رشا حلوة: كيف يحتفل الناس بعيد الفطر في المهجر؟ | آراء | DW | 13.06.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

رشا حلوة: كيف يحتفل الناس بعيد الفطر في المهجر؟

في مقالها* لـ DW عربية تستحضر الكاتبة الصحفية رشا حلوة حميمية أجواء عيد الفطر في ظروف حياة المهاجرين. لكن بلوعة الشعور بالغربة والحنين إلى الموطن.

بعد يومين، سوف ينتهي شهر رمضان الكريم، وتبدأ احتفالات عيد الفطر المبارك، ومما لا شكّ فيه، هو أن الأعياد عمومًا، ليست فقط مناسبات دينية، بل طقوس عائلية واجتماعية أيضًا، وهذه الحقيقة تجعل الأعياد أكثر اتساعًا وترحيبًا بالناس، سواء كانوا متدينين أو لم يكونوا، أو حتى كانوا في حالة عيد الفطر، مسلمين أو لم يكونوا، وبالتالي، الأعياد هي بالضرورة طقوس ثقافية أيضًا، لها ملامحها المشتركة عامّة والخاصة لكل مكان، ومرتبطة بعادات وتقاليد وموروث ثقافي.

نردد أحيانًا بيت القصيد للمتبني: "عيد، بأية حال عدت يا عيد؟"، تعبيرًا عن سياق نعيشه لا يناسب فرحة العيد، سواء فقدنا عزيزا أو تغيّرت ظروف حياتية ما، منها الهجرة القسرية، التي تجعل بالضرورة للعيد طعما آخر مختلفا عن الطعم والروائح التي عاشها الناس في البلد الأمّ، وعلى الرغم من كل هذا، يحاول الناس قدر المستطاع، بمدينة مثل برلين، يعيشها لاجئون/ات ومهاجرون/ان مسلمون/ات، أن يستعيدوا طعم العيد بشكل أو بآخر، أو يقتربوا منه قليلًا.

يرتبط عندي عيد الفطر بمدينتين، الأولى مدينتي عكّا والثانية القاهرة، حيث عشت في كليهما الأجواء الكاملة للعيد، من أعداد كبيرة للناس يمشون في شوارعهما، إلى عربيات صغيرة تبيع أنواع مختلفة من المأكولات، حناطير وألعاب للأطفال بكل الألوان، والأهم، ثياب العيد الجديدة. أعرف عكّا أكثر من القاهرة، وأعرف أن العيد يغيّر وجه المدينة بحضور الناس من أماكن مختلفة، ورغم كل شيء، يجعلها أكثر سعادة من خلال الطقوس المتنوعة التي يفعلها الناس.

مختارات

لم أحضر حتى الآن في برلين  عيد الفطر، ستكون هذه المرة الأولى التي سأكتشف كيف يخلق الناس مساحات للاحتفال بالعيد وللتعبير عن هويتهم الدينية والثقافية من خلال طقوس تشبه بلادهم، سواء عاشوا فيها مرة أو سمعوا قصص العيد من بعيد، ولاستعادة شعور "البيت"، ولربما التخفيف من "الغربة" قليلًا، من خلال تحضير كعك العيد، لقاء العائلة والأصدقاء أو المشي قليلًا في "شارع العرب".

صديقي محمد، وهو فلسطيني ويعيش في برلين، يزور شارع زونين آليه (يُطلق عليه شارع العرب)، فترة الأعياد، عن هذا يقول: "عند أوّل أيام العيد، وفي مقطع من شارع العرب لا يتعدى الثلاثمائة متر، يجتمع العدد الأكبر من المحتفلين هناك، يذهب البعض للصلاة في الجامع، ومن ثم يقضون أوقاتهم في الشارع، حيث تجمع العائلات، ألعاب للأطفال، وعربيات بيع مشاوي، أجواء تشبه الاحتفالات في بلادنا، مع الإدراك بأنه يحصل هنا، وأنه تعبير ثقافي عن طقوس العيد، في كل تفاصيله، بما في ذلك مشاهدة الأطفال بثياب العيد الجديدة وفرقة موسيقية تغني أغانٍ دينية، ضمن أجواء مهرجانية مصغّرة، وخارج هذه البقعة من الشارع ترين الناس في المطاعم العربية عامّة"، ويتابع محمد: "لكنني أعتقد بأن نسبة إلى عدد المسلمين في المدينة، وعدد الصائمين، فان الأجواء الاحتفالية صغيرة".

عندما وجهت سؤالًا لأصدقائي وصديقاتي، أستفسر من خلالهم/ن عن طقوسهم/ن بالاحتفال في العيد، أرسلت لي صديقتي رامة، من سورية وتعيش في برلين، تقول: "أنا أوّل مرة بسمع بشي اسمه تكبيرات العيد، كانت ببرلين"، وعندما سألتها عن تفاصيل القصة، تابعت عبر تسجيل صوتي: "وصلت برلين عام 2015، كانت فترة العيد آنذاك، وقررت صديقتي أن تدعوني لتجهيز الكعك سوية كي نشعر بالأجواء، ونمت في بيتها، وعند منتصف الليل، استيقظت على صوت تكبير من الجامع الموازي، وعندما استفسرت من صديقتي عن الأمر، عرفت بأنها تكبيرات العيد، حيث في سورية كنا نسكن بمنطقة غير محاطة بجامع ولم أسمع من قبل تكبيرات العيد، فعرّفتني عليها برلين!".

يحمل اللجوء معه تجارب وقصص كثيرة، كما يجعلنا أحيانًا نفكر في تفاصيل كانت مفهومة ضمنًا من قبل في سياق مختلف وبيئة جديدة تعيدان بناء شكل علاقتنا مع طقوس حياتية متنوعة، اختلفت علينا ما بين البلد الأمّ وبين المهجر. وبالعودة إلى احتفالات العيد، يحاول الناس دائمًا خلق مساحات أمان ضمن هذه الأيام، مثالًا على ذلك، وفي حديث مع أحمد (27 عامًا)، وهو من حلب ويعيش اليوم في برلين، قال: "أعيش مع أهلي، ووالدتي تحبّ طقوس العيد وتحضير الكعك مثل المعمول، وأنا أحاول مساعدتهم بخلق أجواء العيد، فأدعو أصدقائي لتذوّق الحلويات"، ويتابع: "تختلف الطقوس بين برلين وحلب، هنالك عجقة ما قبل العيد حيث لا أجدها هنا، أنا لا أصوم في رمضان، لكني أحبّ هذه الطقوس؛ أن أمشي في السوق وأشاهد الناس وزينة المحلات. نحاول أن نخلق هذه الأجواء في برلين، إلا أنه صعب جدًا، حيث أن العيد هو في الأساس للعائلة أكثر من الأصدقاء، والأقارب ليسوا هنا".

 في حديثنا عن طقوس رمضان في السابق، أو من خلال حواراتي مع البعض عن الاحتفال بعيد الفطر في المهجر، كان أهمّ محور لضمان الحد الأدنى من "الشعور بالبيت"، هو وجود الناس والطقوس الجماعية. بالنسبة لبيان (31 عامًا)، من دمشق وتعيش في برلين، قالت: "رمضان والعيد بالنسبة لي هما حالات أحبّ أن أعيشها حتى لو كنت بمكان بعيد ثقافيًا، فأنا قادرة على خلق هذه الحالة؛ أن أجهز الإفطار في رمضان وأدعو أصدقائي، الصيام هو أيضًا عامل مساعد، وخلال العيد نجتمع لتجهيز الكعك"، أما عن خططها للعيد، فقالت بيان: "سنجتمع مع أصدقاء على وجبة الغداء، ونجهز أكلات العيد مثل الشاكرية وكوسا بلبن، سنشتري ثيابًا جديدة، أي سنحاول قدر الإمكان أن نعيش الطقوس حتى لو نحن بعيدين عن أهلنا، فوجود الأصدقاء يساعد ويخفف كثيرًا من حقيقة أن طقوس العيد ليست حاضرة ثقافيًا في مدينة مثل برلين، لكننا نخلقها".

سيأتي العيد ويذهب سريعًا، وسيكون هنالك أسباب دومًا لنستقبله بأقل سعادة مما يستحق، على الأقل، لمن لجأ قسرًا خارج بلده، سيحمل العيد معه حسرة مستمرة، تأخذ أشكالًا متنوعة مع الزمن. العيد مقارنة بأيام عادية أخرى، هو تفاصيل مكثّفة للحنين، سواء للناس أو الأماكن، لكن رغم كل ذلك، ينجح الناس دومًا بأن يخلقون مساحاتهم للأمان بعيدًا عن "البيت"، تعتمد أساسًا وأولًا على الناس، مما يجعلون الأماكن بمحبتهم أقل غربة.

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان