استجابة للشعب أم تصفية حسابات.. ماذا يُخطّط له الجيش في الجزائر؟ | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 06.05.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

استجابة للشعب أم تصفية حسابات.. ماذا يُخطّط له الجيش في الجزائر؟

تبدو الساحة خالية تماماً أمام أحمد قايد صالح كي يصوّر نفسه كـ"بطل" انحاز للشعب الجزائري ضد نظام متهم بالفساد، خاصة وأنه تخلّص من أبرز خصومه، لكن ما هي أهدافه الحقيقية؟ وهل ما يجرى يدخل في إطار الثورة أم تصفية حسابات؟

كما تتساقط قطع الدومينو تباعا، يُحاكم أقطاب النظام الجزائري بشكل متتابع، إذ لم يتوقف أثر استقالة عبد العزيز بوتفليقة بداية أبريل/نيسان الماضي عند رحيل رئيس والتمهيد لانتخاب رئيس جديد، بل تعداه لمحاكمة شخصيات كانت من أبرز حكام الظل، خاصة شقيق بوتفليقة، السعيد بوتفليقة، ورئيسي المخابرات السابقين عثمان طرطاق، ومحمد مدين (الجنرال توفيق). ما يجعل الساحة خالية تماماً للقائد العام للجيش، أحمد قايد صالح، حتى يقوّي مكانته في الجزائر، لكنه يواجه يقظة من الشارع الرافع لشعار "يتنحاو قاع" (ليرحلوا جميعا).

محاكمات واسعة

تعدّ محاكمة السعيد بوتفليقة، ضربة قاصمة لمحيط الرئيس السابق، بعدما كان المحيط ذاته يرغب في استمرار مصالحه في البلاد، ولو رحل الرئيس. كان السعيد، الذي يواجه اتهامات بـ"المساس بسلطة الجيش والمؤامرة ضد سلطة الدولة"، المتحكم الرئيسي في قصر المرادية، وتحديداً بعد إصابة شقيقه بجلطة دماغية عام 2013، واستعان في ذلك بشبكة واسعة من العلاقات. وسبق للباحث الجزائري شوقي عرجون أن صرح لـDW عربية كيف أن "السعيد يفضل أن يحكم وراء الستار، والاستثمار في بقاء شقيقه حتى تستمر صلاحياته الكبيرة، لأنه يدرك معارضة أجهزة في الدولة لسيناريو توريث السلطة".

أما بخصوص الجنرال توفيق، فمحاكمته كانت منتظرة نوعاً ما بعد أن أشار إليه قايد صالح بشكل واضح في خطاب يوم 16 أبريل الماضي، عندما وجه له "إنذاراً أخيرا"، واتهمه بالمساهمة في تنظيم "اجتماعات مشبوهة تهدف للتآمر على مطالب الشعب"، قبل أن يهدده بـ"إجراءات قانونية صارمة". ورغم إحالته على التقاعد عام 2015، إلّا أن الكثير من التقارير تؤكد استمرار نفوذ الجنرال توفيق في جهاز الاستخبارات، خاصة أن الجنرال ذاته كان من أكبر المؤثرين في القرار الداخلي للجزائر طوال عقود.

يتشابه مسار طرطاق مع خلفه، فقد كان الرجل الثاني في الاستخبارات قبل إحالة الجنرال توفيق على التقاعد، وكان كذلك من الوجوه الأمنية خلال العشرية السوداء، قبل أن يرتقي ويترأس الاستخبارات ويتحول كذلك إلى مستشار أمني لرئاسة الدولة، إلى غاية إقالته أياماً قليلة بعد استقالة بوتفليقة. ويُعتقد أن محاكمته جاءت بعد "الاجتماعات المشبوهة" السالفة الذكر، إذ ذكرت تقارير إعلامية محلية أن الاجتماع حضره السعيد بوتفليقة وطرطاق وتوفيق.

ويوّضح المحامي والناشط السياسي طارق مراح لـDW عربية، أن نظام بوتفليقة كان ينقسم إلى قسمين، الأول اتجاه يتزعمه الجنرال توفيق، واتجاه آخر يجمع الرئاسة مع قيادة الأركان، وقد اتفق الاتجاه الثاني عام 2015 على عزل الجنرال توفيق وإلحاق جهاز الاستخبارات بالرئاسة واختيار عثمان طرطاق مديراً له،  لكن بعد الحراك تغيّرت المعطيات، إذ تحالفت الرئاسة مع الجنرال توفيق، خاصة وأن طرطاق لا يزال يدين بالولاء إلى مديره السابق، لأجل الوقوف في وجه قيادة الأركان التي انحازت للشعب، وبالتالي محاولة إجهاض التخلّص من النظام السابق، وفق حديث مراح.

استفراد بالحكم؟

ضمّ قايد صالح المديريات التي كان يديرها الجنرال طرطاق إلى وزارة الدفاع مباشرة بعد إقالة هذا الأخير، ممّا يطرح استنتاجات بأن قائد الجيش يرغب بسيطرة تامة على جهاز الاستخبارات. ووسط كل أقطاب النظام، ظهر قايد صالح هو الأقوى خلال هذه الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر، سواءٌ عبر خطبه التي استخدمت في البداية شماعة الاستقرار قبل المرور إلى مغازلة المحتجين، أو عبر كلّ هذه المحاكمات التي يعتقد أنها لم تكن لتبدأ لولا موافقة من قائد الجيش.

Algerien Abdelaziz Bouteflika und Ahmed Gaid Salah

قايد صالح مع بوتفليقة عام 2012

ولم تتوقف المحاكمات عند الشخصيات الثلاث، فأحمد أويحيى، رئيس الوزراء السابق، وجمال ولد عباس، الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، وسعيد بركات، وزير الصحة الأسبق، ومحمد لوكال، وزير المالية الحالي، وشكيب خليل، وزير الطاقة الأسبق، كلهم يواجهون تهما متعددة حول شبهات فساد مالي.

المحاكمات المالية وصلت كذلك إلى عدد من رجال الأعمال، فقد اعتُقل علي حداد، الصديق المقرّب للسعيد بوتقليقة، ورئيس منتدى رؤساء المؤسسات، وكذلك اعتُقل الأشقاء الثلاث كونيناف، ولم تستثنِ الاعتقالات حتى يسعد ربراب، أغنى رجل في الجزائر، رغم خروجه في المظاهرات ضد بوتفليقة. كما عاد مدير الشرطة السابق، عبد الغني هامل، إلى الواجهة، لأول مرة منذ إقالته عام 2018، بعد بدء محاكمته رفقة نجله، فضلاً عن مسؤولين آخرين.

هكذا يسود تخوّف من استغلال قايد صالح للحراك الشعبي لأجل إزاحة خصومه، خاصةً أن الجزائر لا تتوفر حالياً على أيّ شخصية في مقاليد القرار بحجم قوة قائد الجيش، فالشارع يرفض تماماً استمرار عبد القادر بن صالح رئيساً مؤقتاً للبلاد، والأحزاب الموالية للنظام تعيش أياماً صعبة، والمعارضة في البرلمان لم تنجح في تقديم شخصية تحشد الإجماع، والشارع لم يتوحد على اسم واحد، وجهاز الأمن لا يزال يعيش على أثر التغييرات العديدة التي وقعت في رئاسته خلال المدة الأخيرة.

"هذه المحاكمات هي محاولة لتصفية الحسابات ضد شخصيات كانت محسوبة على الجيش وتقاعدتْ كمديريْ الاستخبارات" يقول إسماعيل معراف، الأستاذ الجامعي، لـDW عربية، مضيفاً: "قائد الأركان لديه دعم كبير من قوى خليجية لأجل أن يكون سيسي الجزائر، ولديه أخطبوط إعلامي في الجزائر لأجل إيهام المتتبعين أن ما يجري يدخل في إطار تلبية مطالب الشعب. نحن نعيش أحداثاً دراماتيكية تشبه المسلسلات، فالعسكر ينقلب على العسكر".

كيف سيرّد الحراك الشعبي؟

يحمل الجيش الجزائري رمزية كبيرة لدى الشعب الجزائري، خاصة وأنه يُنظر إليه دستورياً على أساس أنه سليل المقاومة ضد الاستعمار، لكن هذه الرمزية لم تمنع الجزائريين من التخوّف من سيناريو جديد يجهض الثورة، لذلك كانت الشعارات التي رفعها المتظاهرون يوم الجمعة الماضي، بالغة الدلالة، عندما كرّروا "الجيش ديالنا (مِلكنا) والقايد خاننا)، و"القايد صالح.. إرحل"، فيما معناه أن هناك إصرارًا بين فئات من المحتجين على التصعيد.

ويحاول قايد صالح طمأنة المحتجين بتأكيده في خطبه تمسكه بـ"الدستور"، وأن تغيير بنود الدستور ليست من صلاحياته، بل من صلاحيات "الرئيس المنتخب مستقبلاً وفقا للإرادة الشعبية الحرة". لكن ماضي الجزائر مع الانتخابات، يوّضح كيف أن البلاد أديرت أكثر من مرة في الخفاء من حكام الظل بينما تحوّلت الانتخابات الرئاسية في مراحل كثيرة إلى شكل صوري. وهو ما يتفق معه إسماعيل معراف بالقول إن "ورقة الطريق التي يصرّ عليها قايد صالح، أي الذهاب إلى الانتخابات يوم 4 يوليو، جرى إعدادها في الخارج حتى يكون حاكماً فعلياً بعد اختيار رئيس كارتوني".

ولا يعتقد طارق مراح أن الجيش سينسحب بسهولة من المشهد السياسي، والحل لن يكون سوى باستمرار النخب المدنية في مواصلة للحراك لأجل مزيد من الضغط، موضحاً: "صحيح أن مرافقة التغيير نقطة تحسب لقيادة الأركان، لكن تدخلها في المجال السياسي لن يقبله المحتجون، لذلك لا أستبعد استمرار الاحتجاجات".

ويدرك المتتبعون أن قوة الجيش الجزائري وتأثيره في البلاد قد يقف حائلاً أمام توحد المتظاهرين ضد قيادته، لكن إسماعيل معراف، ورغم تأكيده أن "قاد العسكر في الجزائر قوة ضاربة وإن اختلفوا"، فإنه يستدرك أن لا أحد كان يظن قبل أشهر أن الشعب سيخرج بالملايين لإنهاء حكم بوتفليقة، مبرزاً أن جلّ شرائح المجتمع يعون أن قايد صالح "كان جزءاً من العصابة، بل وكان حاميها". 

الكاتب: إسماعيل عزام   

مواضيع ذات صلة