رشا حلوة: نساء يعشن أبعد عن بلادهن.. وأقرب من حقيقتهن | آراء | DW | 06.09.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

رشا حلوة: نساء يعشن أبعد عن بلادهن.. وأقرب من حقيقتهن

في مقالها* لـ DW عربية تستعرض الكاتبة الصحفية رشا حلوة حياة نساء عربيات وحيدات بعيداً عن بلادهن، وكيف تتعامل المرأة العربية مع هذا الوضع في بلاد المهجر.

نتشارك أنا وصديقاتي في برلين مجموعة تواصل عبر الواتساب، نتحدث من خلالها عن أمور عديدة، منها شخصيّة وأخرى عامّة، نتشارك أخبارنا، بعض النكات والأخبار السّعيدة، والكثير من مساحة الأمان لأن نحكي عن أمور تؤلمنا وتغضبنا. جميعنا، أنا وصديقاتي، قررن يومًا ما أن ننقل حياتنا إلى برلين، بعيدًا عن بلادنا وأهلنا، ولكل مننا أسبابها.

قبل أيام، واجهت إحدانا مشكلة، كان ذلك وأنا أفكر بموضوع مقال هذا الأسبوع، وصديقاتي يشكلن جزءًا أساسيًا من العصف الذهني للكتابة. فقالت إحداهن جملة، جراء ما حدث لصديقتنا، مفادها بأن الحياة لوحدك ستفرض عليك مواجهة الكثير من الأمور لوحدك. وهذا صحيح، سواء قرر الفرد أن يعيش لوحده، أو فرضَت عليه الظروف أن يعيش لوحده، فعليه مواجهة كل شيء بنفسه، وبالطبع، جميعنا نعرف بأن هذه المواجهة في حياة المرأة تزداد صعوبة، خاصّة ضمن مجتمعات تعيش فيها بعض الفئات التي لا زالت ترفض قرار المرأة أن تعيش لوحدها.

مختارات

لكن موضوع المقال ليس عن حياة المرأة بعيدًا عن أهلها وبلادها، إنما عن جوانب من هذه الحياة نحاول كنساء دومًا أن نتعامل معها لوحدنا فقط لكي نحمي أنفسنا أكثر، كما أن هنالك صعوبة حقيقيّة أحيانًا في مواجهة كل شيء لوحدك، حتى في الحياة التي اخترناها، وهذا شرعيّ تمامًا.

نحن لا زلنا نعيش في مجتمعات تطلب فئات عديدة منها من الرجل أن لا يبكي، وتفهمه منذ الصّغر أن البكاء هو فعل الضعفاء، وفي المقابل، وعلى الرّغم من التعامل الصّحيّ للمرأة مع الدموع تاريخيًا، إلّا أن الوظائف الجندريّة تتطلب منها أن تكون مدبّرة ومسيطرة على حياتها وحياة كلّ من حولها، وأحيانًا يجب أن تثبت على أنها "سوبر وومان". فنعيش، كنساء، من جهة تحت مظلة كوننا عاطفيّات "زيادة"، ومن جهة أخرى علينا أن نكون أقوياء كل الوقت، وأحيانًا كثيرة يُطلب منا أن نكون أقوياء من أجل غيرنا، قبل أن يكون من أجلنا. هذا الواقع يفرض على نساء عديدات، خاصّة المستقلات منهن، أن يعشن حياة مزدوجة على مستوى ذاتيّ، فيها من المتاعب التي عليها أن تتعامل معها وحدها، ومن جهة يجب أن تظهر كل الوقت بأنها قوية وسعيدة "ومدبرة حالها"، كي "توفر على حالها وجع رأس"، حسب تعبير إحدى صديقاتي.

بمعنى، كأن على المرأة أن تثبت، في كلّ شيء تفعله، بأنها "تمام التمام" ولا يمكن أن تفشل، خاصّة بما قررت من خطوات في حياتها. فإن وتذمرت من مشكلة حول أمور بيروقراطيّة، أو من تحرش في الشّارع، أو بأنها تشعر بآلام متواصلة في المعدة، خاصّة إن كانت تعيش بعيدًا عن بلدها، يكون رد البعض أحيانًا على هذا التذمر: "طيب ارجعي على البيت إذا هيك". هي ببساطة، تتذمر لأنها تريد مشاركة ألم صغير أو غضب كبير مع ناس قريبة من قلبها، أو تحتاج إلى مساعدة بمواجهة شيء ما، لكنها لا تفعل ذلك خوفًا من ردود فعل تحكم على شكل حياتها، فتتحول حيوات العديد من النساء المستقلات إلى أشبه بعالميْن موازيْين.

في حديثنا عن هذا الشّأن، قالت صديقة عربيّة تعيش في برلين: "هنالك جانبين من ذواتنا، الأوّل هو أن تعيشي بحريّة في بيتك الجديد، وهو برلين في مثل هذه الحالة، والجانب الثاني مننا هو أشبه بقناع نرتديه حين نزور بلادنا، بسبب حجم المسافة التي تنشأ بيننا وبين ذاك المحيط. خاصّة، بأنه من الصعب عليهم تقبل شكل حياتي، ولا يعرفون كيف أعيش، وهذا أكثر ما يؤلمني. لأني امرأة صادقة في حياتي، الشّخصيّة والاجتماعيّة، وهذه الأقنعة التي نلبسها هي كاذبة، خوفًا من أن يكون هنالك رفضًا تامًا من المحيط التي ترعرعت به على شكل حياتي الذي أحبّه ومقتنعة فيه. وبالتالي، لا يمكن لي مشاركة ذاك المحيط أي من المشاعر والمشاكل التي أمرّ بها، يجب أن أشعرهم بأني بخير دائمًا. علّمتني الحياة وحدي الكثير، وصنعت مني امرأة مستقلّة قادرة على مواجهة قضايا عديدة. نصطدم في مشاكل حياتيّة علينا أن نعيشها ونجد لها حلولًا لوحدنا. على الرّغم من التعب، لكن هنالك شعورًا بالقوة من الصّعب التنازل عنه".

من تجربتي الذاتيّة، كامرأة بدأت بالعيش لوحدها وبكامل الاستقلاليّة والدّعم من عائلتي منذ كنت في الثامنة عشر من عمري، بداية من الدراسة الأكاديميّة ومن ثم العمل وفيما بعد من أجل البحث عن احتمالات أوسع للحياة، كما العديد من نساء بلادنا، أشعر بأن هذه التجربة هي من أهم التجارب التي خضتها في حياتي، ولا زلت أخوضها. هذه الاستقلاليّة كانت ولا زالت خير معلّمة عن من أكون. لكن، كما كلّ حياة في كلّ مكان، نمرّ كنساء قررن شكل الحياة المستقلّ، بمشاكل عديدة علينا مواجهتها، وغالبًا ما نواجهها وحدنا، ونكون محظوظين لو كانت من حولنا مجموعة من الصّديقات اللواتي يعشن ظروفًا مشابهة، فيمكن مشاركة السّعادة والتعب معهن، وسيفهمن تمامًا ما تمرين به. هذه المشاكل التي نواجهها، لربما لن تكن أقل لو عشنا في بلادنا أو وسط محيطنا الأوّل، لكن مواجهتها وحدنا وفي مكان بعيد عن "البيت"، بلا شك يعطينا دروسًا كبيرة عن أنفسنا والحياة. وأن نصرخ من التعب أحيانًا في بيوتنا البعيدة عن بلادنا، هذا شرعيّ تمامًا لكنه لا يعطي شرعيّة لأحد بأن يطلب مننا تغيير شكل حياتنا، من حقنا أن نتعب وننكسر في الحياة التي اخترناها، بلا أن نثبت دائمًا بأننا "قدها وقدود" وصاحبات قوى خارقة، وبلا أن يحكم على حياتنا أو يتحكم فيها أحد، على أمل أن يأتي ذاك اليوم الذي لن تضطر فيه أي امرأة أن تعيش في عالميْن موازيْين.

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.

إعلان