عماد الدين حسين: ثقافة تضخيم الأحلام | آراء | DW | 21.06.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

عماد الدين حسين: ثقافة تضخيم الأحلام

في مقاله* لـ DW عربية يتناول الكاتب الصحفي عماد الدين حسين نتائج مشاركة المنتخب المصري في مونديال روسيا 2018، وكيف تزيد ثقافة تضخيم الأحلام من وطأة خيبات الأمل.

في فترة الاستراحة بين شوطي مباراة مصر وروسيا في المونديال مساء الثلاثاء الماضي، نزلت إلى بعض شوارع منطقة "وسط البلد" بالقاهرة، بالقرب من مجلس الوزراء والنواب و"مربع الوزارات". الشوارع كانت خالية تماماً، وكآن كائنات فضائية اختطفت البشر وأخفتهم من على ظهر الأرض!! لكن في نهاية أحد الشوارع كانت هناك شاشة عرض كبرى وضعها أحد المقاهي، والتف حولها آلاف المصريين، صامتين في انتظار انتصار ينتظرونه منذ عقود.

في هذا اليوم، ومثله يوم الجمعة الماضي، حينما قابل المنتخب فريق أوروغواي، توحد المصريون جميعاً، واختفت كل الفروق والخلافات بينهما، وانتهى الاستقطاب السياسي مؤقتاً. البعض أدى صلاة الجمعة، وعاد مسرعاً إلى منزله أو لأحد المقاهي، ليشاهد مباراة أوروغواي في اليوم الذي صادف عيد  الفطر. يومها انهزم المصريون بهدف في الدقيقة الأخيرة، لكنهم شعروا أن فريقهم خسر بشرف.

في المباراة أمام روسيا حلم المصريون بأن يهزموا صاحب الأرض، ويحققوا معجزة تصعد بهم للمرة الأولى للدور التالي، لكن المعجزات لا تتحقق بمجرد التمني.

مختارات

لعبوا الشوط الأول بصورة طيبة، لكنهم انهاروا وقبلوا قبلوا ثلاثة أهداف في حوالي ربع ساعة. ولم يسجلوا إلا هدف واحد لنجمهم محمد صلاح من ضربة جزاء، لتنتهي بذلك أسطورة اللاعب مجدي عبد الغني آخر مصري سجل في كأس العالم أمام هولندا في مونديال إيطاليا عام 1990.

كل ما سبق كان تمهيداً - ليس من أجل التحليل الرياضي - ولكن للحديث عن سؤال مهم هو: هل يمكن أن يفوز أي شخص أو فريق أو بلد لمجرد التمني والدعوات، أم لابد من توافر أسباب منطقية وعلمية لذلك؟!

السؤال لا يتعلق فقط بالمجال الرياضي، ولكنه يمكن أن ينسحب على مجالات أخرى كثيرة اقتصادية وعلمية واجتماعية.

غالبية المصريين - وأنا واحد منهم - فكروا في الأمر بصورة عاطفية محضة. نسينا جميعاً أن منتخبنا صعد للمونديال بما يشبه المعجزة. كنا متعادلين في آخر مباراة مع الكونغو حتى الوقت المحتسب بدل الضائع، رغم أن الكونغو كانت آخر المجموعة، وحصالة أهدافها، وقبلها انهزمنا من أوغندا في عنتيبي وفزنا عليهم في القاهرة "بطلوع الروح"، كما يقولون!!. ليلة مباراة الكونغو كادت قلوب المصريين تنخلع لولا هدف الإنقاذ من المنقذ محمد صلاح في الثواني الأخيرة!! 

نسينا كل ذلك المستوى المتذبذب، وبدأت أحلامنا ترتفع إلى عناء السماء، من دون أن نسأل: هل نملك الإمكانيات لذلك أم لا؟! لعبنا أربع مباريات ودية في فترة الإعداد، وانهزمنا فيها جميعاً، وذلك كان مؤشراً، حاولنا أن نتجاهله.

اللاعبون في مباراتي روسيا وأوروغواي أدوا ما عليهم في حدود جهدهم وقدراتهم، وحملناهم فوق أكثر مما يحتملوا.

الفريق به لاعب واحد موهوب جداً من طراز عالمي رفيع أو من "كوكب ميسي ورونالدو" هو محمد صلاح، لكن لا يمكن لفريق أن يفوز ويتقدم لمجرد الاعتماد على لاعب واحد، والدليل هو تعثر منتخب الأرجنتين، رغم وجود ميسي، ومنتخب البرازيل رغم وجود نيمار ،ومنتخب ألمانيا رغم وجود كوكبة من النجوم الكبار.

المنطق يقول إن المنتخب المصري ظل 28 مرة بعيداً عن المشاركة لعدم تمكنه من الصعود وخلال هذه الفترة الطويلة، لم يسجل ألا هدفين من ضربتي جزاء، وهو يعنى شيئاً واحداً اسمه العقم التهديفي!

ما يحدث في الرياضة يمكن أن نرى له صدى في مجالات أخرى، وهو الرهان في مرات كثيرة على الأحلام التي قد نكتشف في بعض الأحيان أنها أوهام.

علينا ألا نظلم اللاعبين، فمعظمهم مستواهم شديد المحلية حتى بعض من احترف منهم شكلياً خارج بلاده، لكنه لم يلعب لفرق كبيرة، أو جلس على الخط ولم يحتك بصورة فعلية.

الفوز والمنافسة الدولية يحتاج إلى لاعبين دوليين ذوى خبرة، ولياقة بدنية عالية جداً، وثبات انفعالي، لا يتأثر بأهداف تدخل مرماه فجأة، إضافة إلى مناخ احترافي حقيقي، ومنظومة إدارية محكمة يديرها محترفون وليسوا هواة، وحل مشكلة غياب المتفرجين عن الملاعب، منذ أول فبراير/ شباط 2012 حينما وقعت مجزرة ستاذ بورسعيد وأدت إلى استشهاد 74 متفرجاً من جماهير النادي الأهلي.

الأمر نفسه ينسحب على المجالات الأخرى غير الرياضة. البعض يطالب بأن يعيش في مستوى اقتصادي مرتفع من دون أن يكون هنا، كبذل الجهد والعرق والتعب والتضحية، من أجل أن يؤدى ذلك إلى إنتاج ضخم يقود إلى صادرات، تجلب عملة صعبة، ويقلل الواردات ويزيد من فرص العمل.

من الطبيعي أن يشكو كثيرون من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر هذه الأيام، لكن على كل هؤلاء أن يكونوا متأكدين أولاً، أنهم بذلوا كل جهودهم من أجل نيل حياة أفضل. لكي يحدث ذلك لابد أن يكون الإنسان مؤهلاً جدا، ولديه إمكانيات، لكن أن يجلس على المقهى أو في بيته ثم يلعن الظروف، فذلك لن يغير من الأمر شيئاً، بل سيؤدى إلى أوضاع أسوأ مما كان.

لا يعني الكلام السابق تبرئة الحكومة من المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية الراهنة. لكن للموضوعية، هناك تراكمات مستمرة منذ سنوات، تتحمل مسئوليتها حكومات وعهود سابقة، وجزء منها شيوع ثقافة الكسل على حساب ثقافة العمل والإنتاج.

يتحمل الإعلام المصري دوراً كبيراً في تشجيع ثقافة الأحلام المبالغ فيها بالنسبة للمنتخب القومي للكرة. كان مطلوباً ألا يتم تضخيم الأحلام حتى لا يكون الإحباط كبيراً، وحتى يعرف المواطنون حقيقة الموقف، وبالتالي لا يبنوا قصوراً من الرمال. نفس الأمر يفترض أن يفعله الإعلام فيما يخص الواقع الاقتصادي والاجتماعي وعليه أن يخبر الناس بحقيقة الأمور، حتى لو كانت صادمة في البداية، لكن على الأقل فإن هذا الأمر سيؤدى إلى بدايات صحيحة، تقود إلى تحقيق انتصارات لاحقة مبنية على أساس واقعي، ليس في الرياضة فقط، ولكن في كل المجالات.

* المقال يعبر وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان