عماد الدين حسين: تيران وصنافير توحد المعارضة المصرية | آراء | DW | 16.06.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: تيران وصنافير توحد المعارضة المصرية

يتساءل الكاتب الصحفي عماد الدين حسين في مقاله* لـ DW عربية، إن كانت الحكومة المصرية هي من يوحد المعارضة الآن. قراءة في مواقف قوى المعارضة من قضية تيران وصنافير تكشف ذلك.

فجأة تحوات قضية "تيران وصنافير" إلى مغناطيس يجذب كل معارضي الحكومة المصرية ويوحدهم فى صف واحد بعد طول انقسام.

هل كانت الحكومة المصرية تدرك ذلك، وهي توقع على هذه الاتفاقية مع السعودية فى الأسبوع الأول من أبريل  نيسان عام 2016، وبموجبها تخلت عن جزيرتى تيران وصنافير للمملكة؟!.

أغلب الظن أنها لم تكن تدرك ذلك بصورة كاملة، لأنها لو فعلت، ما سارت بنفس الطريقة التي تصرفت بها منذ إندلاع الأزمة قبل 14 شهرا.

تيران وصنافير جزيرتان تقعان فى نهاية البحر الأحمر عند مدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لتيران أنها تتحكم فى مدخل مضيق تيران الذى يمكنه خنق إسرائيل بحريا إذا تم إغلاقه، كما حدث فى مايو آيار 1967، وهو الأمر الذى أدى ــ ضمن أمور أخرى ــ إلى شن اسرائيل لعدوان يونيو حزيران 1967 حيث احتلت شبه جزيرة سيناء والجولان السوري والضفة الغربية وقطاع غزة.

تقول الحكومة المصرية إنها وقعت الاتفاقية مع السعودية، لأن حسنى مبارك حينما أصدر قانونا عام 1990 بتحديد نقاط خط الأساس لترسيم الحدود، وبالتالي فقد أعطى عمليا السعودية الحق فى تيران وصنافير، وكل ما فعله لاحقا، أنه كان يسوف ويعطل التسليم الرسمي، وان كل الوثائق والخرائط والأدلة تؤكد أن الجزيرتين سعوديتان.

لكن المعارضة المصرية وقطاعات شعبية متنوعة تجمع على أن الجزيرتين مصريتان منذ قديم الزمان، وان الحكومة لم تقم بواجبها فى حماية هذا الحق، بل أن مجمل أدائها فى هذا الملف كان سيئا وكارثيا، ويقترب من درجة التواطؤ والتفريط في الارض.

هذه القضية كانت مجمدة ومحفوظة فى  الثلاجة الحكومية" طوال 14 شهرا كاملة ما بين المحاكم المختلفة، وصدر حكم نهائى وبات من المحكمة الإدارية العليا بأنها مصرية ولا يجوز التنازل عنها، لكن مجلس النواب يقول إنه هو وحده صاحب الولاية فى مثل هذه القضايا وليس القضاء.

اللجنة الدستورية والتشريعية بالبرلمان ناقشت الاتفاقية يوم الاحد الماضي وأقرتها مساء أمس الاول الثلاثاء، ثم حولتها إلى اللجنة العامة بالمجلس في نفس اليوم، الذى حولها بسرعة قياسية إلى لجنة الدفاع والأمن القومي، والأخير وافق عليها في جلسة لم تستغرق نصف ساعة أمس الاربعاء، وأعادها  مرة أخرى إلى جلسة عامة قامت بالتصويت عليها في وقت قياسي ايضا، وبالتالي -وبعد تصديق رئيس الجمهورية علي الاتفاقية- فان تيران وصنافير صارتا بهذا التصويت تابعتين للسعودية رسميا.

نعود مرة أخرى إلى مناقشة التأثيرات المتنوعة التى أحدثتها دوامات هذه الاتفاقية فى المياه السياسية المصرية التى ظلت راكدة لفترة طويلة جدا.

قبل خروج الاتفاقية للنور كانت شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسى فى أوجها، لكنها شهدت تراجعا بسببها .القوى السياسية المختلفة استغلت الاتفاقية وحاولت الاستفادة منها بشتى الطرق، وهو أمر مشروع في عالم السياسة.

جماعة الإخوان كانت قد وصلت إلى حالة غير مسبوقة من الانقسام والانشقاق الداخلي بين مجموعتى المعتدلين والمتشددين. وجاءت هذه الاتفاقية هدية على طبق من ذهب للجماعة، كي تدعى أن الحكومة المصرية تفرط فى أرض الوطن. القارئ الجيد للجماعة يعرف أن غالبية كلام الجماعة عن هذه القضية تحديدا أوضح مثال على انتهازيتها. فالإخوان يربون أعضاءهم على الكفر بفكرة الوطن ويعمقون لديهم فكرة الأمة الإسلامية التي تلغي الحدود.فى عام 2009 أجرى مرشد الجماعة السابق مهدى عاكف حوارا صحفيا شهيرا مع الكاتب الصحفى سعيد شعيب تم نشره فى صحيفة روزاليوسف. يومها اطلق تعبيرا صار مشهورا في ادبيات الجماعة وهو "طظ فى مصر"-أي ان مصر كدولة لا تهمنا- وانه لا مانع لديهم أن يتولى حكم مصر مسلم من ماليزيا وليس مسيحي من مصر. يقول خصوم الجماعة أيضا أنها تربى كوادرها على أن الوطن هو "حفنة من تراب عفن" والأهم هو الأمة الإسلامية الجامعة. ومن أجل كل ذلك فإن ما تدعيه الجماعة من غيرة على فكرة الأرض والحدود، هو مجرد سلوك تمثيلى لمناكفة الحكومة ليس إلا، إضافة إلى محاولة العودة للمشهد السياسى مرة أخرى من باب تيران وصنافير!.

لكن في المقابل فان اليسار المصري كان له دور بارز فى حشد الرأى العام ضد الاتفاقية، وكان هذا اليسار خصوصا القوى الناصرية، هو المحرك الأساسي للمظاهرات التى أعقبت التوقيع على الاتفاقية فى أبريل قبل الماضى.

هذا الحراك استقطب كل المعارضين تقريبا للحكومة، ووفر لهم منصة أساسية يعملون من خلالها خصوصا بعد ان "أحرقت الحكومة كل المراكب التى كانوا يملكونها سياسيا"، ولأسباب متعددة فإن المعارضة المصرية لم تستطع أن تبلور نفسها جيدا، أو تخلق قضايا يلتف حولها رأي عام مؤثر، وبالتالي فإن قضية تيران وصنافير كانت أحد أهم وسائل الإنقاذ لقطاعات كبيرة فى المعارضة.

الأمر لا يتوقف فقط على الإخوان أو اليسار، بل امتد أيضا إلى قطاعات شعبية  متنوعة، وشخصيات عامة كثيرة ، بعضهم كان قد أصيب باليأس والإحباط من "إغلاق المجال العام"، وحينما اندلعت القضية، عادوا للحياة السياسية مرة أخرى!. بل انني قابلت مواطنين غير معنيين بالسياسة من الأساس حولتهم الاتفاقية إلى معارضين شرسيين للحكومة.

مصادر حكومية متنوعة تقلل وتهون من أثر المعارضين للاتفاقية، لكن مصادر أخرى ــ بعضها حكومية ــ تخشى أن يستغل البعض هذه القضية بصورة عكسية للتأثير فى ملفات أخرى. وأكثر ما يخشاه هؤلاء هو أن تتلامس الشرارات الناتجة عن غضب كثير من المصريين من الأوضاع الاقتصادية الصعبة مع غضب المعارضين للاتفاقية، خصوصا أولئك الذين يعانون من حساسية شديدة من العلاقات مع السعودية ومعظم هؤلاء من المعسكر القومى الناصري، ورغم ان عددهم قد يون قليلا الا ان تأثيرهم الاعلامي خصوصا في "الشزشيال ميديا" ما يزال كبيرا.

يسأل البعض، هل يعيد تصويت البرلمان على تسليم  جزيرتي تيران وصنافير للسعودية الحياة إلى العروق المتيبسة فى جسد الحياة السياسية المصرية، أم أن الأمراض فتكت بهذا الجسد الذي يحتاج إلى فترة نقاهة طويلة حتى يكون قادرا على العودة.

 لا أحد يملك اجابة قاطعة، لكن وفى كل الأحوال فإن المشهد السياسي المصري صار مفتوحا على كل الاحتمالات، بعد "التسخين" المفاجئ لملف تيران وصنافير والطريقة السريعة التي تم بها تمرير الاتفاقية، الأمر الذي  قد يتسبب فى إصابة وتضرر كثير من اللاعبين على خشبة المسرح السياسى المصري.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.

إعلان