رشا حلوة: تحديد النسل، كخطوة أساسية نحو بناء مجتمعات قوية؟ | آراء | DW | 17.10.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

آراء

رشا حلوة: تحديد النسل، كخطوة أساسية نحو بناء مجتمعات قوية؟

في مقالها لـ DW عربية تنطلق الكاتبة الصحفية رشا حلوة من الجدل في تونس حول مسألة تحديد النسل، لتطرح الموضوع الأكثر تعقيدا في حالة دول عربية أخرى ذات كثافة سكانية عالية.

أثارت تصريحات وزير التربية التونسي، حاتم بن سالم، مؤخرًا، سخرية في أوساط الشباب التونسي وخصوصا عبر مواقع التواصل الإجتماعي، بعد أن  عبّر عن "مفاجأته بازدياد عدد الطلبة في المدارس مع بداية الموسم الدراسي الحالي"، حيث تمحوّرت الردود الساخرة حول المقولة بأن هذا الازدياد في عدد الطلاب/ الأطفال، هو نتاج حظر التجوّل الذي فُرض على تونس عام 2011.

بموازاة الردود الساخرة، طُرحت من جديد في تونس مسألة تنظيم الأسرة وتحديد النسل، على الرغم من أن تونس كانت قد بدأت مبكرًا، منذ استقلالها وفي عهد الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، بنهج تحديد النسل، وهي تعتبر من أكثر الدول العربيّة توازنًا فيما يتعلق بهذه المسألة والنمو الديموغرافي مقارنة ببلاد عربية أخرى.

بداية، من المهم توضيح ماهية مسألة التنظيم الأسري وتحديد النسل، فوفقًا لمنظمة الصحّة العالمية، ومن حقائق تحديد النسل الرئيسية هي أن تنظيم الأسرة يساهم في تعزيز حق الناس في تحديد عدد الأطفال الذي يرغبون في إنجابهم وحقهم في المباعدة بين الولادات، ويمكن تحقيق ذلك من خلال استعمال أساليب منع الحمل وعلاج العقم، كما أن من فوائد تنظيم الأسرة هو "أمر ضروري لتأمين رفاهية المرأة واستقلالها، وتقديم الدعم في الوقت نفسه لصحّة المجتمعات وتنميتها".

بشكل ما، فإن مسألة تنظيم الأسرة وتحديد النسل، لا تتوافق مع الموروث الاجتماعي في العالم العربي إزاء الإنجاب والأطفال، على الأقل في الماضي، والمقولة الشعبية التي تفيد: "الولد بجيب رزقه معاه"، إضافة لأهمية العائلات الكبرى في ثقافاتنا. وبما أن الزمن تغيّر، والأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كذلك، فقد أثّر ذلك على عدد الولادات وأنفار العائلة، طبعا بالتفاوت بين مكان وآخر، وبلا أن نستثني السياقات العديدة، منها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للعائلات.

مختارات

في حديث مع إشراق من تونس، وهي طالبة جامعية، حول الواقع التونسي بما يتعلق بتنظيم الأسرة، وتأثير الخطوات التي اتُخذت في ستينات القرن الماضي، قالت: "بداية، نحن كبلد منذ الاستقلال، ووفقًا لقوانين الأحوال الشخصية هنالك تحديد نسل، هذا لا يعني أن من ينجب أكثر من طفليْن، سوف يُعاقب. لكن هنالك وعي عند الناس، بأن إنجاب طفليْن وتوفير التربية والعناية والصحة اللازمة، أفضل من إنجاب أكثر من ذلك. إن هذا الواقع يجب أن نراه ضمن الموقع الجغرافي في تونس، أكثر السكان حفاظًا على مسألة تنظيم الأسرة هم في العاصمة، حيث من الصعب إيجاد عائلة في تونس العاصمة لديها خمسة أطفال. هذا لا يمنع أنه في مناطق أخرى، ما يزال عدد الولادات أكثر، خاصة عندما نتحدث عن عائلات من الفلاحين وملّاكي لأراضي. لكن رهان الناس اليوم، ضمن الوعي إزاء المسألة، بأن إنجاب طفليْن وتوفير التعليم والتربية اللازمة هو أفضل، كي لا يكون الأطفال فيما بعد عبئًا على المجتمع. وهذا الوعي هو نتاج مسألة تنظيم الأسرة، لاسيما أن هنالك وعي أيضًا بأن تونس ليست مثل أوروبا، بحيث أنه ليس من استثمار كافٍ بالأطفال، سواء أنجبت العائلات اثنيْن أو خمسة، فالمسؤولية الاقتصادية تعود على العائلات بالدرجة الأولى".

هنالك بالطبع خصوصية متعلقة في كل دولة عربية، بما يتعلق بالكثافة السكانية ومسألة تنظيم الأسرة، فمصر هي من أكثر الدول العربية التي تعاني من أزمة سكانية، وهنالك أرقام نعرفها ومسجّلة حول عدد السكان، ولكن أيضًا نعرف أيضًا أن هنالك أعداد غير موثّقة أيضًا. في مصر، نُظمت حملات عديدة للتوعية حول مسألة تنظيم الأسرة والنسل، وهو موضوع مطروح كثيرًا. لكن مثل مجتمعاتنا العديدة، يُشكّل أيضًا الدين محورًا مؤثرًا على الناس وقراراتهم حول تنظيم الأسرة والنسل.

في حديث مع أحمد من مصر، حول الواقع المصري بمسألة تنظيم الأسرة، قال: "موضوع تنظيم النسل هو قديم في مصر، منذ أيام حسني مبارك، حيث الحملات التلفزيونية العديدة للتوعية وتسليط الضوء على الأزمات المجتمعية الناتجة عن وجود عدد كبير من الأطفال في الأسرة، وكانت قد نُظمت مؤتمرات مهمّة حول الموضوع، إلا أنها رُفضت من قبل الجماعات الدينية، وهذا سياق أساسي متعلق بمجتمعاتنا. على الرغم من الوعي لدى الجيل الجديد من المصريين حول تنظيم الأسرة، إلا أن التأثير الديني وفكرة أن "العيل بجيب رزقته معاه"، مؤثرة بالضرورة. نحن نتحدث عن مجتمع يؤثر الدين فيه على أفكار الناس وأفعالهم، على الرغم من أن هنالك وعي بضرورة أن تكون مسافة بين طفل وآخر، كي تستعيد الأسرة قوتها والأم صحّتها، وهذا الوعي يقع ضمن خانة التنظيم الأسري، إلا أن مسألة تحديد النسل هي شائكة، خاصة لدى أفراد يؤمنون بأن "ربنا بيرزق".. مع ذلك، وأنا غير مطلع على إحصائيات دقيقة، هنالك تغييرات حصلت في المجتمع، منها الوعي حول أن الاستثمار في طفل أو طفليْن أهم من أجل تأمين حياة أفضل لهما".

العامل الديني بالطبع لا ينحصر في الحالة المصرية وحدها، ففي الأردن أيضًا ترتبط مسألة تحديد النسل بالمنحى الديني، كما أن الخلفية الثقافية ومستوى التعليم هي عوامل مهمّة تؤثر على آراء الناس بهذه المسألة. في حديث مع رهف (31  عامًا) من الأردن، تعيش في إحدى قرى إربد وهي أمّ لثلاثة أطفال، ترى بأن تحديد النسل محرم شرعًا ما لم يكن هناك مانع طبي بحسب فتاوى كثير من الشيوخ، وتضيف: "وبخصوص العبء المالي لتربيتهم، أرى أن الحياة خارج العاصمة الأردنية أسهل وأقل كلفة، سيما في القرى ومع وجود العائلة الممتد، كما أن متطلبات الأطفال في القرى أقل منها في المدن". أما زينة  (39 عامًا)، وهي أمّ لثلاثة أطفال تعيش في عمّان، قالت: "إن العائلة المثالية تضم طفليْن إلى ثلاثة، نظرًا للجهد والمال الذي تقتضيه تربيتهم وتدريسهم في بلد مرتفع الأسعار كالأردن، سيما مع التحاق 30% من الطلبة بالتعليم الخاص، وكنت قد اتخذت الإجراءات الطبية اللازمة لعدم إنجاب المزيد من الأطفال بالاتفاق مع زوجي".

تتفاوت القصص والآراء، وكذلك الوعي بقضية تنظيم الأسرة، بين بلد عربي وآخر، بين شرائح مجتمعية وأخرى، وبين قوانين وأخرى أيضًا. إن مسألة الدين تأخذ حيزًا واسعًا، وعلاقة هذا المنحى بقوانين الدول بشكل نسبي، لكن مما لا شكّ فيه، بأن هنالك تغييرات يمرّ بها على الأقل الجيل الجديد، كسيرورة تغييرات سياسية واجتماعية وثقافية متنوعة في المنطقة، ومنها هذا الوعي بتحديد النسل، كخطوة لا يُستهان بها لبناء مجتمعات قوية اجتماعيًا واقتصاديًا، تبدأ بالاستثمار الصحيح بالتربية الجيدة التي يستحقها كل فرد، بلا أن تكون على حساب فرد آخر من نفس العائلة.

 

* الموضوع يعبر عن وجهة نظر كاتبته وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.

إعلان