عماد الدين حسين: ولما كانت الدقيقة 26 | آراء | DW | 31.05.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: ولما كانت الدقيقة 26

في مقاله* لـ DW عربية يتابع الكاتب الصحفي عماد الدين قصة نجاح النجم الدولي المصري محمد صلاح، ويبرز العوامل التي جعلته محبوب الجماهير في مصر وأنحاء عديدة في العالم. وكيف أًصبحت كرة القدم ليس مجرد لعبة رياضية.

للمرة المليون.. كرة القدم لم تعد مجرد لعبة يتنافس فيها 22 لاعبا خلال 90 تسعين دقيقة.. هى صارت تتداخل فى العديد من مجالات الحياة وليس فى السياسة فقط.

من لا يصدق ذلك، فالأمثلة كثيرة، وآخرها معايشة كيف شاهد المصريون على اختلاف فئاتهم مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا التي جرت أخيرا في العاصمة الأوكرانية كييف، وانتهت بفوز ريال مدريد الإسباني على ليفربول الإنجليزي بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، وحصوله على البطولة الأهم على مستوى أندية العالم.

قبل المباراة كنت فى حفل إفطار رمضانى كان به العديد من الوزراء وكبارالمسؤلين فى الدولة. معظمهم رتب مواعيده لكى يلحق بمشاهدة المباراة في التاسعة إلا  الربع مساء  بتوقيت القاهرة.

ما فعله الوزراء وكبار المسؤولين، كان هو نفسه ما فعله معظم المصريين، الذين ضبطوا مواعيدهم لكي يلحقوا بالمباراة، وبعضهم قرر تأجيل صلاة القيام أو التراويح الخاصة بشهر رمضان حتي نهاية المباراة.

الرابح الكبير فى هذه الليلة كان الكافيتريات والمقاهي العامة التي امتلأت عن آخرها، وبعضها كان محجوزا قبلها بأيام.

لكن الرابح الأكبر هو أن المصريين توحدوا في هذه الليلة على حب محمد صلاح، ودعواتهم أن يوفق فى إحراز الفوز لفريقه.

حضرت المباراة مع عائلة معظمها يشجع ريال مدريد، لكنهم قرروا أن يشجعوا ليفربول، حتى لا يكونوا خارجين عن السياق العام.

هذه العائلة كانت تستضيف شاب وفتاة مخطوبان من هولندا ويشجعان الريال، لكنهم أيضا قررا تشجيع ليفربول مراعاة لمشاعر المصريين.

لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، كما يقولون، وعندما جاءت الدقيقة 26 من الشوط الأول، أصيب الدولي المصري محمد صلاح بإصابة خطيرة في كتفه بعد تدخل عنيف من مدافع الريال الدولى الإسباني سيرجيو راموس. وهى إصابة قد تهدد مشاركة صلاح ضمن منتخب بلاده فى بعض مباريات نهائيات المونديال فى روسيا منتصف يونيه حزيران المقبل أي بعد حوالي أسبوعين.

حينما سقط صلاح، وطال سقوطه، انزعج الجميع، وعندما أعلن مذيع المباراة أن الإصابة تقريبا هي خلع أو جذع في الكتف انخلعت عليه قلوب كل المصريين.

فى هذه اللحظة سمعت سيدة مصرية ستينية تخاطب راموس باللهجة  العامية المصرية: "إلهي ينخلع قلبك يا بعيد زي ما تسببت فى إصابة صلاح!".

ما قالته هذه السيدة هو تقريبا نفس شعور غالبية المصريين، الذين صبوا جام غضبهم على راموس وتفننوا في انتقاده والهجوم عليه لدرجة أن اسمه صار "تريند" عالمي في تويتر عقب المباراة ولعدة ساعات بعدها.

 التغريدات والبوستات والأحاديث والتصريحات جاءت من غالبية الفئات من شباب صغير فى السن، نهاية برجال أعمال كبار مرورا بكل الإعلاميين.

هل تعمد راموس إصابة صلاح أم لا؟!.

هذا أمر يكثر الجدل بشأنه، لكن هذا ليس هدف هذا المقال، وربما يجيب عنه بصورة  أفضل الخبراء والنقاد والحكام، لكن الهدف من كل هذه الكلمات هي لفت الانتباه للذي يمكن أن تلعبه كرة القدم التي صارت الآداة الأقوى والأهم للقوة الناعمة سواء كان لنادى أو مدينة أو دولة.

وبسبب هذه المكانة المهمة لكرة القدم ونجومها، رأينا دول وشركات كبرى تدفع مليارات الدولارات، كي تضع اسمها على فانلة فريق كبير، ورأينا رجال أعمال كبار ودول يشترون أندية بكاملها، كما فعلت روسيا مع تشيلسي الانجليزي أو قطر مع باريس سان جريمان الفرنسي، أو الإمارات مع ماشتسر سيتى الأنجليزي وغيرهم كثير.

شاهدنا جميعا كيف دفعت شركة قطرية عامة مليارات الدولارات، من أجل شراء أغلى النجوم لباريس سان جيرمان الذي تمتلكه، وكيف وصلت صفقة انتقال اللاعب البرازيلي نيمار من برشلونة إلى أكثر من مليار يورو منها 222 مليون يورو قيمة الشرط الجزائي فقط.

هناك بلدان دفعت المليارات من أجل التواجد فى ملاعب دولية سواء على الفانلة أو عبر إعلانات الملاعب أو حتى شراء الفرق. لكن محمد صلاح بمفرده نجح فى وضع اسم مصر عاليا بمجهود فردي.

ولذلك يمكن فهم سر الحزن الكبير الذي أصاب المصريين عقب إصابته التي وصفها مدربه يورغن كلوب بأنها "خطيرة"، هذا الحزن كان قاسما مشتركا بين كل المصريين من أصغر طفل وقف أمام شاشة التلفزيون، وحاول بحركة لا ارادية أن يمسح دموع صلاح وهو على الأرض نهاية برئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي الذي اتصل به ليطمئن عليه.

المصريون يحبون صلاح لأسباب كثيرة، ليس فقط لانه لاعب ماهر وموهوب وهداف، ولكن أيضا لأنه مهذب ومتواضع ومحب لبلده وكثير التبرع للأعمال الخيرية في مصر. لكن حزن المصريين أنهم كانوا يراهنون على صلاح كثيرا فى مباريات كأس العالم التي ستبدأ فى روسيا خلال ايام.

بعد إصابة صلاح "وضع المصريون يدهم على قلوبهم" وكانوا جميعا يرددون عبارة "ربنا يستر".

السؤال مرة أخرى: كيف يمكن للاعب واحد أن يكسب قلوب وعقول كل مواطنى بلده، وغالبية حب الجماهير العربية، بل وجماهير كثيرة فى انجلترا، وربما مناطق أخرى؟!.

 طبعا بالمهارة والتألق والجهد، لكن لأنه أيضا نجح بصورة لافتة واستثنائية فى مناخ من التنافس مع أعتى نجوم العالم.

ولم يكن صدفة أن يصف وزير الاستثمار البريطاني غراهام ستيوارت محمد صلاح بأنه "أفضل استثمار فى الرياضة ببريطانيا خلال الأعوام الأخيرة". وقال خلال زيارته لمصر يوم الثلاثاء الماضي،" إن قيمة صلاح تعود لشخصيته المتميزة والتي جعلته محبوبا حتى من مشجعي الفرق المنافسة لليفربول فى إنجلترا، بجانب قدراته الفنية العالية فى الملعب".

صلاح صار محبوبا جدا لأنه قدم نموذجا لملايين الشباب في مصر والعالم العربي بأن وصفة النجاح ممكنة وليست مستحيلة وأنه بالمزيد من الجهد والعرق والاستعداد يمكن للإنسان الوصول إلى هدفه، وليس بالكسل والواسطة والفهلوة. 

اعتقد البعض أن صلاح خسر حينما أصيب، لكن دموعه الصادقة وهو يغادر الملعب،  جعلت الناس تحبه أكثر.

 باختصار صار صلاح رمزا مصريا ملهما. وأغلب الظن أنه سوف يستمر لفترة عقب موسم استثنائى فى الدوري الإنجليزي، وكان قاب قوسين من تحقيق  بطولة الأبطال مع فريقه لولا خبرة ريال مدريد أولا، وسيرجيو راموس الذي صار عدو المصريين الأول طوال الأيام الماضية.

 

** المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان