نبراس الكاظمي:التحكم بسعة الإنتاج النفطي العالمي بمثابة حيازة سلاح نووي | خاص: العراق اليوم | DW | 30.09.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

نبراس الكاظمي:التحكم بسعة الإنتاج النفطي العالمي بمثابة حيازة سلاح نووي

صرح السيد ثامر عباس الغضبان, كبير مستشاري رئيس الوزراء نوري المالكي, لوكالة اصوات العراق الاسبوع الماضي ان زيادة الإنتاج النفطي المتوقع للعراق في السنوات المقبلة ستواكبها "اجتماعات مع الدول الاعضاء في اوبك لتحديد حصة العراق من الإنتاج وبطريقة مسؤولة حرصاً على المنظمة وتطورها, [شرط] ان لا تؤثر اي زيادة في الإنتاج بشكل سلبي على اي من الدول الاعضاء".

الغضبان كان شغل سابقا منصب وزير النفط في حكومة اياد علاوي ومديرا عاما للتخطيط في الوزارة ذاتها في آخر رمق من نظام صدام، وهو موظف مقتدر بلا شك وخبير في مجاله ولكن تصريحه, وإن كان لا يبدو خطيراً للوهلة الأولى، فإنه قول إما غشيم او قول مدسوس، الغرض منه التفريط بأهم نفوذ يملكه العراق للتاثير مستقبلا على الكثير ممن لا يريد لبلدنا الخير والإزدهار، فالتحكم بسعة الإنتاج العالمي يعد بمثابة السيف المسلط على رقاب العديد من حكام النفط.

من المتوقع ان ينتج العراق ما يزيد عن 13 مليون برميل نفط في عام 2017، في حال انجاز 75 بالمئة من الزيادة المتوقعة ضمن جولة التراخيص التشغيلية لعشرة حقول عملاقة التي تمت المصادقة عليها العام الماضي والمعروفة بـ"التي اس سي" (حسب اختصارها باللغة الإنكليزية), وذلك على احسن تقدير. وحتى إذا تم تشغيل 50 بالمئة فقط من الاهداف المرجوة في اقل التقديرات فإن ذلك سيأتي بسعة إنتاجية تبلغ حوالى 11 مليون برميل في سبعة اعوام فقط، في حين ان إنتاج العراق اليوم يتراوح بين الإثنان و2.5 مليون برميل يومياً. وبذلك فان معدل الإنتاج اليومي سيتضاعف خمس مرات خلال سنوات معدودة ليتعدى اعلى التقديرات لإنتاج السعودية (حالياً 10 مليون برميل) وروسيا (10 مليون برميل). وعليه فان العراق سينتقل من الموقع الثاني عشر (بعد السعودية, روسيا, امريكا, ايران, الصين, كندا, المكسيك, الإمارات, البرازيل, الكويت وفنزويلا) إلى الموقع الأول، اي ان الزيادة وحدها ستعادل الإنتاج الكلي لإيران والإمارات والكويت.

هذه الأرقام تعتبر بمثابة إنقلاب إقتصادي عالمي يضع العراق بموقع الآمر الناهي وله القول الفصل في التوازنات الإقتصادية بين الكبار.

هل العراق وسياسوه مدركون لهذه القوة التي ستصبح بين متناولهم؟ هل هم مؤهلون للتصرف بهذه القوة لما يصب في مصلحة العراق الإستراتيجية؟

في السنوات السبع المقبلة، اي ما يقل عن دورتين برلمانيتين، سيشهد العراق اكبر عملية انتقال من الإحتياط النفطي إلى السوق العالمي منذ بداية تاريخ الإستهلاك العالمي للنفط التي بتدأت بشكل حقيقي قبل قرن. ما انتجه العراق خلال الاربعة عقود الماضية (حوالي 20 بليون برميل) بلغ مجرد خُمس ما انتجته السعودية في نفس المدة ونصف ما انتجته ايران ويقارب إنتاج الكويت والإمارات. أي ان المدخول النفطي المتوقع سيحطم كل الارقام التي عرفها العراق في ميزانياته الماضية، حتى خلال ما يسمى بـ"أيام الخير" في السبعينيات.

كون العراق المنتج الاكبر للنفط سيجعله تلقائيا الطرف المحدد لأسعار النفط عالميا مما سيسحب هذه السلطة من دول مثل السعودية ومنظمة مثل اوبك التي كانت تحتكر سابقا هذه الصلاحية. وسيكون بإمكان العراق أن يخفض السعر العالمي للنفط من دون الإضطرار إلى التقشف في الميزانية. حتى في حال انخفاض سعر البرميل سيكون بامكان العراق التعويض بمضاعفة إنتاجه ووضع شروط تجارية وعلمية مرادفة على اكبر الدول الإستهلاكية مثل امريكا والإتحاد الأوروبي والصين والهند. ولكن دولا مثل السعودية ستضطر إلى التقشف لأنها حاليا تقف على عتبة اعلى انتاجها وقد اعتادت على حجم ميزانية معين.

كان العراق ظفر في عقود الـ"تي اس سي" بـ 95 بالمئة من الارباح المتوقعة. وتعتبر هذه العقود طفرة نوعية في هذا النمط من التعاقد بين الشركات العالمية وطرف شرق اوسطي, واضعة بذلك نموذجا جديدا يحدد طبيعة ودور الدولة المنتجة في المعادلة النفطية عالميا. والفضل في هذه الامر لا يعود للدكتور عبد الحسين الشهرستاني، وزير النفط الحالي، ولا للسيد رئيس الوزراء، وإنما لموظفي الوزارة الإداريين المتمرسين الذين صاغوا شروط الـ"تي اس سي" واسدوا خدمة لبلدهم سيشعر بها العراقيون لعقود من الزمن، هذا في حال فضلوا الديموقراطية والإستقرار على الحروب والإستبداد.

الغضبان يعد من نفس فصيل هؤلاء الموظفين المبدعين الذين حققوا هذا الإنجاز الكبير للبلد، ولكن يقتصر دورهم على هذا الحد وهم مشكورون. اما قرار تحديد الإنتاج والتلويح بالتصرف الإنفرادي من دون الرجوع إلى الأوبك، او حتى الإنسحاب من الأوبك، فيعود إلى حكماء البلد، إن وجدوا، لصياغة استراتيجية امنية واقتصادية طويلة الأمد للإستفادة من هذه القوة العملاقة. فليس من صلاحية الغضبان طمانة السعودية، او الأعضاء الآخرين في أوبك، لعدة اسباب اهمها ان السعودية وغيرها من دول الخليج لعبوا دورا تخريبيا من الناحية الامنية والسياسية والاقتصادية وبالتحديد اعلاميا لوأد العراق الجديد وهو في اول سنواته، ولم يتعضوا بعد من هذه السياسية المرسومة على اعلى المستويات والتي تصل إلى حد اهانة رئيس الوزراء العراقي على لسان الملك السعودي. وبالتالي، ليس من واجب العراق ان يجعل حكام السعودية يخلدون إلى النوم بإرتياح وطمانتهم في حين بإمكاننا التلويح بإنحسار سعر البرميل إلى نصف ما هو عليه الآن، حسب مزاجنا ومصالحنا، لأن حسابنا معهم طويل، وهم مستمرون بدون رادع بإيذائنا.

ولا يخفى على احد ان حضوة السعودية لدى امريكا وغيرها تعود الى قابلية المملكة على سحب الـ"هاند بريك" على ارتفاع اسعار النفط من خلال زيادة الإنتاج او حتى من خلال الإشارة إعلاميا بذلك. وهذه القابلية سمحت لملك السعودية بالتواجد سنويا في اجتماع اهم عشرين دولة في الإقتصاد العالمي، ما يعرف بـ"الجي 20"، مما يفسر ايضا سبب وجود 10,000 طالب جامعي سعودي في الكليات الأمريكية الآن على الرغم من الدور السعودي في احداث الحادي عشر من ايلول 2001، في حين ان عدد الطلبة العراقيين لا يتجاوز العشرات. فلماذا ابواب افضل الجامعات العالمية مفتوحة امام شباب السعودية في حين ان حلم الطالب العراقي يقتصر حاليا على قبول في جامعات من الدرجة الثالثة في الأردن؟

إن استطاع العراق ان يخفض اسعار النفط حينما يشاء فإن ذلك سيجعله الفتى المدلل في كافة عواصم العالم، خصوصا وان الإقتصاد العالمي عالق بدوامة من التباطؤ والإنحسار. اشار تقرير نفطي نشر بشكل محدود في امريكا مؤخرا، الى أنه في حال نجاح العراق بخفض مجرد خمسة بالمئة من سعر النفط العالمي على مدى 25 عشرين سنة فان التوفير المتوقع في الخزينة الأمريكية، كون امريكا اكبر مستهلك للنفط، سيعادل ترليون دولار. وهذا اول الغيث! إذن، ماذا ستكون قيمة العراق استراتيجيا لأمريكا ولغير امريكا في هذا الحال؟

الاستنتاج الاولي يدل على ان العراق سيصبح، بكل بساطة، البديل للسعودية في مجال الأمن النفطي بالنسبة لأمريكا. وهذا امر مخيف جدا لحكام النفط، اينما وجدوا في الرياض او طهران او الدوحة او ابو ظبي. فقد يتسابق البعض لحيازة قنبلة نووية، لن يطلقوها ابدا إلا إذا اصابهم الجنون، ولكن الغاية منها إخافة الغير وردعهم عن التحرش الأمني والإقتصادي. وهذه معادلة تستفيد منها تل ابيب وتسعى لها طهران وانقرة. ولكن العراق ليس بحاجة لسلاح نووي لإستعراض عضلاته، فله ان يستعيض عن الزر النووي بعدادات النفط.

بالطبع، فان العراق امام شوط طويل لتشذيب جهازه البيروقراطي ووضع بنية تحتية لتصدير هذا الكم الهائل من النفط المنتج، إن كان من خلال بناء موانئ ومنصات او مد انابيب جديدة او رصد الفساد والتهور في الصرف والترف التي تواكب طفرات من هذا النوع. وعلينا كعراقيين رصد حملات التخريب التي سيطلقها من سيتضرر اقليميا (السعودية) او عالميا (روسيا والصين) من قابلية العراق في التحكم بأسعار النفط, ومنعهم من شراء الذمم ودس المأجورين في اعلى سلم الدولة لتشويه وتعطيل وتظليل التطلعات الإستراتيجية الجديدة. ولكن كون العراق مقبل على هذه القوة سيكون له الكثير من الأصدقاء والأنصار ممن سيرون مصلحتهم من مصلحة العراق. وسيأتي إلينا الخبراء من كل صوب وحد وعلينا ان نستفيد من خبراتهم في كافة المجالات التي يبرع فيها الآخرون ونحن متأخرون عنها.

العراق مقبل على فترة ذهبية. وعلى حكماء البلد التيقظ لما سيعنيه ذلك ليس للعراق فقط بل لمنطقة الشرق الأوسط والعالم. علينا ان نختار حلفاءنا بتريث، وان نوجه الطعنة المميتة لمن يصر على استعداؤنا. هذه مسؤولية عظمى قد تعيد رسم الخرائط، وقد تدك العروش.

وعلى السيد الغضبان وغيره إلتزام الصمت حينما يصل الأمر إلى امن العراق الإستراتيجي.