نزار حيدر: الديمقراطية عملية تراكمية | العراق اليوم | DW | 08.04.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

العراق اليوم

نزار حيدر: الديمقراطية عملية تراكمية

أعزوالموقف السلبي للدول العربية من التجربة الديمقراطية في العراق الى توجس الانظمة الحاكمة خيفة منها على اعتبار ان الديمقراطية تقف على النقيض من الديكتاتورية والنظام الشمولي والبوليسي، وهو حال هذه الانظمة التي وصلت الى السلطة اما عن طريق التوارث او بالانقلابات العسكرية، ما يعني انها لا تمتلك الشرعية الحقيقية التي تستمد قوتها من الشعب عبر صندوق الاقتراع في اطار مبدا التداول السلمي للسلطة.

لقد سعت هذه الانظمة، ولا تزال، الى اجهاض العملية السياسية الجديدة في العراق وبكل السبل والوسائل، للحيلولة دون نجاح العراقيين في بناء تجربتهم الجديدة مع الديمقراطية، والتي ستتحول الى نموذج يحتذى في المنطقة، وعند الشعوب العربية المقهورة تحديدا، وها هم اليوم يشككون بالعملية الانتخابية الاخيرة وكانهم مصدر الديمقراطية ونموذجها الذي تقاس عليه بقية التجارب في المنطقة والعالم، ناسين او متناسين ان شعوبهم لم تقف ولا مرة واحدة امام صندوق الاقتراع في انتخابات حرة ونزيهة كالتي جرت وتجري في العراق الجديد.

ان العملية الانتخابية في العراق هي الاولى من نوعها التي لا يجريها النظام الحاكم واجهزته البوليسية والقمعية، وهي الوحيدة التي لا تشرف عليها اجهزة الامن والشرطة والبوليس السري التابع للنظام القمعي، بل ان الذي اشرف عليها واجراها واعلن نتائجها هي المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهي مؤسسة دستورية لا تتبع الحكومة او الاحزاب الحاكمة، وانما تستمد شرعيتها من ممثلي الشعب العراقي (مجلس النواب) الذي اسسها بتشريع دستوري وقانوني، ولذلك راينا كيف ان النتائج جاءت بخلاف ما توقعه كثيرون، لدرجة ان الكثير من المراقبين اعتبروا ان الفائز فيها هي المعارضة وليست الحكومة، بمعنى من المعاني، ما يعني ان نتائجها لم تكن معروفة سلفا كما هو الحال بالنسبة الى الانتخابات الاستعراضية التي تجري بين الفترة والاخرى في بعض الدول العربية والتي تكون نتائجها محسومة سلفا لصالح الحزب الحاكم والزعيم الضرورة و بنسبة (99.99%).

كما راينا كيف انها اطاحت برؤوس كبيرة كثيرة واستخلفت اخرى، ما يدلل على انها كانت تتمتع بنزاهة وشفافية عالية، من دون ان يعني ذلك عدم وجود بعض الخروقات او المشاكل التي صاحبت العملية الانتخابية، وهو الامر الذي دفع بعدد من الكتل المتنافسة الى الطعن فيها حسب الاصول والسياقات القانونية.

ولا زال الاعلام العربي، وللاسف الشديد، يتعامل بعدوانية مع هذه التجربة وان مرد ذلك يعود الى انه اعلام مسيس يتخذ عادة جانب المواقف الرسمية للانظمة الداعمة والممولة له، والا ماذا يعني انه يتهجم ليل نهار على التجربة السياسية الجديدة في العراق، والتي تبقى، في كل الاحوال، انها تجربة ديمقراطية، فيما يغض النظر عن الديكتاتوريات الحاكمة في بلدان العالم العربي؟ الديكتاتوريات التي سحقت كرامة الانسان وصادرت حقوق المواطن فميزت بين الاسرة الحاكمة او اسرة الحاكم، لا فرق، وبين الاخرين على اسس جاهلية ما انزل الله تعالى بها من سلطان، ما خلق كل هذه الطبقية الاجتماعية والاقتصادية وغيرها؟.

كم اتمنى ان ينشغل هذا الاعلام بما هو اهم بكثير من هجومه على التجربة الديمقراطية في العراق، فينشغل مثلا بمعالجة قضايا النظام الشمولي وخطره على الشعوب، وقضايا حقوق الانسان وكذلك قضايا التنمية والامية والجهل والفقر والتمييز ومشاكل الفساد المالي والاداري وتضييع المال العام على التوافه من الامور والتسليح غير المبرر وغير ذلك من القضايا التي تعاني منها الشعوب العربية.

اتمنى عليه ان ينصرف لمناقشة القضايا المصيرية والتحديات الكبرى التي تواجه شعوبه والتي تقف على راسها التاهيل للعيش بكرامة في ظل العولمة ونظام القرية الصغيرة.

اتمنى عليه ان ينصرف لتعليم الشعوب كيف تنعتق من ربقة الانظمة الشمولية لتبني مجدها في هذا العالم في ظل انظمة ديمقراطية تحترم حقوق الانسان ولا تسحق كرامته ولا تصادر رايه ولا تقمع صوته، ثم بعد ذلك يدع العراق للعراقيين فهم ادرى بحالهم ويعرفون كيف يتصرفون وماذا عليهم ان يفعلوا لتجاوز المرحلة الصعبة والمعقدة التي يمرون بها اليوم؟ فلقد مر العراقيون باخطر من هذه المرحلة وتجاوزوها بطريقة او باخرى، فلماذا يصب هذا الاعلام الزيت على النار في العراق؟ ولماذا لا يوفر زيته ليصبه في قنديل شعوبه لينير لها الدرب لمساعدتها على النهوض من تحت ركام الانظمة البوليسية التي لا زالت تحكمه منذ عقود طويلة من الزمن ومن دون افق منظور للخلاص من هذه الحالة المزرية؟.

الى متى يبقى الابناء يتوارثون سلطة الاباء وكأن البلاد ملك اسرهم وليس للاخرين اي حق فيها وفي خيراتها؟ او كأن الله تعالى لم يخلق غيرهم يفهم بالامور ويعي الاوضاع؟.

عن سلسلة التفجيرات الارهابية الاخيرة التي شهدتها العاصمة بغداد وعدد من المحافظات الاخرى، قال نـــــزار حيدر:

اولا؛ اتمنى ان لا يكون لتوقيت تنفيذ هذه الاعمال الارهابية اية صلة بالتهديدات والتحذيرات التي اطلقها قبيل التفجيرات عدد من قادة القائمة (العراقية) والتي قالوا فيها ان عدم تشكيلهم للحكومة الجديدة سيدفع بالعراق الى المربع الاول فيعود العنف الطائفي والقتل والارهاب من جديد، خاصة وان هذه التفجيرات وقعت في مناطق ذات الاغلبية الشيعية.

ان الذين ربطوا بين عدم تشكيل (العراقية) للحكومة الجديدة وبين عودة العنف الطائفي يوحون للمستمع وكانهم يلوحون بعصا الارهاب لفرض انفسهم على العراقيين، بعد الايحاء للراي العام وكأن ابعادهم عن تشكيل الحكومة هو بمثابة اقصاء لهم عن العملية السياسية، في الوقت الذي يفترض فيه انهم يعرفون جيدا بان الدستور العراقي يمنح الكتلة النيابية الاكثر عددا حق تشكيل الحكومة وليس الكتلة النيابية التي بين اعضائها لون معين من الوان المجتمع العراقي، كما ان الدستور اشترط ضمان تحقيق نسبة (50 + 1) من عدد النواب الكلي لحصول الحكومة على ثقة البرلمان، ما يعني امكانية ان يظل ما نسبته (50 – 1) من اعضاء البرلمان خارج تشكيلة الحكومة، فهل يعني ذلك انهم اقصوا من العملية السياسية؟ ام ماذا؟ وهل ان الذي يجلس تحت قبة البرلمان خارج العملية السياسية؟ ام ان الحكومة هي وحدها التي تمثل العملية السياسية؟ اوليس مجلس ال نواب جزء مهم جدا ولا يتجزا من مؤسسات الدولة العراقية؟ وانه على راس الهرم التشريعي في العملية السياسية؟ فلماذا يعتبرون ان كل من لا يشترك في تشكيلة الحكومة الجديدة بمثابة الاقصاء له؟ ولذلك فانا شخصيا اعتبرت اطلاق مثل هذه التهديدات والتحذيرات بمثابة التحريض على العنف بشكل من الاشكال، خاصة وان هناك من يتربص بالعملية السياسية لتخريبها، وعلى راسهم تنظيم القاعدة الارهابي وايتام النظام البائد الذين يسعون بكل الطرق للعودة الى السلطة لاعادة العراق الى سابق عهده يحكمه الحزب الواحد والزعيم الاوحد، والغاء التعددية ومبدا التداول السلمي للسلطة، والذي ضمنه الدستور العراقي الذي صوت عليه العراقيون بدماء نحورهم قبل حناء اصابعهم باللون البنفسجي.

يجب ان نتذكر دائما بان الديمقراطية عملية تراكمية، ولذلك فهي بحاجة الى الوقت اللازم لتستقر على ارض الواقع، خاصة في بلد كالعراق الذي خرج للتو من تحت انقاض وركام النظام الشمولي الديكتاتوري فيما لازالت تحيطه انظمة شمولية تتربص به الدوائر، وهي بهذا الشئ تختلف عن الديكتاتورية التي يؤسس لها البيان رقم واحد الذي يتلوه اللصوص المسلحون (الانقلابيون) حال سيطرتهم بدباباتهم على القصر الجمهوري ايذانا باستحواذهم على السلطة.

ان ما انجزه العراقيون لحد الان لهو امر مدهش، اذ نجحوا لحد الان في طي عدة صفحات من هذه العملية التراكمية التي راكمت الخبرة والتجربة، ليس عند الناخب فحسب وانما كذلك عند المسؤول الذي تعلم ان من اصول وقواعد الديمقراطية هو استعداده الدائم لترك موقعه حال شعوره بان الناخب لم يعد يرغب برؤيته في هذا الموقع او ذاك، ليعود، بعد سني الخدمة في موقع ما، الى منزله كمواطن صالح تاركا السلطة للاخرين الذين منحهم الناخب ثقته عبر صندوق الاقتراع ليتسنم بها موقعه الجديد، وهكذا.

7 نيسان 2010