد الوهابية؟ | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 28.06.2021
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

الإصلاحات السعودية.. هل تنقل البلاد إلى حقبة ما بعد الوهابية؟

تتسارع وتيرة الإصلاحات في السعودية مع تهميش نفوذ رجال الدين مقابل تعزيز قبضة العائلة المالكة على مفاصل الحياة السياسية، هل ستسفر هذه الإصلاحات عن تغيير حقيقي أم أنها دعاية ومحاولة لتبييض وجه السلطة؟

على مدار الشهر الماضي، أعلنت السعودية عن إصلاحات اجتماعية جديدة كل أسبوع تقريبا. وفي مطلع يونيو/ حزيران الجاري قامت الرياض بتعديل طفيف للسماح للمرأة السعودية الراشدة بالسكن بمفردها بشكل مستقل بصرف النظر عن حالتها الاجتماعية ومن دون إجبارها على الإقامة مع محرم. وبعد هذا القرار بأيام، سمحت السلطات السعودية متمثلة في وزارة الحج والعمرة للمرأة بالتسجيل لأداء الحج دون محرم لكن يجب أن تكون "مع عصبة النساء" عندما أداء شعائر الحج.

الرقابة على الأعمال الأدبية

وبالإضافة إلى الإصلاحات حيال وضع المرأة السعودية،أعلنت الرياض عن تعديلات قانونية تسمح بتخفيف إجراءات التدقيق على الكتب والمجلات المستوردة، وفقا لما ذكرته الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع.

وتعد السعودية واحدة من أكثر دولة المنطقة رقابة وتشددا حيال الكتب والمجلات التي يتم استيرادها. وتعني الإجراءات الجديدة تقليل الرقابة وتعزيز إمكانية الوصول إلى الكتب، حسبما نقلت صحيفة "سعودي جزيت" الناطقة باللغة الإنجليزية عن مسؤولين سعوديين.

وفي أواخر مايو/ أيار الماضي، قررت وزارة الشؤون الإسلامية في السعودية قصر استعمال مكبّرات الصوت الخارجية في المساجد على رفع الأذان والإقامة فقط وعدم تجاوز مستوى ارتفاع الصوت في الأجهزة ثُلث درجة الجهاز.

وقد يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها ترمي إلى تقليل الضوضاء والحد من التلوث السمعي لكنها خطوة مثيرة للجدل في السعودية المحافظة حيث لممارسة الشعائر الدينية أسبقية على كل نواحي الحياة في البلاد.

منذ مقتل جمال خاشقجي لا تتوقف الاتهامات التي تحمل ولي العهد محمد بن سلمان المسؤولية عن ذلك

متظاهر يحتج على السلطات السعودية ويصور ولي العهد وكأنه قاتل

تغييرات متسارعة

وليست هذه الإصلاحات الأولى من نوعها في السعوديةومن المحتمل ألا تكون الأخيرة إذ أن التغييرات الاجتماعية سارية في البلاد منذ حقبة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

ويمكن اعتبار العديد من هذه الإصلاحات جزءا من "رؤية 2030" وهي خطة طموحة تضم إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة طرحها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2016 في إطار جهوده الرامية إلى جعل السعودية أكثر حداثة وليبرالية وتقليل اعتمادها على النفط كمحرك رئيسي للاقتصاد وجعلها بيئة قادرة على استقطاب السياحة والأعمال التجارية.

وكان أبرز تعديل في السعودية منذ 2016 السماح للمرأة بقيادة السيارة بالإضافة إلى رفع الحظر الذي استمر لعقود على دور العرض السينمائي والسماح للنساء بالسفر دون الحصول على موافقة أولياء أمورها فضلا عن اتخاذ خطوات للتخفيف التدريجي من قيود الفصل بين الجنسين. هذا وقد انتشرت شائعات مؤخرا بان تناول الخمور قد يُسمح به قريبا في السعودية على نطالق محدود. وفي ذلك يؤكد مراقبون للشأن  على أن وتيرة الإصلاحات تسارعت في الآونة الأخيرة.

من جانبه، قال روبرت موغيلنيكي، باحث مقيم في معهد دول الخليج العربي في واشنطن، إن "وتيرة الإصلاح في السعودية مذهلة". وأضاف "يبدو أن صناع القرار قد أطلقوا قطار الإصلاح".

هل يساعد السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة على تحررها من بقية القيود التي تحط من شأنها؟

السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة خطوة يصفها البعض بأنها نقلة نوعية في المجمتع السعودي

النموذج السعودي؟

ويقول موغيلنيكي إنه بات من الواضح أن هناك حاجة إلى أن يكون هناك بعض التقدم الملحوظ في إطار "رؤية 2030". ويضيف في هذا السياق، قائلا: "من وجهة نظري، إن ولي العهد وصناع القرار الذين يعملون معه يحاولون تحقيق توازن بين الأهداف طويلة الأمد وتحقيق تقدم ملموس على أرض الواقع. فالكثير من الإصلاحات الأخيرة تحدث تأثيرا مباشرا". ويشير موغيلنيكي إلى أن مثل هذه الإصلاحات تلقى قبولا ودعما من الشباب السعودي حيث يشكل الشباب دون سن 35 عاما ما يقرب من ثلثي تعداد السكان في السعودية.

ويرى ناثان براون- أستاذ العلوم السياسية والزميل البارز في برنامج الشرق الأوسط التابع لمؤسسة كارنيجي- أن بعض الإصلاحات مثل قصر استعمال مكبّرات الصوت الخارجية في المساجد قد يُنظر إليها من خارج السعودية باعتبارها طفيفة، إلا أنها وغيرها من الإصلاحات تعد مهمة بالنظر إلى أن بعض هذه الإصلاحات كان يستحيل الموافقة عليها قبل سنوات.

وفي مقابلة مع DW، سلط براون الضوء على تساؤل قد يكون مزعجا يتعلق بالنموذج التي ترمي هذه الإصلاحات إلى تأسيسه. وأضاف "يقول الرأي العام إن هذه الإصلاحات جزءا من اتجاه لتحرير بعض النواحي الاجتماعية بشكل كبير، لكن الأمر لا يشمل الجوانب السياسية. بعض هذه الإصلاحات هامة فيما يتعلق بالحياة اليومية لذا لا يجب التقليل من شأنها، لكنها ليست تغيرات هيكلية."

تعزيز سلطة ولي العهد

وكتب براون وزميلته ياسمين فاروق - باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي -  مقالا أشارا فيه إلى أن "التحرر الاجتماعي والتحرر السياسي في السعودية لا يسيران جنبا إلى جنب" فيما كان عنوان المقال: "الإصلاحات الدينية في السعودية لن تلمس أي شيء لكنها ستغير كل شيء." في هذا السياق يؤكد الباحثان أن العديد من التغييرات تتعلق بإعادة تعديل الإجراءات والبيروقراطية والتشريعات، لكن لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملية إصلاحية ذات مغزى. كما يشيران إلى أنه من المهم التذكير بأن الكثير من هذه الإصلاحات يمكن إلغاؤها. لكن ما يجب النظر إليه هو أن الإصلاحات ستسفر عن تعزيز مركزية السلطة في السعودية في يد العائلة المالكة.

وفي الواقع هناك بعض الشكوك في أن الإصلاحات في هياكل السلطة من إنشاء مفوضيات ومكاتب جديدة وتنفيذ هذه التغيرات بوتيرة سريعة ليست سوى طريقة أخرى ستفضي إلى تعزيز السلطة في قبضة ولي العهد السعودي وضمان ولاء موظفي الدولة له.

دور السينما جزء من مشروع يهدف إلى القيام بمختلف الأنشطة الثقافية وتشجيعها في السعودية

جمهور في في إحدى دور السينما التي تم السماح بها في السعودية بعد عقود من الانغلاق على الحياة الثقافية

نهاية الوهابية

ويشير البعض إلى أن هذه الإصلاحات ليست سوى محاولة لتقليل قوة ونفوذ رجال الدين في السعودية وأن البلاد تسير بعيدا عن العمود الفقري الديني الراسخ في كافة جوانب الحياة الاجتماعية والقانونية والسياسية. فقد طغت الوهابية التي تعتمد على التطبيق الصارم للشرعية الإسلامية - على ثقافة البلاد لعقود وقد غيرت الإصلاحات الجديدة هذا الأمر.

ويعد أبرز هذه الإصلاحات ما طرأ  على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ تم تقليص بعض صلاحياتها لاسيما صلاحية ملاحقة وتوقيف الأشخاص. وقد اعتاد عناصر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  على تسيير دوريات في الشوارع للتأكد من ارتداء السكان ملابس محتشمة وإغلاق المطاعم والمتاجر أثناء أوقات الصلاة. وفي تعليق على هذا الأمر، قال براوان "من السابق لأوانه القول بإن الوهابية قد انتهت. هناك تركيز أقل على الوهابية ودور الدين في الهوية الوطنية في السعودية".

مجرد دعاية

ورغم كل هذه الإصلاحات، فإن الشيء الذي لم يطرأ عليه تغيير في السعودية يتمحور حول الغموض الذي يكتنف صناعة القرار في المملكة. ويعد هذا السبب وراء حالة عدم اليقين حيال الدوافع الحقيقية للسلطات السعودية في الدفع بهذه الإصلاحات. ويرى المنتقدون أن الاختلاف بين التحرر الاجتماعي والتحرر السياسي لا يزال إشكالية. وأشارت العديد من المنظمات الحقوقية إلى استمرار النفاق السعودي. فعلى الرغم من إلغاء حظر قيادة المرأة للسيارة، يستمر حبس ناشطات طالبن في السابق بوقف هذا الحظر. كذلك لا تزال السعودية تتصدر دول العالم في تنفيذ عقوبة الإعدام، على الرغم من وعود ملكية بتخفيف العقوبة.

"هذه الإصلاحات بالتأكيد لها تأثير، لكن هذا التأثير سيظل محدودا،" وفقا لما ذكرته دعاء دهيني، باحثة حقوق الإنسان في المنظمة الأوربية السعودية لحقوق الإنسان ومقرها برلين. وأضافت أن أي شخص يعارض هذه الإصلاحات قد يتعرض للاعتقال أو الاستنكار أو قد يواجه "عقوبة قاسية". وأشارت دهيني إلى مشروع مدينة "نيوم" الضخم الذي تخطط السعودية لإنشائه على ساحل البحر الأحمر بتكلفة تصل إلى 500 مليار دولار.

وتقول "هناك حديث كثير حول أن مدينة نيوم ستكون مدينة نظيفة خضراء ذات حياة صحية أفضل. لكن في الحقيقة هناك أناس يعيشون منذ أجيال في المنطقة المخطط إنشاء المدينة عليها. وهؤلاء سيتم طردهم من منازلهم لتمهيد الطريق أمام إنشاء مشروع المدينة،" في إشارة إلى قبيلة الحويطات التي تعيش في هذه المنطقة. وقال نشطاء إن أحد زعماء قبيلة الحويطات قتل على يد قوات الأمن السعودية عقب احتجاجه على عمليات التهجير. في هذا السياق، تقول دهيني: "هناك بعض التغيرات لكن لا يوجد اختلاف حقيقي في طريقة التعامل مع السجناء السياسيين أو المدى المسموح به في حرية الرأي". وتؤكد "هذه الإصلاحات لا تؤثر على وضع حقوق الإنسان على نحو حقيقي، وحتى يحدث هذا، فسوف تظل هذه الإصلاحات دعاية".

كاثرين شاير/ م. ع

 

مختارات