عبد الخالق حسين:ملاحظات حول الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة | العراق اليوم | DW | 01.04.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

العراق اليوم

عبد الخالق حسين:ملاحظات حول الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة

لم تكن الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة مثالية وفق معايير الدول الديمقراطية العريقة، ولم يكن متوقعاً منها أن تكون كذلك في هذه المرحلة العاصفة من تاريخ العراق، ولكن في نفس الوقت لا أحد يستطيع أن ينكر أنها كانت نصراً رائعاً للشعب العراقي والديمقراطية، حيث تحدى أكثر من 12 مليون ناخبة وناخب (62% من الذين يحق لهم التصويت) تهديدات الإرهابيين للمشراكة فيها، ليختاروا 325 مرشحاً من بين أكثر من 6000 مرشح. وكما كتب معلق في الوشنطون بوست، أن العراق وضع جيرانه المحكومة بالأنظمة المستبدة في موقف مخجل. لذا فمن الهراء والسخف الطعن في شرعية وأهمية هذه الانتخابات والحكومة المنبثقة منها، وأياً كانت الكتل التي ستشكلها، بحجة أنها أجريت تحت الاحتلال الأمريكي، خاصة وقد أعلن ممثل الامم المتحدة لدى العراق، آد ميلكرت ان الانتخابات كانت "ناجحة وتتمتع بالمصداقية" مناشدا جميع الاطراف "قبول النتائج مهما كانت".

على كل حال، هناك بعض الملاحظات جديرة بالذكر:

أولاً، لا نعتقد أن النتائج كانت نصراً ساحقاً للمعارضة، ولا هزيمة منكرة للحكومة كما يعتقد البعض، فالفرق (1%) بين القائمتين (العراقية 28% ودولة القانون27%) من مجموع المقاعد 325 لا يؤيد هذا الادعاء، خاصة وإن هناك اعتراضات كثيرة على هذه النتائج من قبل بعض الكتل المتنافسة تنتظر الجهات القضائية للنظر فيها وحسمها، كما وهناك اعتراض من "هيئة المساءلة والعدالة" على ستة أسماء في قائمة "العراقية" بأنهم ضمن قائمة الإبعاد، وأن مفوضية الانتخابات تجاهلت قرار الهيئة التمييزية. وحتى لو أقرت المحكمة الاتحادية شرعية النتائج، فالفارق 1% بين القائمتين المتنافستين لا يعتبر نصراً كاسحاً، ولا يعني أن زعيم هذه الكتلة قادر على تشكيل الحكومة.

ثانياً، كذلك الفرق بـ 12 ألف صوت بين كتلة "العراقية" وكتلة "دولة القانون" لا يعني أن الشعب كله صوت ضد حكومة المالكي واختار علاوي كما يدعي البعض. فهذا الفارق ضئيل جداً يمثل نحو ثلث العدد المطلوب (القاسم الانتخابي) للمقعد الواحد، فتفوق "العراقية" بمقعدين ناتج عن الاختلاف في القاسم الانتخابي للمحافظات، وهذا يشبه ما حصل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2000 عندما حصل آل غور على نصف مليون صوت أكثر من جورج دبليو بوش، ولكن في النهاية، الأخير صار رئيساً وذلك بسبب اختلاف القاسم الانتخابي في الولايات الأمريكية. وهذا يعني أن مسألة تشكيل الحكومة من قبل السيد علاوي ليست محسومة.

ثالثاً، لا شك أننا نتمنى أن تنضج الديمقراطية الناشئة في العراق أكثر وتبلغ النضج بأن يتقبل الخاسر النتائج بروح رياضية ويقدم التهنئة للمنافس الفائز تماماً كما هو يجري في الدول الديمقراطية الغربية. ولكن يجب أن لا ننسى أن في الغرب ثقة شبه مطلقة بنزاهة المشرفين على عملية الانتخابات، وعد وفرز الأصوات وإعطاء النتائج، بينما الوضع يختلف تماماً في العراق، حيث هناك الشكوى من تفشي الفساد في جميع مرافق الدولة وعلى جميع المستويات، ولهذا يجب أن لا نستغرب إذا طعن البعض بالنتائج الانتخابية، فالمشرفون على سير الانتخابات ليسوا معصومين من الخطأ. والملاحظ أيضاً أن هذا الطعن مارستها قادة "العراقية" في أول الأمر عندما كان رصيد "دولة القانون" أعلى، ثم انعكس الأمر عندما تفوقت على غيرها. وعملاً بمبدأ "الهجوم أفضل من الدفاع" صرح السيد طارق الهاشمي، أحد قادة "العراقية" أن ("العراقية" لديها شكاوى والنتائج التي حصلنا عليها اقل من توقعاتنا). ولا أعتقد أن السيد الهاشمي جاد في هذا التصريح، وإنما ليظهر قائمته بأنها مظلومة!!.

رابعاً، ستبقى تهمة الطائفية ملصقة بالكتلتين، "دولة القانون" و"الإئتلاف الوطني العراقي" اللتين غالبية كياناتهما شيعة، رغم أنهما يضمان الكثير من الكيانات والشخصيات العلمانية، ومن مختلف الأديان والمذاهب أسوة بالكتلة "العراقية" التي توصف بالعلمانية وغير طائفية. وهنا أود التأكيد على أن الطائفية لا علاقة لها بالدين والتدين، بل هي ممارسة تشبه العصبية القبلية والعنصرية، وأكثر من يمارسها هم سياسيون علمانيون، إذ مورست بوضوح في العهدين، الملكي والجمهوري البعثي، وهما نظامان علمانيان حد النخاع. وبالمناسبة، لما ذكرت هذه الحقيقة في حوار تلفزيوني على قناة الفيحاء (البث مساء الأربعاء –اليوم- 31 آذار/2010) عارضني الزميل المشارك، د. أكرم العبيدي، نافياً الطائفية عن العهد الملكي، ومع الأسف لضيق الوقت لم يفسح لي المجال لتوضيح ذلك إثناء المناظرة، لذا وتأكيداً لهذا الطرح، أشير إلى المعلومة الموثقة التي أوردها الأستاذ حسن العلوي، العضو الناشط والمنظر في قائمة"العراقية" في مقال له نشر حديثاً جاء فيه ما يلي: "تشكلت في العهد الملكي 59 وزارة، الشيعة الملكيون شكلوا 4 وزارات، والسنة الملكيون شكلوا 54 وزارة. استمر العهد الملكي 38 عاما وكانت حصة الشيعة سنتين وثلاثة اشهر والباقي للسنة." (حسن العلوي، قومية السلطة). وأما الطائفية في العهد البعثي، فحدث عن البحر ولا حرج.

خامساً، يعتقد أنصار قائمة "العراقية" أن الشعب العراقي صوت ضد الطائفية. وعارضت هذا الرأي في مقال لي يعنوان: (الاستقطاب الطائفي على ضوء الانتخابات الأخيرة) . والجدير بالذكر أن خصوم التحالفين (دولة القانون، والإئتلاف الوطني) يروجون أنهما طائفيان، لأن الأول يضم حزب الدعوة، والثاني المجلس الإسلامي الأعلى، وكلاهما تنظيم شيعي، رغم أن الكتلتين تضمان عدداً كبيراً من الكيانات والشخصيات السياسية العلمانية ومن مختلف الأديان والمذاهب. كما ونجد أن مجموع المقاعد البرلمانية التي كسبها التحالفان "الطائفيان" 160 مقعداً (49%) وهو أكبر تجمع في البرلمان، بينما الكتلة العراقية حصلت على 91 مقعداً (28%)، علماً بأن معظم الذين صوتوا للعراقية هم من المحافظات السنية، لأن معظم مكونات الكتلة تمثل كيانات سنية حتى ولو كان زعيمها شيعي. كذلك لوحظ أن الناخبين في الرمادي عاقبوا المرشحين السنة في مناطقهم الذين انضموا للقائمتين (دولة القانون، والإئتلاف الوطني) مثل الشيخ أحمد أبو ريشة قائد الصحوات، والشيخ حاتم السليمان، بينما صوتت نسبة من الناخبين الشيعة في مناطقهم لمرشحي الكتلة "العراقية"، ويعتقد أنهم من البعثيين الشيعة. ووفقاً لهذه المعطيات، يرى معظم المعلقين السياسيين أن التصويت تم وفق الانتماء الطائفي والقومي. (راجع مقال الدكتور جابر حبيب جابر، في الشرق الأوسط، 28/3/2010).

سادساً، انحازت الصحافة السعودية بحماس منقطع النظر للدكتور إياد علاوي وكتلته خلال الحملة الانتخابية، وأعلنت أفراحها بإفراط عند إعلان النتائج بفوز "العراقية" بالأكثرية المقاعد ولو بفارق مقعدين، والسبب في ذلك أن السعودية اتخذت من العراق ساحة لها لتصفية حساباتها مع إيران، واعتبار المالكي خاضعاً للنفوذ الإيراني، بينما في الحقيقة إن المالكي هو ضد التدخل الإيراني في العراق. أما الكيانات الموالية لإيران حقيقة، مثل التيار الصدري والمجلس الإسلامي الأعلى، فالسيد أياد علاوي يحاول عقد التحالف معهما رغم أن زعيم التيار الصدري مازال مقيماً في إيران. ونستنتج من ذلك أن ما يهم السيد علاوي هو إزاحة المالكي ويكون هو رئيساً للحكومة وبأي ثمن كان. أما بالنسبة إلى السعودية، فسبب عدائها للمالكي هو أنها وجدت في المالكي الرقم الصعب في الوقوف ضد استخدام العراق في الصراعات الاقليمية.

سابعاً، وهناك سبب إقتصادي يجعل السعودية تسعى للتخلص من المالكي وحكومته، وهو النجاح الذي حققه في عقد التراخيص مع الشركات النفطية العالمية لإستثمار النفط العراقي وزيادة تصديره من مستواه الحالي نحو مليونين برميل في اليوم إلى 12 مليون برميل في اليوم خلال العشرسنوات القادمة، وبشروط غير مسبوقة في صالح العراق. وهذه العقود اعتبرت نصراً كبيراً للعراق، لذلك ترى السعودية (وكذلك إيران) أن من مصلحتها إفشال هذا المشروع بأي ثمن كان، لذلك صار التخلص من المالكي وحكومته من متطلبات تحقيق ذلك. والجدير بالذكر أن السعودية وغيرها من الدول الخليجية كانت المستفيدة الأكبر من إيقاف تصدير النفط العراقي خلال الحصار الاقتصادي على العراق لمدة 13 سنة، حيث زادت حصتها في تصدير نفوطها للتعويض عن حصة العراق، والتي كسبت منها مئات المليارات الدولارات على حساب الشعب العراقي.

ثامناً، رغم ما شاب الانتخابات من صراعات وتشكيكات في النتائج، إلا إنها أثبتت نجاح العملية السياسية وترسيخ الديمقراطية في العراق بدليل أنه لم يعد أي موظف في الدولة يخاف من انتقام رئيس الحكومة إذا ما عارضه في أمر ما. فلما طالب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مفوضية الانتخابات بإعادة العد والفرز في بغداد وكركوك تلافياً للشكوك التي رافقت النتائج، رفض رئيسها الانصياع إلى طلبهما وهو غير خائف على نفسه من أي إجراء ضده، الأمر الذي لم يكن مألوفاً، لا في العراق في العهود الماضية، ولا في أي بلد عربي آخر سابقاً وحالياً.

تاسعاً، عودتنا الانتخابات في البلاد العربية، وفي العراق في عهد صدام على فوز رئيس الحكومة وقائمته بنسبة 99.99%، بينما نجد في الانتخابات العراقية، أن قائمة رئيس الحكومة لم تفز بأغلب المقاعد، بل وأحياناً أقل بكثير من القوائم الأخرى المنافسة لها، وهذا دليل آخر على نجاح الديمقراطية في العراق.

عاشراً، الملاحظ أنه حتى خصوم الديمقراطية العراقية في البلاد العربية وجدوا أنفسهم مضطرين في الاعتراف بنجاحها بدليل أنهم شاركوا وبحماس في متابعة الحملة الانتخابية والسجال حول نتائج الانتخبات والإنحياز لهذه الكتلة السياسية أو تلك، والمراهنة على هذه القائمة وأخرى، تماماً كما نلاحظ ذلك في مراهنات أنصار الفرق الرياضية في السباقات العالمية لكرة القدم على هذا الفريق أو ذاك، وهذا بحد ذاته اعتراف منهم بصمود الديمقراطية العراقية ونجاحها.