زراعة الحشيش واستهلاكه دعامة اقتصادية للدول العربية؟ | ثقافة ومجتمع | DW | 12.06.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

ثقافة ومجتمع

زراعة الحشيش واستهلاكه دعامة اقتصادية للدول العربية؟

لايزال استهلاك الحشيش من المحرمات في المجتمعات العربية نظراً للعقوبات القانونية والوصمة المجتمعية. لكن ذلك لا يعني انخفاض إنتاجه واستهلاكه. فهل يشفع واقع الحال في تقنين هذه المادة وتحويلها إلى مصدر ثروة؟

Großbritannien Drogenszene London (Getty Images/J. Taylor)

مشرد يعدّ سيجارة من الحشيش في لندن

يترّبع عدد من الدول العربية على صدارة التقارير الإقليمية والدولية الخاصة بإنتاج القنب الهندي أو استهلاكه (غالباً على شكل حشيش)، وهو واقع لا يزيد فقط من الضغوط الاجتماعية على هذه الدول المحافظة، بل يُلحق بها خسائر اقتصادية كبيرة بسبب غياب إطار قانوني لزراعة القنب الهندي، وهو ما يحرمها من الاستخدام الطبي لهذه النبتة، بل وحتى تقنين استهلاكها كدخان مخدر كما تدعو بعض الأصوات في أكثر من دولة.

وتتعرض تقارير دولية متعددة لنصيب الدول العربية من هذه النبتة المثيرة للجدل، فتقرير صادر حديثاً عن مؤسسة "new frontier data" يشير إلى احتلال المغرب المرتبة الثالثة إفريقياً في سوق القنب الهندي، بمجموع دخل يقدّر بـ3.5 مليار دولار، بعد كل من نيجيريا (15.3 مليار) وإثيوبيا (15.3 مليار)، بينما حلّت مصر ثالثة في الاستهلاك بـ5.9 مليون مستهلك بعد نيجيريا (20.8 مليون) وإثيوبيا (7.1 مليون). ويتوقع التقرير عموماً أن يرتفع حجم سوق القنب الهندي، بكل أغراضه، سواءً للتدخين المقنن أو غير المقنن أو الطبي، إلى 48.5 مليار دولار حول العالم.

بيد أن أرقاماً أخرى مذكورة في تقرير المخدرات العالمي لعام 2018، الذي يُصدره مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تشير إلى أن أفغانستان والمغرب يعدان أكبر مصدرين للقنب في العالم في الفترة ما بين 2012 و2016، فهذا الأخير هو المصدّر الرئيسي لصمغ القنب (المستخدم غالباً للتدخين) في شمال إفريقيا بنسبة 80 في المائة من الكمية المحجوزة، وكذلك لمنطقة أوربا الغربية والوسطى (بنسبة 41 في المائة). كما يوجد لبنان ضمن الدول المصدّرة لهذا الصمغ (7 في المائة من مجموع الدول المنتجة لنبتة القنب)، ما يجعله، إلى جانب باكستان، أهم مصدّر لها إلى الدول القريبة.

انتشار منذ عقود

نشطت زراعة القنب بشكل كبير في منطقة البقاع اللبنانية خلال فترة الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990. واستمر النشاط بشكل أقل بعد ذلك مستفيداً من شبكة المصالح ومن غياب زراعات بديلة في المنطقة، بينما تعود زراعة هذه النبتة في شمال المغرب إلى عقود من الزمن، وسط تأكيد من المزارعين أن أراضيهم لا تصلع لزراعة بديلة. ورغم وجود قوانين صارمة تمنع إنتاج الحشيش أو استهلاكه، وإعلان السلطات بشكل دوري حجزها لراتنج (صمغ) القنب الهندي، إلا أن المزارعين استمروا في زراعته، مثلما استمر المستهلكون في ابتياع ما يحتاجونه منه رغم ارتفاع سعره.

Marokko Cannabis Anbau Archiv 2006 (Abdelhak Senna/AFP/Getty Images)

من حقول القنب في العرائش- شمال المغرب

ويُشير كريم شعير، عضو "الائتلاف من أجل تقنين القنب الهندي" في تونس، إلى وجود حوالي 1.5 مليون مستهلك لهذه المادة، منهم 400 ألف يستهلكونها بشكل منتظم. ويضيف شعير، في حديث مع DW عربية، أن العالم "تفطن لكون منع القنب الهندي سياسة فاشلة بدأتها الولايات المتحدة منذ الستينيات لأسباب اقتصادية وسياسية دون أدلة علمية واضحة، رغم أن القنب الهندي أقّل خطورة على الصحة من التبغ والكحول المسموح باستهلاكهما وحتى ترويجهما".

لماذا يتخوّف العرب؟

باستثناء تونس، التي لا يُخفي فيها المطالبون بتقنين القنب الهندي إمكانية استهلاكه بشكل شخصي كما هو الحال مع التبغ، مقتدين بتجارب بعض الدول كهولندا، فإن كل الدول العربية التي شهدت نقاشات حول تقنينه كانت مقصورة على أغراض علاجية حصراً عبر شركات دوائية مرخصة. لكن ذلك لم ينفع في تفادي معارضة واسعة استطاعت أن تجمد في المغرب نقاش التقنين، ولا تزال تقاوم بقوة في لبنان وتونس.

ويشير كريم شعير إلى أن هناك تشابكاً في مصالح العصابات التي تتاجر في القنب الهندي واللوبي السياسي، لأن تقنين هذه المادة سيقطع إمدادات مالية مهمة عن هذه المافيات، فضلاً عن وجود ارتباط بين العائلات الحاكمة في المنطقة بنظيرتها في الغرب، بحيث لا تزال تنتظر منها الضوء الأخضر للتوجه نحو خطوة التقنين، حسب رأيه.

ومن الأسباب الأخرى التي يوردها الناشط التونسي وجود صراع سياسي بين أطراف حزبية، مثل الصراع بين حزبي العدالة والتنمية من جهة والأصالة والمعاصرة من جهة أخرى في المغرب، إذ يرفض الأول (الذي يرأس الحكومة) الدعوات الذي يطلقها الثاني لزراعة القنب تخوفاً من الاستغلال السياسي، خاصة وأن نفوذ الأصالة والمعاصرة كبير في المناطق التي تشهد هذه الزراعة.

إلى ذلك، هنالك أسباب أخرى منها ما هو أيديولوجي، إذ ترفض الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية في المغرب وتونس ولبنان والجزائر أي حديث عن تقنين القنب الهندي، وتعتبر زراعته ترويجاً للمخدرات، وبالتالي محرماً من الناحية الدينية. وهي تتفق هنا مع التوجه العام المحافظ الذي لا يتسامح علنياً مع استهلاك المخدرات حتى ولو ارتفعت نسب استهلاكها. غير أن عدداً من الأحزاب ذاتها يتغاضى عن إنتاج وتصدير دولهم للمشروبات الكحولية وما ينتج عن ذلك من فوائد تجارية مباشرة وأخرى ضريبية.

كيف ستستفيد الدول؟

بعيداً عن النقاش الدائر حول تقنين الحشيش للاستهلاك الشخصي بين مؤيد ورافض، خاصة مع تأكيد تقارير طبية على خطر تدخين الحشيش، فإن هناك توجهاً عالمياً لإدخال القنب الهندي ضمن المنظومة الاقتصادية عبر بوابة العلاج، فقد سمحت ألمانيا، مثلاً، بشراء دواء يحتوي على النبتة دون الحاجة لوصفة طبية. كما يؤكد تقرير "new frontier data" أن جلّ الدول الأوروبية قنن استخدام القنب لأغراض طبية، ويتوقع أن تجني زيمبابوي - على سبيل المثال - حوالي 300 مليون دولار خلال خمس سنوات إذا ما تم استغلال هذه المادة بالشكل الأنسب.

Niederlande Cannabis aus der Apotheke (picture-alliance/dpa/E. Oudenaarden)

استهلاك القنب للعلاج باتَ منتشرا

وفي لبنان، أشارت عدة تقارير إلى توصيات قدمتها شركة الاستشارات الشهيرة "ماكينزي" للحكومة اللبنانية بوضع زراعة القنب ضمن أولوياتها لإنقاذ اقتصاد البلاد وانتشاله من المديونية. كما يعدّد كريم شعير الفوائد التي ستعود على عدد من القطاعات، مثل الفلاحة والصناعات الدوائية والتحويلية وخلق شركات صغرى ومتوسطة وخلق فرص العمل، مضيفاً أن التقنين سيرفع الناتج المحلي التونسي بشكل ملحوظ.

غير أن رشيد أوراز، باحث اقتصادي من المغرب، يرى أنه إذا كان التقنين من الناحية النظرية أفضل من غيابه، فإن ذلك لا يعني أن الحال سيختلف كثيراً، إذ يقول لـDW عربية: "حتى ولو قامت الدول العربية بالتقنين في هذه الفترة، فإن ذلك لن يؤطر الظاهرة بقدر ما سيخلق ظواهر أخرى، كأمراء الحشيش الذين يسيطرون على السوق بآليات الدولة في مواد حيوية كالغاز والبترول". ويتابع أوراز بالقول إن الحشيش - حتى لو جرى تقنينه - سيتحول إلى سلعة ريعية في دول لا توجد فيها العدالة الاجتماعية وتغيب فيها التنافسية.

ويضيف المدافعون عن التقنين بعداً اجتماعياً، هو إنهاء الملاحقات الأمنية التي حولت حياة آلاف المزارعين إلى جحيم، بل منهم من يجدون أنفسهم وراء أسوار السجن، في حين ينعم التجار الكبار باستمرار المنع لتحقيق المزيد من الأرباح وبناء شبكات دولية تحقق مبالغ طائلة، حسب ما تذكره التقارير المختصة.

الكاتب: إسماعيل عزام

مختارات