عبد الخالق حسين:أزمة اليسار العراقي على ضوء الانتخابات الأخيرة | العراق اليوم | DW | 25.03.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

العراق اليوم

عبد الخالق حسين:أزمة اليسار العراقي على ضوء الانتخابات الأخيرة

لقد صُدِمَتْ القوى العلمانية الديمقراطية وخاصة اليسارية منها، وبالأخص أعضاء وأنصار الحزب الشيوعي العراقي، بنتائج الانتخابات الأخيرة، لأنها جاءت مخالفة لتوقعاتهم ورغباتهم، ولكن بدلاً من أن يعترفوا بالأمر الواقع، ويبحثوا عن السبب الحقيق لهذا التراجع، اتهموا المفوضية العليا بالتلاعب والتزوير، وطالبوا بإعادة العد وفرز الأصوات.

إن سبب خيبة أمل اليسار وغيرهم من العلمانيين الديمقراطيين هو لأنهم كانوا ومازالوا يعتقدون أنه طالما منهجهم الديمقراطي هو الصحيح لحكم العراق، وأن المجتمع العراقي يتمتع بالوعي السياسي، ولا يمكن أن يخطأ، فلا بد في هذه الحالة أن يمنح الناخبون أصواتهم لأفضل المرشحين الذين يمثلونهم، ألا وهم العلمانيون ومنهم اليسار، وليس للأحزاب الدينية التي فشلت في تحقيق الأمن وتوفير الخدمات له، إلا إن النتائج جاءت عكس هذه التوقعات.

وبعد نشر مقالي الأخير الموسوم (الاستقطاب الطائفي على ضوء الانتخابات الأخيرة) استلمت عدة رسائل، منها رسالة من قارئ علماني في العراق قال فيها، أن الشارع العراقي علماني التوجه، رافض للأحزاب الدينية والطائفية، ولكن في النهاية صوَّتوا للأحزاب الدينية والكيانات التي تمثل الطائفة، وأعطى الأخ القارئ الكريم تبريرات لم أقتنع بها، مثل أن الإسلاميين أثاروا مخاوف الناخبين العراقيين بعودة البعث وإرشاء الناخبين ...الخ. كما وكتب لي قارئ آخر ماركسي الهوى، معتقداً بأن الصراع في العراق ليس طائفياً ولا أثنياً، بل هو طبقي. هذا الطرح هو الآخر يجانب الحقيقة في المرحلة الراهنة على الأقل، إذ لو كان الصراع طبقياً لكان المفروض أن تمنح جماهير الفقراء المليونية أصواتها للحزب الشيوعي، بينما الذي حصل أن هذا الحزب التاريخي العريق لم يحصل حتى على مقعد برلماني واحد. فأين الخلل، وما هو التفسير لهذه الظاهرة؟

السبب في رأيي هو الردة الحضارية التي حصلت خلال أربعين عاماً من حكم التيار القومي العروبي وبالأخص بنموذجه البعثي الفاشي المتطرف في إحياء البداوة. إن جو التشويش الفكري السائد، والوضع القلق الذي يعيشه العراق، جعل الناخب العراقي متخوفاً وقلقاً على مستقبله، فصار يتحايل على هذا الواقع، يعلن شيئاً ويفعل شيئاً آخر. يشتم الأحزاب الدينية أمام أصدقائه ومعارفه العلمانيين، ولكن عند صناديق الاقتراع يمنح صوته للإسلاميين من الطائفة التي ينتمي لها. ففي هذه المرحلة من التحولات التاريخية العاصفة غير المستقرة، من الطبيعي أن يلجأ العراقيون إلى الطائفة والعشيرة لحماية أنفسهم ومصالحهم، ويصوتوا وفق انتمائهم الطائفي والقبلي، وذلك كرد فعل لما عانوه من التمييز الطائفي والعرقي على أيدي الحكومات المتعاقبة.

لقد عشنا منعطفات تاريخية عاصفة خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الستين سنة، والتي هي فترة قصيرة في حساب التاريخ وعمر الشعوب، شاهدنا خلالها تحاولات حادة وتقلبات شديدة في توجهات ومزاجية الجماهير الشعبية وتبديل مواقفها من القوى السياسية المختلفة وأيديولوجياتها. وهذه التبدلات والتقلبات لها علاقة بالجو السياسي العام الذي يسود العالم كله وليس محلياً فقط. ففي الخمسينات وما بعدها لثلاثين سنة، حيث الحرب الباردة، والصراع بين المعسكرين، الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والرأسمالي الديمقراطي بقيادة أمريكا، كان على أشده، كانت حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار، وخاصة اليسارية منها تتمتع بشعبية واسعة.

لذلك تمتع الحزب الشيوعي العراقي بعد ثورة 14 تموز 1958 بشعبية واسعة أكثر من أي حزب آخر في العراق، ولو كانت قد أجريت انتخابات تشريعية نزيهة وحرة في عام 1959 لفاز الحزب بمعظم المقاعد البرلمانية. ولهذا السبب وخوفاً من حصول هذا الاحتمال وتحجيماً للمد اليساري ودرء خطره، تكالبت القوى الداخلية والخارجية على العراق، وساهمت في إغتيال الثورة في الانقلاب البعثي-القومي العسكري يوم 8 شباط 1963، ومنذ ذلك اليوم تلقى الحزب الشيوعي حملات إبادة من ضربات ماحقة متواصلة كادت أن تفنيه من الوجود. لذلك من الصعوبة بمكان أن يستعيد هذا الحزب جماهيريته كما كان عليه في الخمسينات والستينات.

إن ما حصل من تغيير على الجو السياسي في العراق له علاقة وثيقة بما حصل على الساحة العالمية بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار المعسكر الإشتراكي، ولهذا انحسر المد اليساري، ليس في العراق فحسب، بل وفي جميع أنحاء العالم، كما وانحسر المد القومي العروبي في البلاد العربية، ليحل محله المد الإسلامي والذي هو الآخر له علاقة وثيقة بمتغيرات عاصفة حصلت في العالم، منها إنهيار المعسكر الإشتراكي، وعوامل كثيرة أخرى ليس مكانها هذا المقال.

لا أريد هنا الدفاع عن الحزب الشيوعي وقيادته، ولا أظن أن الحزب يحتاج إلى دفاعي عنه، ولكني أرى أن المسألة تخص قضية فكرية لها علاقة بالأزمة العراقية، لذا فمن حق المثقفف، بل والواجب عليه خوضها لتوضيحها وإزالة الغشاوة عنها.

أعتقد أن فشل اليسار العراقي في الانتخابات الأخيرة لا يعود إلى سرقة الأصوات أو تزييفها أو التلاعب بها من قبل المفوضية العليات للانتخابات، ولا إلى ضعف قيادات الحزب وقصورها، بل إلى تغيير البيئة السياسة، المحلية والدولية، فالمرحلة هي ليست لليسار، بل مازالت للقوى الإسلامية. والمشكلة أن هذه الحقيقة المرة لا يقبل أن يعترف بها بعض العلمانيين.

وتأسيساً على ما تقدم، أرى أن إلقاء اللوم على قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وبالأخص على أمينه العام، السيد حميد مجيد موسى تحديداً، لا يقدم حلاً للمعضلة، بل العكس هو الصحيح، إذ أعتقد أن قيادة الحزب الحالية هي أكثر تفهماً وثقافة وحكمة ومعرفة بالأمور السياسية والاجتماعية ومتطلبات المرحلة من أية قيادة للحزب في الماضي، وذلك بسبب التراكم المعرفي الذي حصل منذ الخمسينات ولحد الآن.

لذا فإن الهجوم على السيد حميد مجيد موسى ومطالبته بالاستقالة، ومطالبة الحزب الشيوعي بتغيير قيادته، كلام حاقد وانتهازي، يقصد منه التشفي والانتقام، خاصة وأن هذه المطالبة تأتي من خارج الحزب الشيوعي، وبالأخص من الذين كان لهم انتماء سابق في الحزب ليتعكزوا عليه ويتخذوه حقاً مشروعاً لهم للهجوم على قيادة الحزب.

خلاصة القول، إن الانتخابات الأخيرة كشفت بوضوح أزمة اليسار العراقي، والتي هي جزء لا يتجزأ من الأزمة العراقية ككل، وسبب عدم فوزه ليس تزوير الأصوات ولا القصور في قيادة اليسار، بل بسبب البيئة السياسية والاجتماعية التي يعيشها العراق والتي هي في صالح القوى الإسلامية وليست للقوى التقدمية، ولكن هذا الوضع بدأ يتغير تدريجياً لصالح العلمانية الديمقراطية وقد يستغرق وقتاً.

كما وأعتقد أن على الحزب الشيوعي العراقي، وليكون له دور فاعل في مسقبل العراق، أن يأخذ التغييرات العاصفة التي حصلت في العراق والعالم بنظر الحسبان، وذلك بأن يحذو حذو الأحزاب الشيوعية في أوربا الشرقية التي غيرت أسماءها وتبنت الديمقراطية الاجتماعية (social democrat) بدلاً من الماركسية - اللينية، فالعراق بأمس الحاجة إلى مثل هذا الحزب، والحزب الشيوعي العراقي مؤهل أكثر من غيره ليلعب هذا الدور. وسأخصص مقالاً مستقلاً لهذا الموضوع.