عماد الدين حسين: مغزى زيارة محمد بن سلمان للكنيسة المصرية | آراء | DW | 08.03.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: مغزى زيارة محمد بن سلمان للكنيسة المصرية

في مقاله* لـ DW عربية يسلط الكاتب الصحفي عماد الدين حسين الضوء على تأثير خطوات ولي العهد السعودي نحو الانفتاح على مصر وتيار الإسلام السياسي.

السلفيون وغالبية تيارات الإسلام السياسي في مصر والمنطقة العربية وربما العالم أجمع تلقوا ضربة موجعة بالتوجه العام الذي يقوده ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، شرط أن يستمر هذا التوجه ويكتمل، ولا يكون مجرد خطوة نحو تعزيز دور وقبضة الأمير الشاب علي مقاليد الحكم في المملكة.

محمد بن سلمان زار مصر يوم الأحد الماضي ولمدة ثلاثة أيام، وبجانب الملفات الطبيعية التي بحثها مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مثل العلاقات الثنائية خصوصاً الاقتصادية، و"مشروع نيوم" والأوضاع في اليمن وسوريا وليبيا وقضية الإرهاب، والدور الإيراني في المنطقة، والتطورات المنتظرة في الصراع العربي الإسرائيلي، فإن أهم ما لفت نظر المراقبين هو زيارة ولى العهد السعودي  لمقر الكاتدرائية المرقسية ،ثم حضوره للعرض المسرحي الكوميدي «سلم نفسك» على مسرح الأوبرا مساء يوم الاثنين الماضي.

مختارات

قبل تولى محمد بن سلمان منصبه فإن حضور أي مسئول سعودي عرضاً فنياً بصورة علنية كان أمراً نادراً، وكان يعني صداماً محتملاً مع المجتمع السعودي المحافظ، خصوصاً «هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر».

دور هذه الهيئة وكما هو معروف هو تطبيق قواعد وحدود الشريعة الإسلامية في الشارع السعودي، وكلنا سمعنا وقرأنا، وبعضنا شاهد كيف كان أفراد هذه الهيئة يتعاملون مع المواطنين السعوديين أو الأجانب المقيمين في المملكة.

دور الهيئة يتقلص إلى حد ما منذ تولي الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز مقاليد السلطة، لكن مع تولى محمد بن سلمان ولاية العهد مع والده الملك سلمان، فإن تطورات دراماتيكية شهدتها المملكة علي هذا الصعيد، وكان آخرها السماح بإقامة الحفلات الغنائية، وإنشاء هيئة للترفيه تهدف للوصول إلى خمسين ألف فعالية فنية بحلول 2030، ومنح تراخيص إنشاء دور سينما هذا العام لأول مرة، إضافة للسماح بتصوير الأفلام السينمائية على أراضي السعودية، وإنشاء أول دار أوبرا  في مدينة جدة. وكذلك إقامة أول مهرجان لموسيقي الجاز. 

ولفت نظري بداية هذا الأسبوع  فتوى الشيخ عبدالعزيز آل شيخ مفتى السعودية، "بجواز سماع موسيقي الجاز وأنها ليست محرمة، ولا تعتبر من مجالس اللهو والطرب لأنها بلغة أجنبية لا يفقهها المسلم العربي!!"، مضيفاً أن فتاوى المشايخ السابقين مستندة على أدلة وأحاديث ضعيفة.

ما هو الجديد في كل ما سبق؟

من وجهة نظري ما يحدث في المجال الثقافي والاجتماعي والديني ليس فقط انقلاباً، بل ثورة شاملة علي مفاهيم وممارسات ظن كثيرون أنها من صلب الدين الإسلامي.

وعندما يفتى مفتي السعودية بجواز سماع الموسيقى، فقد يرى البعض ذلك أمرا  عادياً. هو ليس كذلك بالنظر إلى الثقافة الوهابية التي تغلغلت في السعودية لعقود طويلة، لكنها ترسخت أكثر منذ عام 1979، حينما قامت الثورة الإسلامية في إيران، ويقول المسئولون السعوديون الآن إنها كانت السبب في شيوع ثقافة التطرف في المنطقة كي يتم مواجهة محاولات تصدير الثورة الشيعية من إيران عقب نجاح ثورتها الإسلامية عام 1979.

لن نخوض في تفاصيل ما يحدث من تطورات مهمة على الساحة السعودية، ولكن نسأل عن مدى تأثير هذه التحركات السعودية، خصوصاً فيما يتعلق بالخطاب الديني على مصر والمصريين وتيار الإسلام السياسي؟

صحيح أن جماعة الإخوان نشأت في مصر على يد حسن البنا عام 1928، لكن الصحيح أكثر أن هجرة بعض الإسلاميين المصريين للسعودية وتأثرها بالأفكار الوهابية كان أحد الأسباب الرئيسية في انتشار الأفكار المتطرفة في مصر، بعد أن كان المسلمون المصريون يتميزون بالتسامح والاعتدال والوسطية.

قولاً واحداً فإن الفكر الوهابي كان الرافد والداعم والمشجع الأساسي للحركة السلفية في مصر، أما الأخطر فهو أن المؤسسات والحركات والجمعيات السلفية السعودية، كانت الداعم المادي الأكبر للسلفيين في مصر، إضافة إلى بقية الحركات السلفية، ليست في مصر فقط، بل ربما العالم أجمع، ومعها جمعيات سلفية خليجية تأثرت بها وقدمت الدعم المادي واسع النطاق لنظيرتها في مصر والمنطقة العربية.

هذا الدعم بدأ يتقلص أو يتم تقنينه إلى حد ما بعد هجمات 11سبتمبر 2001، لكن مع  تولي محمد بن سلمان ولاية العهد، قبل حوالي عام شكل الضربة الكبرى للأفكار المتشددة، حينما قال بوضوح إن ما تطرحه هذه الأفكار ليس هو صحيح الإسلام الوسطى، الذي كان سائداً في السعودية قبل سيطرة المتشدد جهيمان العتيبي علي الحرم المكي. وكان من سوء حظ المنطقة بأكملها أنه تزامن مع الثورة الإيرانية عام 1979، التي رفعت شعار تصدير الثورة الشيعية للخارج، فوجدت السعودية نفسها تحتمي بالتيار السلفي المتشدد لمواجهة حكم آيات الله في طهران.

حينما يزور محمد بن سلمان الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، فهذه ضربة في منتهى الأهمية للأفكار السلفية المتشددة، ورسالة بأنه لن يخضع للمتشددين في المملكة بعد الآن.

قد يختلف البعض مع سياسات وليس العهد السعودي الإصلاحية، أو قد يراها البعض مجرد ستار لإحكام قبضته على السلطة، في إطار صراعاته مع بقية الأسرة الحاكمة أو كبار رجال الأعمال، الذين وضعهم في "سجن الريتز كارلتون"، وأفرج عن معظمهم بعد أن حصل علي عشرات المليارات من الدولارات منهم. 

لا أعلم يقينا نوايا الرجل، لكن أتحدث هنا عن زاوية محددة وهي تأثير سياساته واتجاهاته وأفكاره ورؤيته للإسلام علي  المتشددين الذين قلبوا المنطقية العربية رأساً على عقب في السنوات الأخيرة.

 بوضوح فإن استمرار سياسة بن سلمان في غاية الأهمية لتجفيف منابع التطرف والتشدد الموجودة في المنطقة، حيث خرجت من المملكة إلى بقية العالمين العربي والإسلامي، بل وتأثر بها العالم أجمع.

وقد استمعت شخصياً إلى رؤية محمد بن سلمان للتطرف والمتطرفين، خلال لقائي معه مساء الاثنين الماضي، ضمن حوار استمر اكثر من ساعتين مع رؤساء تحرير الصحف المصرية، وربما يأتي وقت قريب لمناقشة هذه الأفكار.

ظني الشخصي  أن الكثير من المصريين المتشددين لن يجدوا في المستقبل  «الصدر الحنون» الذي كان يعطف عليهم معنوياً ومادياً. ولم تعد جماعة الإخوان منذ عام 2013 تجد في السعودية "الملاذ الآمن" الذي وجدته بعد صراعها مع الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، حينما استقر العديد من كوادرها وقادتها في السعودية، حتى عادوا مع مجيء أنور السادات الذي احتضنهم لضرب التيار الناصري واليساري بصفة عامة، فانقلبوا عليه وقتلوه في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1981!!

إذا استمر هذا التوجه السعودي والمصري فإن هناك فرصة حقيقية، لإصلاح الخطاب الديني، وضرب منطق ومنهج المتطرفين، لكن بشرط أن يكون هناك خطاب بديل أكثر فكراً وعقلانية والأّهم يكون قادراً على جذب الشباب الذين سقطوا في متاهة "داعش" أو المرشحين للسقوط لاحقاً.

عماد الدين حسين

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان