علاء الأسواني: لماذا يتعلق العرب بحكامهم..؟ | آراء | DW | 03.04.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

علاء الأسواني: لماذا يتعلق العرب بحكامهم..؟

في مقاله* لـ DW عربية يطرح علاء الأسواني السؤال: لماذا يتعلق العرب بحكامهم..؟

في عام 1940 تولى ونستون تشرشل رئاسة وزراء بريطانيا، كانت الحرب العالمية الثانية على أشدها وكانت بريطانيا تتلقى ضربات موجعة من الجيش الألماني النازي أقوى جيوش العالم آنذاك. كان  ونستون تشرشل في الخامسة والستين وبرغم سنه المتقدمة فقد قاد بلاده بكفاءة نادرة وألقى خطبة  تاريخية أمام مجلس العموم قال فيها جملته الشهيرة "أيها البريطانيون ليس لدي ما أقدمه لكم إلا المزيد من العرق والدموع والدم.. لكننا سننتصر".

كان تشرشل يصل الليل بالنهار ليقود شعبه في الحرب وكان يتحدث إلى البريطانيين عبر الإذاعة ليرفع روحهم المعنوية وقد استقل طائرات حربية أكثر من مرة مخترقا خطوط الألمان معرضا بذلك حياته لخطر محقق. في يوم 7 مايو/ أيار 1945 وقعت ألمانيا وثيقة استسلام غير مشروط وهناك تسجيل صوتي لتشرشل وهو يعلن انتصار بريطانيا على حشد من الناس في لندن ثم يقول لهم:

-      هذا نصركم.

فيرد الناس عليه هاتفين:

-      بل هو نصرك.

هل يمكن لأي قائد أن يخدم وطنه اكثر مما خدم تشرشل بريطانيا؟ لقد أنقذها من الهزيمة وحقق لها النصر في واحدة من أكبر حروب التاريخ. لو كان تشرشل حاكما عربيا وحقق مثل هذا النصر لاستمر في السلطة مدى الحياة ولورث الحكم لأولاده بغير أن يجرؤ أحد على الاعتراض، لو كان حاكما عربيا لتم تأليف الأغاني والأوبريتات لتمجيده ولكانت صوره وتماثيله بالحجم الطبيعي منتشرة في كل مكان ولاعتبره الشعب "الزعيم الملهم" و"القائد الضرورة" لكن ما حدث في بريطانيا كان مختلفا: فبعد هذا النصر العظيم خاض تشرشل الانتخابات فخسرها وفاز بها كليمنت اتلي زعيم حزب العمال. إن الناخب البريطاني اعتبر تشرشل بطلا قوميا عظيما لكنه قرر أنه ليس أفضل من يقود بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب.

ليس معنى ذلك أن الإنجليز لم يعرفوا قيمة تشرشل فقد انتخبوه بعد ذلك من جديد عام 1951 وعندما مات نظموا جنازة مهيبة تم خلالها ايقاف ساعة بيج بن الشهيرة علامة أن الزمن يتوقف إجلالا لتشرشل العظيم لكنهم ببساطة لم ينتخبوه لأنهم أرادوا رئيس وزراء جديدا بأفكار جديدة في مرحلة إعادة بناء بريطانيا.. الغريب أن هذا الرأي كان منتشرا بين الشعب الإنجليزي منذ أن تولى تشرشل منصبه فقد كتب الكاتب الأمريكي رالف انجيرسول عندما زار لندن عام 1940: "كل من قابلتهم في لندن يثنون على تشرشل ويؤكدون أنه الرجل المناسب في المكان المناسب ولا يتخيلون بريطانيا بدون قيادته الحكيمة الشجاعة لكنهم أيضا جميعا لا يعتقدون أنه يصلح لرئاسة الوزراء بعد انتهاء الحرب":

هل يمكن أن نقارن موقف الإنجليز من تشرشل بموقف المصريين من عبد الناصر الذي خاض حرب 1967 فحاقت بمصر هزيمة منكرة أدت إلى تدمير الجيش المصري واحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة لكنه ما أن أعلن تنحيه عن الحكم حتى تظاهر ملايين المصريين ليطالبوه بالبقاء في منصبه بل ان بعض الناصريين لا زالوا حتى اليوم يعتبرونه غير مسئول عن الهزيمة.

السفاح بشار الأسد قتل نصف مليون مواطن من شعبه ومع ذلك لازال هناك سوريون كثيرون (بينهم مثقفون وفنانون معروفون) يعتبرون بشار بطلا. لازال بيننا عرب كثيرون يدافعون عن حكام سفاحين مثل القذافي وصدام حسين..؟ لماذا لم ينتخب الإنجليز تشرشل المنتصر بينما يتمسك العرب بحكامهم حتى لو كانوا مهزومين وسفاحين وفاسدين..؟ لماذا يتعلق العرب بحكامهم؟ هناك أسباب عديدة في رأيي أولها مفهومنا للدين (وليس الدين نفسه) الذي يطالبنا بطاعة الحاكم المسلم حتى لو كان فاسدا وظالما.

وثانيا لأن الأنظمة العربية تمارس قمعا رهيبا ضد معارضيها مما يجعل معظم الناس يؤثرون السلامة فيصمتون أو ينافقون الحاكم ليحظوا بالعطايا والمزايا. على أن السبب الأصيل في تعلقنا بالحكام هو طبيعة علاقتنا بالسلطة. في المجتمع الديمقراطى يعرف المواطن حقوقه وواجباته وهو لا يعتبر رئيس الدولة رمز الوطن ولا شيخ القبيلة ولا كبير العائلة، وإنما هو بالنسبة إليه مجرد موظف عام يعمل عند الشعب ولابد أن يحاسب ومن الممكن الاستغناء عن خدماته في أي لحظة كما حدث مع تشرشل لو قرر الشعب أن هناك من يصلح للمنصب أكثر منه.

في عالمنا العربي يتم الخلط في أذهان الناس بين الحاكم والوطن وبين الدولة والنظام فيصبح المعارضون في نظر الناس خونة للوطن. الحاكم العربي فوق النقد وفوق المحاسبة لأنه يعتبر والد الشعب ولا يجوز للابن أن يحاسب والده أو ينتقد تصرفاته. عندما قامت الثورة المصرية في عام 2011 وأرغمت مبارك على التنحي ثم أرغمت المجلس العسكري على القبض على مبارك ومحاكمته غضب حكام الخليج بشدة ليس حبا في مبارك وإنما خوفا من مفهوم جديد قدمته الثورة يؤكد أن الحاكم موظف عام تجوز محاسبته ومحاكمته لأن هذا المفهوم أكبر تهديد لعروشهم.

بعد الثورة اشتركت في مواجهة تليفزيونية ضد أحمد شفيق رئيس الوزراء آنذاك فعاملته خلالها باعتباره موظفا عاما من حقنا أن نحاسبه على قراراته، أقيل شفيق من منصبه بعد البرنامج لكنى فوجئت في اليوم التالي ببعض الناس يلومونني لأن رئيس الوزراء في رأيهم لا يجوز أن يحاسب على الملأ بهذه الطريقة. لن يتقدم العرب إلا إذا أقلعوا عن تقديس الحكام وأدركوا أنهم مواطنون لا رعية وأن الحاكم يعمل عندهم ويقبض مرتبه من الضرائب التى يدفعونها. فقط عندما نمتلك هذا الوعي سوف تبدأ النهضة.

 

الديمقراطية هي الحل 

 draswany57@yahoo.com

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

 

إعلان