كابوس الإرهاب يضاعف محنة فقراء قرى تونس | سياسة واقتصاد | DW | 24.11.2015
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

كابوس الإرهاب يضاعف محنة فقراء قرى تونس

في 2011 أحرق شاب نفسه ليلفت انتباه العالم إلى الفقر والبؤس في جنوب تونس، مفجراً بفعلته الربيع العربي. واليوم يقطع إرهابيون رأس فتى في منطقة ما زالت على فقرها مضافاً إليه الإرهاب.

تشعر عائلة الطفل الراعي مبروك السلطاني وأفراد عشيرته بالامتنان إلى الكلاب السائبة في منطقتهم النائية "ستة"، في ولاية سيدي بوزيد، لأنها كان لها الفضل في أن تدل أهالي السلاطنية على جثة ابنهم بعد أن فتك به الإرهابيون في الجبل وفصلوا رأسه عن جسده، في أبشع جريمة إرهابية تشهدها تونس منذ سنوات.

لم يخرج عالم مبروك، الذي لم يتجاوز سن الـ16 عاماً عن المراعي وبضع نعجات وكلاب تحرسه وتؤنسه في تجواله بالغابات القريبة من مقر سكنه. وعندما غادر لآخر مرة إلى الرعي لم يكن يدور بخلده أن نهايته ستكون بتلك الطريقة الوحشية.

ليس هناك خيار آخر أمام الأهالي من الذهاب إلى الجبل، رفم إدراكهم لخطر الإرهاب، فهناك مورد الرزق وهناك مياه للشرب. يروي ابن عمه نسيم السلطاني: "كنا نتوقع مثل هذه الأمور. سبق أن اعترض الإرهابيون مبروك في مرة سابقة. كانوا يحاولون استقطابه، قالوا إنهم على معرفة بكافة الأهالي في الجهة، لكنهم يستهدفون الأمن والجيش وليس المواطنين".

ويتابع نسيم "كان يمكنهم أن يستقطبوا شباب الجهة بسبب الفقر والجهل والأمية. نحن نعيش في هوة سحيقة تحت الفقر وتحت الصفر والموت يحاصرنا من جهات ثلاث إما عطشا أو جوعا أو بسبب الإرهاب".

وفي ظل الغياب الملحوظ للجيش والأمن في عدد من المناطق النائية، فإن الأهالي البسطاء يفضلون التكتم على مثل هذه المداهمات للإرهابيين خشية الانتقام منهم في أي لحظة.

Tunesien Sidi Bouzid Mabruk Terror SCHLECHTE QUALITÄT

جثمان الراعي مبروك السلطاني

فقر وخوف

تبعد أقرب مدرسة عن منطقة "ستة" حوالي 10 كلم وأقرب مركز أمني 35 كلم. وتفتقد القرية إلى طريق معبد وشبكة لتوزيع المياه وغيرها من المرافق الضرورية للعيش الكريم.

ويعجز أغلب الشباب والأطفال في القرية عن مواصلة دراستهم بسبب ضيق اليد وبُعد المدرسة، كما يعجز الأهالي حتى عن قضاء حاجاتهم المعيشية في أقرب سوق أسبوعية إذا لم يتدبروا أمرهم لغياب وسائل نقل.

ومع شعورهم المستمر بأن حياتهم باتت على كف مجهول اليوم في مواجهة خطر الإرهابيين، فقد يضطر السلاطنية إلى هجر أراضيهم ومنازلهم ومواشيهم والابتعاد عن الجبل.

يتحدث الخبير في الحركات الإسلامية وعضو مركز دراسات الأمن الشامل مازن الشريف لـDW عربية بأن الجماعات الإرهابية دشنت مرحلة جديدة وخطيرة جدا في تحركها يعتمد على توسيع نطاق مفهوم العدو "الطاغوت" من الأمنيين والعسكريين إلى المدنيين.

ويوضح الشريف: "العمليات الإرهابية في المناطق المعزولة لا تخرج عن نطاق الترويع، لأن العمل الأساسي لهذه الجماعات يرتكز بدرجة أولى على المدن والمناطق السياحية مثلما حصل في متحف باردو وسوسة. لكن الدولة يجب أن تضع في اعتبارها دائما أسوأ السيناريوهات".

سيناريو الجزائر؟

وفي ظل التحول النوعي الخطير نحو استهداف المدنيين في تلك المناطق المعزولة، فإن أكثر ما يخشاه المراقبون هو اتجاه الجماعات الإرهابية اليائسة الى استنساخ عمليات الإبادة الجماعية في القرى. وهو تكتيك مروع شهده البلد الجار الجزائر خلال حقبة "العشرية السوداء"، التي أوقعت نحو 200 الف من ضحايا الحرب على الارهاب.

ويشير مازن الشريف "نحن في مرحلة بعيدة عما حصل في العشرية السوداء بالجزائر. ولكن الإبادة الجماعية للمدنيين تظل أحد مراحل العمل المسلح في أنشطة هذه الجماعات الإرهابية".

وفي كل الحالات يسيطر شعور عام في تونس اليوم بأن الحرب على الإرهاب قد اتخذت منعرجا جديدا. إذ تردد الأجهزة الأمنية أن التضييق المستمر على الخلايا الإرهابية وتصفية عدد من قياداتها وقطع الطريق على مصادر تموينها دفعها إلى التخبط ومغادرة معاقلها وارتكاب الجرائم كيفما كان.

ويشير المحلل السياسي نور الدين المباركي، الذي نشر إصدارات حول الحركات المتشددة، إلى أن الإرهاب في تونس يريد أن يستوطن في جبال القصرين والكاف وسيدي بوزيد ويحول هذه المناطق إلى "مناطق محررة" لا يدخلها أحد، وهي الرسالة من ذبح الراعي مبروك السلطاني .

ولكن يبدو أن الأمر أبعد من مجرد الإبقاء على تلك المناطق محررة وحكرا على الجماعات المسلحة، إذ بدأ الارهابيون في محاولات استقطاب بالقوة وتحت التهديد ليس للشباب والكهول فقط وإنما أيضا نحو الأطفال مستغلين خوفهم وهشاشتهم النفسية.

Tunesien Tunis Slah Eddine Jourchi

الخبير في الحركات الإسلامية صلاح الدين الجورشي

إرهاب بلا حاضنة

وبحسب المحلل والخبير في الحركات الإسلامية صلاح الدين الجورشي، فإن ما يبرر هذا التحول هو وصول الإرهابيين إلى قناعة بأنهم فشلوا بعد ثلاث سنوات من العمل المسلح في استقطاب شرائح مهمة من المجتمع، كما عجزوا عن توفير حماية أهلية في عدة مناطق بما في ذلك الجبال بسبب فشلهم إلى حد كبير في ايجاد حاضنة اجتماعية لهم.

ويوضح الجورشي لـDW عربية "اكتشفت هذه الجماعات المتحصنة في الجبال بأن المواطنين لم يكتفوا بعدم التفاعل معهم وإنما أصبحوا يبلغون عن تحركاتهم. وهنا اتهموا بالتحديد عددا من الرعاة بحكم طبيعة مهنتهم، التي تدفعهم إلى التوغل في الغابات بحثا عن النباتات، وهو ما يجعلهم قريبين من الجماعات الإرهابية".

في الأثناء، وبينما لا تبدو هناك نهاية وشيكة لهذه المعركة المحفوفة بالموت والمخاطر، فإن أهالي السلاطنية وغيرهم من المواطنين المعزولين في القرى النائية لا تزال حياتهم بين فكي رحى، الفقر والإرهاب.

ويردد نسيم السلطاني بحسرة "لماذا يذهب مبروك إلى الجبل؟ إنه مضطر لذلك. نحن نأكل ونشرب من الجبل. والجبل احتله الإرهاب اليوم".

ومن المفارقات أن يذهب السياسيون إلى موطن السلاطنية متبوعين بنخبة من الحراس الأمنيين على نفقة الدولة ثم يغادرونهم ليتركونهم يواجهون مصيرهم المجهول بواجهة الجبل والإرهاب.

مختارات