علاء الأسواني: نظرية حسن المكوجي (الكواء).. | آراء | DW | 10.04.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

علاء الأسواني: نظرية حسن المكوجي (الكواء)..

في مقاله* لـ DW عربية يشرح علاء الأسواني نظرية حسن المكوجي (الكواء).

كنت أسكن في حي غاردن سيتي بالقاهرة. كانت شقتي في الدور الرابع، وذات يوم تعرضت شقة في الدور السادس للسرقة. تم ابلاغ الشرطة وبعد قليل وصل ضابط المباحث ومعه بعض المخبرين،  كان تحت المبنى محل صغير لمكوجي اسمه حسن. ما أن ظهر ضابط المباحث حتى ترك حسن محله في عهدة الصبي الذى يساعده وانطلق مرحبا بالضابط في حماس بالغ. رد عليه الضابط بفتور لكن حسن أصر على مرافقته وطلب له المصعد وفتح له الباب وركب معه. بعد المعاينة أراد الضابط ان يسأل بعض الجيران والبوابين.

في دقائق كان حسن قد أخرج مقعدا ومائدة صغيرة من محله ووضعهما تحت الشجرة المقابلة للمبنى ودعا الضابط إلى الجلوس ثم هرع فأحضر للضابط علبة مياه غازية مثلجة ومعها زجاجة من المياه المعدنية وكوبا نظيفا. ظل حسن واقفا باحترام بالغ بجوار الضابط وهو يسأل الناس وأخيرا اصطحب حسن الضابط إلى سيارة الشرطة وفتح له الباب ثم انحنى وصاح بصوت مرتفع سمعه الجميع:

- مع ألف سلامة يا سعادة الباشا. ربنا يحميك ويعينك. شرفتنا وشرفت الشارع كله..

في اليوم التالي توقفت عند محل حسن وبعد التحية سألته لماذا تصرف مع الضابط بكل هذه الحفاوة مع أن واقعة السرقة لا تخصه من قريب أو بعيد. تطلع إلى حسن وابتسم وقال:

- يا سعادة البك الحكومة قادرة ويدها طايلة. لازم نتقي شرها ونصاحبها. أنا عملت الواجب مع الضابط وهو بقى عارفني وممكن في أي وقت لو أحتاج له ألاقيه. 

إن ما فعله حسن المكوجي يعكس خبرة المصري البسيط مع السلطة. إنه يعلم أن القانون في مصر لا يطبق على الجميع وانما يتم استعماله ضد بعض الناس ويتم تعطيله مع آخرين، وهو يدرك انه لا توجد عدالة من أي نوع وان ماسيحدث هو ما تريده السلطة لا أكثر ولا أقل وبالتالي فان الحكمة في نظره تقتضي أن ينتهز أي فرصة للتقرب من السلطة لأن علاقته الطيبة بها ستجلب عليه امتيازات وتمنع عنه أضرارا كثيرة.

توفي عم حسن المكوجي من سنوات لكني كثيرا ما أتذكره هذه الأيام. مصر تشهد موجة من قمع المعارضين غير مسبوقة. انتهت حرية التعبير تماما بعد أن سيطر النظام على كل وسائل الاعلام وأحالها إلى أبواق دعاية وتهليل وتطبيل لكل ما يفعله السيسي أو يقوله ومنصات لاطلاق شتائم مقذعة واتهامات بالخيانة والعمالة لكل من يعارض السيسي أو يختلف مع سيادته. لم يكتف نظام السيسي بذلك بل قام بحجب عشرات المواقع الإليكترونية لأنها مستقلة ولا تخضع لتعليمات الأمن.

في الأسبوع الماضى تم اغلاق موقع مصر العربية الاخباري وحبس رئيس التحرير الأستاذ عادل صبري لمجرد أنه نشر  ترجمة عربية لمقال عن الانتخابات الرئاسية نشرته جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية. العجيب أن النيابة وجهت لعادل صبري تهمة ادارة موقع بدون ترخيص وعندما قدم الترخيص غيرت التهمة إلى الباقة المعتادة: الانضمام إلى جماعة محظورة ومحاولة تعطيل الدستور وقلب نظام الحكم وإثارة البلبلة الخ. ثم أمرت النيابة بحبس عادل صبري 15 يوما على ذمة التحقيق.

 إن ما حدث مع عادل صبري يدل على أن السلطة صارت تحبس المعارضين أولا ثم تبحث لهم بعد ذلك عن تهمة ملائمة..بعد ذلك تم القبض على صاحب موقع اكسجين مصر، وهو صحفي شاب كان  يستطلع آراء الناس في الشارع عن الأحوال العامة ثم يذيع آراءهم على موقعه. هذا النوع من الصحافة المستقلة موجود ومنتشر في كل بلاد العالم الا انه في مصر أصبح جريمة تؤدي بالصحفي إلى السجن.

 كل هذا القمع يحدث وفي مصر نقيب للصحفيين ومجلس لحقوق الانسان ومئات من أساتذة الاعلام والكتاب لكن أحدا من هؤلاء لم يفتح فمه بكلمة اعتراض واحدة. كلهم يتبعون نظرية حسن المكوجي. انهم يسكتون عن الحق اما خوفا من عواقب الاعتراض أو طمعا في رضا النظام الذي يستطيع أن يغرقهم بالنعم ويستطيع أيضا أن يفتح عليهم أبواب جهنم.

الغريب أن قطاعا من المصريين تم غسيل أدمغتهم عن طريق الاعلام فأصبحوا يؤمنون أن القمع هو الحل الوحيد لمنع الفوضى وهم لايكترثون بالقمع مادام يحدث لأبناء الآخرين. لو ان القائمين على الأمن في مصر قرأوا التاريخ لأدركوا أن الأمن لا يتحقق بالقمع وانما بالعدل.. الاعتقال والتعذيب وتلفيق التهم كل هذه الممارسات لا تحقق الأمن أبدا بل تهدده وتقوضه. كل انسان من عشرات الآلاف الذين اعتقلهم النظام له أهل وزملاء وأصدقاء سيتحولون بالطبع إلى أعداء للنظام القائم.

إن الشعوب الحية لايمكن قمعها لأن مقاومتها الشديدة تمنع الحاكم من الاسترسال في الظلم. الشعوب المذعنة يسهل حكمها بالحديد والنار لأن أفرادها يتعايشون مع القمع والظلم ويصير كل همهم الأكل والشرب والتناسل ثم تربية العيال ولا شيء أكثر من ذلك.

 يجب أن ندافع جميعا عن ضحايا القمع ليس فقط لأن ذلك التزام أخلاقي وانما لأن من أمن الظلم اليوم سيتعرض له حتما غدا. إن نظرية عم حسن رحمه الله هي السبب في استمرار الاستبداد في مصر منذ عام 1952 وحتى اليوم. إن المواطنين الغربيين الذين يتمتعون بالعدل والحرية والكرامة لم يحصلوا على حقوقهم مجانا وإنما دفعوا ثمنا باهظا حتى انتزعوها.أما أن ندفع ثمن الحرية أو نستحق ما نحن فيه.   

  الديمقراطية هي الحل 

 draswany57@yahoo.com

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان