نزار السامرائي:ولادة الحكومة بعملية قيصرية | خاص: العراق اليوم | DW | 14.10.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

نزار السامرائي:ولادة الحكومة بعملية قيصرية

لا يستطيع أحد ومهما كانت درجة اقترابه في المعاينة الميدانية لمسار انتخابات آذار الماضي أن يعطي رقما دقيقا أو نسبة قريبة لمن شارك فيها أو أحجم عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع استنكافا وليس لخوف من قنبلة موقوتة أو سيارة مفخخة أو مسدس كاتم للصوت ، ومن أجل أن نتحاكم مع العملية السياسية بقواعدها وأرقامها فسوف نسلم جدلا بأن ما أعطته مفوضية الانتخابات كانت صحيحة وأن الفرز والعد الآلي واليدوي صحيحان أيضا ، حينذاك سيكون علينا التعامل مع نصف العراقيين الذين يحق لهم التصويت على أنهم عينة صالحة لإصدار حكم موضوعي لتقييم ظاهرة الانتخابات والديمقراطية المستوردة على ظهور حاملات الطائرات والبوارج الأمريكية ، وبحكم القيم الديمقراطية فليس من حق أحد أن يبتئس إذا ما امتنعت أية نسبة من المواطنين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع ، فكما أن حق المواطن مصان في الإدلاء بصوته فحقه مصان أيضا في ألا يفعل ذلك ، وليس من حق الحكومة أن تكلف الشرطة بإخراج المواطنين من بيوتهم والذهاب بهم إلى مراكز التصويت رغما عنهم حتى إذا وفرت لهم الأمن أو دفعت لهم المال وهيأت لهم وسائط النقل ، فتلك عادات شرقية لم يعد لها ذكر في الديمقراطيات الغربية التي يباهى ديمقراطيو عراق الاحتلال بأنهم يقتفون آثارها خطوة بعد أخرى ولهذا نراهم يحرصون على تضخيم أرقام المشاركين في الاستفتاءات والانتخابات .

وعلى وفق هذه القراءة فغالب الظن أن الناخب العراقي الذي صوّت في انتخابات آذار ، وعلى الرغم من التزوير والتلاعب بإرادته أراد أن يهزم جميع القوائم المتنافسة ولكن بطريقة مبتكرة لأنه يعي جيدا بأن واحدة منها لا بد أن تكون في الطليعة وأخرى في آخر الركب ، فاختار الوعي الشعبي التلقائي أن يمنع الفوز عن جميع المتصارعين على غنيمة العراق فأوقع الجميع في مأزق البحث عن قوارب نجاة وتحالفات مع أطراف كان قد رفضها استهانة بها واستنكافا عن مد اليد لها أو كانت هي التي رفضته للأسباب نفسها قبيل الإعلان عن الكيانات الداخلة في سباق الامتيازات التي يمنحها مقعد برلماني واحد في العمر تفوق عمرا وظيفيا كاملا لمواطن عراقي آخر على نحو يخل بنص دستوري يؤكد أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات ، فالنائب لا يقوم بشيء ليحصل على كل شيء لمجرد أنه كان على استعداد لتحمل مقامرة دخول المعترك السياسي حتى إذا كان مجردا من الخبرة والمؤهلات ، من داخل قبة البرلمان التي توفر مالا وفيرا وانتزاعا قسريا لكثير مما يعتز به الإنسان في حياته ، وهكذا نزع الجميع شروطهم السابقة ومدوا أيديهم لمن كانوا قد أقسموا بألا يصافحوها تأسيسا على مبدأ أن كلام الدعاية الانتخابية تمحوه نتائجها وأن السياسة بلا قلب وأحيانا بلا كرامة ، وحاولت أطراف بث الروح في هياكل محنطة بعد أن أخرجتها من متحف التاريخ الطبيعي وقدمت تنازلات مذلة من أجل الحفاظ على غنيمة الموقع حتى لو أدى ذلك إلى النكوص على المبادئ المعلنة إن كانت هناك مبادئ وتجارة الوعود الملونة التي كيلت بغير حساب من أجل الحصول على التأييد في المزايدة العلنية لبيع منصب رئاسة الحكومة .

جاءت نتائج الانتخابات مخيبة لآمال المالكي الذي اعتمد مبدأ القياس على انتخابات مجالس المحافظات في كانون الثاني / يناير 2009 فظن أنه سيحصد منفردا أكبر عدد من المقاعد التي تؤهله منفردا أيضا لتشكيل الحكومة والبقاء أربع سنوات أخرى ، ولهذا فقد أعصابه وتوازنه في الأيام الأولى التي تلت إعلان النتائج ، فالمال الذي أنفق كان أكبر من أن يخيب ظنونه ، وتحريك أجهزة الأمن والجيش والمحافظين ، كان ينبغي أن يحسم المعركة ولكن لا المال ولا التدخل ولا تفريغ صناديق الاقتراع ووضع أوراق بدلا من محتوياتها نفعت في تحقيق حلمه ، ومن حق المراقب أن يسأل أية صورة يحملها له الناخب بحيث لم تغير وجهته الأموال والوعد والوعيد ؟

لم يكن المالكي هو الخاسر الوحيد بل خسر معه آخرون كثر ، ولعل أكبر الخاسرين كان الخطاب الطائفي الذي أريد له أن يطبع مرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث ، فقد سقط في اختبار القبول الشعبي طرف أراد احتكار الزعم بتمثيل العرب السنة ، متماهيا مع الخطاب الطائفي المضاد في هذه الأطروحة ، وربما كانت هذه أهم رسالة أراد العراقي توجيهها إلى رموز العملية السياسية .

وكما نشطت القوائم المتنافسة لإعادة هيكلة تحالفاتها ، فقد اندفعت الولايات المتحدة لممارسة أكبر قدر من الضغوط على القائمة العراقية وائتلاف دولة القانون للدخول في تحالف حكومي يقطع الطريق على أطراف أخرى ترى فيها قوى منفلتة وغير منضبطة ويمكن أن يلحق اندفاعها ضررا يفوق النفع المرجو ، ولكن العقدة المركزية كانت المنصب السحري والسلطات المطلقة لرئيس الوزراء ، فلا المالكي الذي تشرب بحلاوتها أكثر من أربع سنين بقادر على التخلي عن امتيازاتها ، ولا إياد علاوي الذي مر على هذا المنصب مرورا عابرا يستطيع نزع هذا الحلم عن مخيلته ، ويبدو أن إياد علاوي يشعر بأسى شديد لأنه لم يعتمد أسلوب المالكي بالاستماتة للتمسك بالمنصب عندما قبض عليه أول مرة ، فقرر أن يعود إليه لاسيما وأنه على وفق نتائج الانتخابات أحق شخص به .

الولايات المتحدة لم تفقد رهانها حتى الآن على نوري المالكي فهو الذي وقع الاتفاقية الثنائية مع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش ، وتعلق عليه آمالا كبيرة في صيانة التحالف بين البلدين دون أن تضطر للدخول بنفسها في مغامرات سياسية وأمنية من أجل هذا الهدف .

بالمقابل كانت إيران تراهن على المالكي نفسه ،وهذا هو الذي أثار تساؤلات عن أسباب الالتقاء بين خصمين يتبادلان التهم والتهديدات ليل نهار ، ربما لا أريد الذهاب بعيدا للحديث عن نقاط الالتقاء بين طهران وواشنطن وهي كثيرة ، ولكنني سأفترض أن لهما حسابات متباينة في هذا الخيار ، فالمالكي بحكم وجوده في الحكم أربع سنوات ، استطاع أن يلف حوله حاشية من المنتفعين ، ويمتلك بعضا من أدوات السلطة وإغراءاتها ، ولهذا فمن الطبيعي أن تفترض الدول التي لها مصالح كبيرة في العراق وتريد تطويرها وزيادة حجمها ومساحتها أو على الأقل الحفاظ عليها أن الاعتماد على حليف قليل النفع والضرر تمت تجربته عن قرب ، خير من البحث عن مجهول حتى إذا قريبا مفترضا بما يطرح من شعارات يمكن أن يحمل مفاجئات غير سارة ، لذلك التقى الأمريكيون والإيرانيون في العراق مرة أخرى كما كان حالهم منذ 1991 حتى الآن ، ولكن طهران تسعى إلى عقد تحالف للمالكي مع الائتلاف الوطني العراقي الذي رعت بثقلها محاولة دمجه في التحالف الوطني العراقي ، ولكن التحالف فيه رغبات مختلفة فيما يتعلق بمنصب رئيس الوزراء الذي يصر عليه المالكي ، والذي يتطلع إليه بقوة مكافئة عادل عبد المهدي ، ثم أن التيار الصدري الذي يحمل موروثا من عمليات صولة الفرسان عام 2008 ضد المالكي ، كان قد ورط نفسه وأعلن أنه يضع خطوطا حمرا على ترشيح المالكي للمنصب المغري ، ونسي التيار المذكور أنه لا يملك لنفسه حقا في اتخاذ القرار السياسي ، فطهران وحدها التي تفكر نيابة عنه وتخطط له وتتخذ القرارات وما عليه إلا أن ينصاع لما يأتيه مكتوبا وما عليه سوى ترجمة النص من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية ، الصورة الآن هي كما يلي ، المالكي تدعمه أمريكا وتريد له تحالفا مع إياد علاوي ، وتدعمه إيران أيضا وتريد له تحالفا يحافظ على نفوذها المتنامي في العراق للقفز عبره إلى المنطقة ، ولم تتمكن من تفكيك الائتلاف الوطني العراقي ، بل جاءت بالتيار الصدري الواجهة السياسية لجيش المهدي وفيلق القدس الإيراني وعصائب أهل الحق ، ودفعت بهذا التحالف إلى واجهة الأحداث ، ولكن المالكي المتهالك على موقعه ، نسي في حمأة الصراع وما يثيره من غبار يحجب الرؤية أنه قد يخسر الدعم الأمريكي بسبب تعقيدات المشهد العراقي الذي يحتل فيه التيار الصدري واجهة الأحداث ، ليس هذا فقط بل أن قوى سياسية محلية تضع جدرانا أكثر ارتفاعا من تلك التي وضعتها واشنطن ، بسبب تاريخ مليء بالدماء سجله جيش المهدي عامي 2006 و 2007 ما تزال ذيوله تستدعي الكثير من الشك وسوء الظن ، ومن كان تاريخه بقتامة جيش المهدي لا يحق له أن يجلس في مواقع المسؤولية فالكل يذكر أن وزارة الصحة التي يفترض أنها أكثر المؤسسات إنسانية تحولت على أيدي القتلة من عناصر جيش المهدي إلى مسالخ ومصائد للمرضى لأنهم من لون معين ، بحيث اقترب الناس معها من نسيان مثاقب صولاغ الكهربائية .

الملف العراقي بيد قوى لا تريد للعراق صلاحا ، بل يتركز همها على إبقائه ضعيفا مفككا كي تشعر بالاطمئنان إلى أنها تعبث بأمنه وأهله دون رد ، فمتى ينتقل الملف من الأيدي العابثة داخليا وخارجيا إلى الأيدي الوطنية كي تنهض بمهمة بناء الدولة العراقية من جديد ؟ جواب ذلك منوط بكل عراقي يشعر بحق ثابت له أن ينتمي إلى بلد يفخر بإنتمائه إليه ويجاهر بذلك دون خجل أو تردد .

نشر في جريدة راية العرب / الصادرة في بغداد